|
لندن- من منا لم تراوده فكرة خلق عالم يشبه جنَّة عدن؟ عالم تسود فيه السعادة بعيدًا عن تعقيدات الحياة العصرية ومشاكلها التي تفرضها التفاصيل اليومية والهموم الحياتية.
فكرة رومانسـية لابـد وأن تكون قـد غـزت مـخيـلة الـعديـد من الناس، أن يـجدوا مـكانًا لـم يعرفـه سواهم، مـدفوعـين بحب المعرفة والمغامرة صـوب أرض الأحلام التي قد تكون غـابة عـذراء، جزيرة نائـية أو حتى المريخ الذي قد يصبح بعد وقت ليس طـويل محط الطموح والحلم.
والنزوع إلى إيجاد أو إنشاء عالم جديد عادة ما يكون هاجس الجيل الشاب، ويكون مصحوبًا برغبة في الهرب من واقع الحياة التي ترمي بثقلها على أكتاف ذلك الجيل بكل تحولاتها وصخبها، فيعمد البعض إلى ابتكار أشكال مختلفة للعالم المنشود، وغالبًا ما يحاولون جاهدين أن تكون دنياهم شبيهة بالمدينة الفاضلة.
تلك هي الفكرة الرئيسية التي يحاول فيلم The Beach أو "الشاطئ" معالجتها، انطلاقًا من وجهة نظر مخرجه داني بويل الذي يقدم الفيلم بأسلوب هوليوودي، يعتمد على المقدرات المالية الضخمة للإنتاج التي تسعى إلى الإبهار باستخدام التقنيات العالية، لكن دون أن تضمن تقديم الرؤية العميقة والبعد الإنساني في تناول الأفكار.
وبالرغم من الطابع الفلسفي والمثالي الذي تحمله فكرة خلق جنة على الأرض في بقعة ضائعة من العالم، إلا أن الفكرة قد أُفْرِغت من محتواها في عرضها بشكل سطحي في الفيلم، وكأنها ما وجدت أصلاً إلا ليتمكن ليوناردو دي كابريو بطل الفيلم بوجهه الطفولي وجسمه ذي التكوين الصبياني من القيام بدور البطل الذي لا يقهر!، ويقوم بإنقاذ العالم في أداء غير مقنع لعدم تمتعه بالمواصفات المؤهلة، وليثبت للمرة الألف أن هناك عالمًا واحدًا اليوم لا اثنين الحكم فيه للقيم الأمريكية، الفكرة التي ما فتئت تكررها أفلام هوليوود.
على تلك الجزيرة التايلاندية النائية يتجمع أشخاص من جنسيات مختلفة، راضين بنمط حياتهم إلى أن يجيء الشاب الأمريكي وصديقاه الفرنسيان اللذان سرعان ما يتأقلمان بنمط الحياة هناك، ويبقى ريتشارد أو "دي كابريو" هو الوحيد الذي تساوره الشكوك ويطرح الأسئلة التي تثير انتباه وحفيظة الآخرين، ليس لأنهم يعون ما يدور حولهم بقدر ما أنهم ينساقون وراء الشخصية المبهرة التي يحاول ليوناردو أن يكونها، في قتله سمكة القرش مثلاً أو في استحواذه على إعجاب رئيسة الجماعة، والفوز بقلب صديقة صديقه، ومقدرته على جذب اهتمام من حوله ليصبح الشخص الأول بلا منافس.
ويصل تضخيم شخصية البطل إلى حد يتحول فيها إلى شخص يعيد إلينا صورة مقاتلي المارينز في حرب الفيتنام، وذلك عندما يترك ريتشارد وحيدًا ليواجه مصيره في غابة مليئة بالحراس المدججين بالسلاح، فيتحول بشكل خارق إلى محارب عالِم بأحوال الحرب وكيفية تحويل أي شيء في الطبيعة إلى أداة قتال، وفي نهاية المطاف يصبح بطل لعبة فيديو، وكأن المخرج في ذلك يجعله بطلاً في المطلق.
أضف إلى ذلك التهميش المتعمد لدور الشخصيات الأخرى في الفيلم، فكانت أفعالها كلها مسخرة لتلميع شخصية البطل، والتي تعاني هي نفسها من تناقضات كثيرة، فمرة يكون طيبًا وكريم الأخلاق يتحلى بالقيم الإنسانية، ومرة أخرى يتخاذل عن تقديم المساعدة إلى شخص جريح، أو يتسبب في قتل أربعة أشخاص أبرياء.
ويتوصل البطل في النهاية إلى جعل الجميع يتبنون وجهته، وإلى كشف الأمور على حقيقتها في المشهد ما قبل الأخير من الفيلم الذي جاء بعد سلسلة من الأحداث الميلودرامية التي أفقدت الفيلم حبكته الفنية، وأفقدت الأحداث ترابطها الزمني والمنطقي، حتى جاء الفيلم وكأنه مجموعة أحداث مركبة دون تبرير معقول يقنع المشاهد بجدوى تقديمها على النحو الذي جاءت فيه.
قصة الفيلم تجسد -إلى حد ما- الوضع الذي كان قائمًا في بعض المجتمعات التي كانت تتبع سياسة الانغلاق عن العالم، وسيادة الحاكم الواحد وتفرده في تقرير مصير الجماعة التي كانت في الفيلم مستسلمة ببلاهة لقدرها الذي يتحكم فيه الأقوى تحكمًا مطلقًا، وحسب وجهة النظر الأمريكية في الفيلم، فإن الحد الأدنى من تأمين متطلبات العيش واتباع سياسة الاكتفاء الذاتي، حتى وإن كان داخل الجنة ما عاد يرضي طموح إنسان هذا العصر، الذي بات يفضل عيش تحديات هذا الزمن بتفاصيلها أو حتى الانتحار بسببها، وكأنه الخيار الوحيد المتبقي بعد انهيار كل التجارب التي حاولت القيام بعكس ذلك، لتسود في النهاية الثقافة الواحدة.
مع كل ما ورد سابقًا إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل المشاهد الطبيعية الرائعة التي يحتوي عليها الفيلم وطريقة التصوير المؤثرة، خاصة تلك التي التُقطت تحت الماء، والتي تدل على حرفة عالية في اختيار اللقطة المصورة؛ إلا أن المفارقة أن احتجاجات واسعة قامت بها جماعات حماية البيئة في عدد من الدول ضد الفيلم وصانعيه بسبب اعتدائه على المحميات الطبيعية التي تم التصوير بها، لتؤكد الثقافة الهوليوودية الأمريكية، أنها إذا أرادت فلا شيء يهم!.
|