English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

"كيفك أنت" مع بروس ويليس!

Image
يأتيك صوتها من فضائك الداخلي يسألك السؤال الحميم "كيفك أنت؟!" تدركه مع آخر مشهد من الفيلم، ساعتها تكتشف أنك منذ مشهد البداية الدافئ كنت تستمع لصوت فيروز في خيالك، تردد أغنيتها التي تسأل عن الأسرة والأولاد وطمأنينة الحياة العائلية.
كل هذا يدور في ذهنك - ربما - للحظة خاطفة مع أنك تشاهد نجم الحركة والعضلات "بروس ويليس" (Bruce Willis) في فيلم "الحاسة السادسة" The Sixth Sense لكنه هذه المرة مختلف وحميم، عندما يلعب دور الدكتور مالكوم، ويجلس على ركبتيه، في المشهد الأخير - بجوار زوجته النائمة هامسًا في أذنها "لم تكوني أبدًا الثانية في حياتي، لم أهتم أبدًا بشيء سواك" لينتهي الفيلم ساعتها، تلك التي يكتشف فيها مالكم (بروس ويليس) أنه من البداية كان ميِّتًا، لكنه الموت بطعم الحياة!
ولولا دواعي النجومية التي تجعل الاسم اللامع لـ "بروس ويليس" محط الأنظار لكان الأولى بالكتابة من البداية هو النجم الصاعد المخرج والكاتب الشاب لهذا الفيلم، ذو الأصل الهندي والجنسية الأمريكية والتنشئة الكاثوليكية "شيامللان" M. Night Shyamalan في الحاسة السادسة يقدم شيامللان قصة قد تبدو عادية، لطبيب نفسي للأطفال يعالج طفلاً وحيدًا يعيش مع أمه التي انفصلت عن أبيه، ويعاني من بعض الغرابة في أطوار سلوكه، وتنشأ صداقة بين الطفل "كول" - ولعب دوره ولد عبقري هو هالي أوسمنت Haly Joel Osment (12 عامًا) وبين الدكتور مالكوم، ويكشف الولد من خلال هذه العلاقة السر للطبيب ويخبره أنه يرى موتى يتحركون ويتكلمون "هم لا يعرفون أنهم موتى ولا يشاهدون إلا ما يرغبون مشاهدته".
 استطاع شيامللان الذي كتب بنفسه الفيلم وأخرجه أن يطرح الأسئلة المتعلقة بالموت والحياة، وأهمية العلاقات الأسرية المترابطة الحميمية، وضرورة التصديق بالغيب والبعث والحساب، وغيرها من القضايا التي لا تقدمها السينما الغربية إلا في إطار السخرية أو الحديث العارض، لكن يبدو أن هذا المخرج الشاب (مواليد 3 أغسطس 1970 في مادراس بالهند) الذي نشأ وتربى في فيلادلفيا وفيها تدور أحداث الفيلم - قد تأثر بتربيته في مدرسة كاثوليكية، عندما حرص والداه - وهما بالمناسبة طبيبان - على أن يتربى ابنهما تربية دينية كاثوليكية، رغم أنهما من الهندوس! وهو ما أثر في ثقافته وأفكاره. 
فرص ضائعة!

انعكست أفكار شيامللان في تقديمه لفيلم "الحساسة السادسة" حتى أننا لمرة نادرة في السينما الغربية نجد الدين يقدم على أنه جزء من الحياة وليس دينًا علمانيًّا داخل الكنيسة وفقط، فالأم - الممثلة الشابة توني كوليت Toni Collette تجلس وقد أرهقها يوم العمل ومشكلات سلوك ابنها، وتحاول أن تصارحه أو تدفعه للاعتراف بسبب سلوكه الغريب، ولما تعييها الحيلة تقول لابنها: "إنني احرص على أداء الصلاة، لكن دعنا أنا وأنت نتوجه إلى الله بإخلاص وصدق أكثر في صلاتنا، لعل هذا يصلح ما بيننا"، جملة لم أسمع مثلها في فيلم أمريكي منذ سنوات عديدة.
ويبدو أن الكاتب/المخرج متأثر بهذه القضية، الروح/الجسد، ويطرحها دائمًا في أفلامه مع التركيز المستمر على الأهمية البالغة للعلاقات الأسرية والإنسانية، والفرص التي تضيع لأننا نهمل هذه العلاقات ونندم في اللحظة الأخيرة، عندما يضيع الحب الذي كان كبيرًا وقائمًا! فقد سبق أن طرح هذه الفكرة في فيلمه الخطوات الواسعة Wide Awake الذي يحكى عن ولد في العاشرة من عمره يبدأ في البحث عن حقيقة الإيمان بعد وفاة جده، وفي فيلمه الجديد الذي أنهى إعداده منذ أسابيع بعنوان الصلب UnbreakableK يطرح قصة رجل يكتشف في نفسه قدرات فائقة ويسمع دائمًا أصواتًا حوله تربطه بمن يعيش معه، وذلك بعد أن تقع له حادثة عارضة.
أما في "الحاسة السادسة" فهو يركز على معاني القدر والتواصل الإنساني، فالأم يرزقها الله بمن يحل مشكلة ابنها دون أن تدري لأنها أخلصت النية والسعي، والولد تنصلح علاقته بكل من يحبهم لأنه كان حريصًا على مساعدتهم رغم أنهم يهربون من هذه المساعدة لأنهم لا ينظرون إلا لما بين أيديهم ولا يصدقون ما تأتي به الأقدار.
أما الطبيب مالكوم فلا تكتشف أنه من هؤلاء الموتى "الذين لا يعرفون أنهم موتى" إلا في مشهد النهاية عندما يمنحه الله الفرصة لأن يساعد الولد على الشفاء - مع أنه ليس مريضًا فعلاً - ويخبر زوجته التي لا تراه ولا تشعر به، لكنها تشعر بروحه، إنه ظل يحبها ويخلص لها ويهتم بأسرته أكثر من أي شيء، لأنه في الحياة الفعلية قبل أن يموت كان يحمل كل هذه المشاعر الجميلة، لكنه أرجأ إعلانها انشغالاً أو ترددًا حتى ضاعت الفرصة!
المخرج/الكاتب شيامللان قدم عملاً جميلاً يعتمد على الروح والإحساس أكثر من الإبهار، ويقدم صورة نظيفة من كل ما يؤذي، ليس فقط نظيفة من العري والجنس لكن أيضًا من العنف أو سوء اللفظ أو ما يجرح الإحساس أو الذوق - على غير عادة السينما الغربية - واستحق بذلك أن يرشح فيلمه هذا العام لأوسكار أفضل ممثل مساعد "هالي أوسمنت"، وأفضل ممثلة مساعدة "توني كوليت" وأفضل مونتاج "اندرو موند شين"، وأفضل صورة للثلاثي "كاثلين كنيدي" و "فرانك مارشال" و"باري ماندال"، أما شيامللان نفسه فمرشح للأوسكار - الذي ستعلن جوائزه بعد أسابيع قليلة - كأحسن إخراج وأحسن سيناريو كتب خصيصًا في السينما.
يرفع الفيلم شعار "اكتشف سر الحاسة السادسة"، ويقدم الفيلم معنى "أحب من حولك.. وانتهز الفرصة قبل أن تضيع، فتندم عند تسرب العمر من بين يديك!"

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم