|
| هل تفرض القبعات الزرقاء في غزة؟ |
أعترض على فكرة إحضار قوات دولية إلى غزة من أجل فرض الأمن الداخلي وإجراء الانتخابات المبكرة. ولا يلغي الاعتراض التفسيرات غير المقنعة التي قدمها بعض المسئولين الفلسطينيين في محاولة لترقيع الفكرة، بقولهم إن القوات الدولية تأتي من أجل حماية الشعب الفلسطيني من العدوان الإسرائيلي، وتأمين حرية العبور على معبر رفح، وتأكيد الوحدة ما بين الضفة وغزة، لأن المطروح -حسب زعمهم- أن تنتشر قوات دولية في الضفة أيضا في مرحلة لاحقة.
أسباب الاعتراض كثيرة
تتعدد أسباب هذا الاعتراض، ومن أهمها:
أولا: إن فكرة إحضار قوات دولية هذه المرة -ليس مثل المرات السابقة- فكرة أمريكية إسرائيلية تهدف إلى نشرها على الحدود المصرية - الفلسطينية لمنع تهريب السلاح بحجة أن مصر لا تقوم بواجبها بتحقيق هذه المهمة. لذا فإن إحضار قوات دولية موجه بشكل مستتر ضد مصر، ولا أعتقد أن هذه الفكرة ستقبل بها مصر، وإن قبلت بها سيكون ذلك على مضض، مثلما قبل حزب الله بحضور قوات دولية على مضض، وهذا يختلف عن المبادرة لطلبها عندما تكون الفكرة الآن لصالح إسرائيل.
ثانيا: بعد انقلاب حماس على الشرعية في غزة تطورت فكرة إحضار قوات دولية بحيث أصبحت مطلوبة أيضا من أجل فرض الأمن الداخلي واستعادة الشرعية في القطاع، وهذا الأمر يعني أن القوات الدولية ستكون إلى جانب طرف ضد طرف، وهذا من شأنه أن يذكي الصراع الداخلي ويضيف إليه عوامل اشتعال جديدة، أما بالنسبة لضمان نزاهة الانتخابات فيمكن توفيرها بإحضار مراقبين دوليين وبأعداد كبيرة.
ثالثا: إن إحضار قوات دولية من أجل إجراء الانتخابات المبكرة فكرة تبدو جذابة جدا؛ لأن الاحتكام إلى الشعب هو المخرج الوحيد من الانقسام السياسي والجغرافي الذي وصل إلى حد الاحتراب والانقلاب العسكري، ولكن الانتخابات لن تعقد بعد العبور على نهر من الدماء الفلسطينية، ولن تعقد دون وفاق وطني فلسطيني على عقدها، إلا إذا كان هناك من يفكر بإجراء الانتخابات دون مشاركة حماس.
وما يدعوني لقول ذلك أن حماس ملاحقة في الضفة، وإذا ما مد هذا المنطق على استقامته فإنها ستعلن خارجة على القانون، وسيتم وضع الشروط لمشاركتها في الانتخابات تتضمن الموافقة أو الالتزام بالاتفاقات الموقعة ونبذ العنف والاعتراف بإسرائيل. وإذا حدث ذلك، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون انتخابات حرة ونزيهة، وإنما انتخابات صورية نتائجها مقررة سلفا. حماس حركة أساسية ولا يمكن تجاهلها والتعامل بخفة وكأنها غير موجودة بحجة أنها ارتكبت الحماقات والجرائم.
رابعا: إن إحضار قوات دولية لهدف يتعلق بأسباب داخلية فلسطينية أساسا ولا تكون مهمتها حماية الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال تطبيقا لاتفاقية جنيف الرابعة، ولا الفصل ما بين الحدود الفلسطينية والإسرائيلية، ولا جزء من خطة لإنهاء الاحتلال، سيضفي الشرعية على الاحتلال، ويساعد على تطبيق الخطة الإسرائيلية الرامية لفرض حل إقامة كانتونات منفصلة عن بعضها البعض. في هذا السياق، فإن إحضار قوات دولية إلى غزة فقط، يؤكد الفصل ما بين الضفة وغزة، ويمهد لتكرار نفس الأمر في الكانتونات المقبلة في الضفة، وبالتالي، فإن القوات الدولية ستأتي في ظل المعطيات الحالية للوصاية وفرض الحلول الإسرائيلية وليست للحماية. وهذا ممكن لأن الشرعية الدولية مختطفة من الولايات المتحدة الأمريكية.
خامسا: إن القوات الدولية حتى تأتي بحاجة إلى وفاق محلي وإقليمي ودولي، فلا تأتي القوات الدولية في الغالبية العظمى من الحالات لكي تحارب معارك عن أحد، وهناك ردات فعل لأطراف فلسطينية عديدة، مثل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، والتي وصلت عند كتائب القسام إلى حد الإعلان عن الاستعداد لشن حرب على القوات الدولية واعتبارها احتلالا جديدا. حتى الشخصيات والفصائل والأحزاب التي أيدت إحضار قوات دولية دعت إلى أن تكون قوات لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان العسكري ومساعدته للتخلص من الاحتلال، وطالبت بأن ترابط في كافة الأراضي المحتلة بما فيها القدس. والكل يعرف أن إسرائيل ترفض حضور القوات الدولية في هذا السياق، والفيتو الأمريكي جاهز للاستخدام إذا عرض مشروع قرار بإحضار قوات دولية للحماية على مجلس الأمن.
سادسا: إن إحضار قوات دولية للعب دور داخلي فلسطيني في ظل الضعف والانقسام يمثل وصاية على القرار الفلسطيني ويزيد التدخلات المتنوعة في الوضع الفلسطيني، بحيث يضعف الخيار الفلسطيني ويقوي الخيارات الأخرى.
عودة للوفاق الوطني
تأسيسا على ما تقدم، أدعو لسحب فكرة إحضار قوات دولية لقطاع غزة واستبدالها بإعادة طرح الفكرة القديمة - الجديدة وهي إحضار قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان العسكري في كافة الأراضي المحتلة عام 1967، وأن تكون جزءًا من خطة لإنهاء الاحتلال، وقوات سلام للفصل ما بين الحدود الفلسطينية - الإسرائيلية، وهذا غير ممكن حاليا كما يعرف الجميع، وخصوصا المدافعين بحرارة عن فكرة إحضار القوات الدولية. أما الانتخابات سواء أكانت عادية أم مبكرة، فلن تعقد دون وفاق وطني، وإذا عقدت في ظل الانقسام لن تكون حلا ولا ديمقراطية ولا حرة ولا نزيهة وستصب الزيت على النار. فالانتخابات لن تكون المحطة الأولى للخروج من الأزمة وإنما المحطة الأخيرة.
إن التجربة المرة التي تجرعتها القضية خلال العامين الماضيين أثبتت أن إجراء الانتخابات دون الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية وعلى رؤية إستراتيجية واحدة، ودون وفاق وطني لن يكون حلا على الإطلاق، والاتفاق على كل ذلك لا يعني أن كل مشارك في الانتخابات يجب أن يوافق على أوسلو والاتفاقيات ونبذ العنف والاعتراف بإسرائيل، فمثل هذا الشرط يلغي التعددية وحق الاختلاف، ولكنه يعني أن أي حكومة فلسطينية قادمة عليها أن تلتزم بالتزامات الحكومات السابقة حتى إن كانت تعارضها تحقيقا لمبدأ الاستمرارية المعمول به في القانون الدولي مع احتفاظها بحق مراجعة وإلغاء هذه الاتفاقيات إذا رأت أن ذلك يحقق المصلحة الفلسطينية.
إن الواقع يقول إن إسرائيل تجاوزت الاتفاقات وتخلت عمليا عن اتفاق أوسلو ولا تعترف بالحقوق الفلسطينية، وجزء من الإستراتيجية الفلسطينية المطلوبة لا بد أن يتضمن اتفاقا فلسطينيا على الإصرار على اعتراف متبادل بحيث تعترف إسرائيل بدولة فلسطينية على حدود العام 1967، مثلما اعترفت المنظمة والسلطة بإسرائيل، وأن تلتزم إسرائيل بوقف العدوان العسكري بكل أشكاله بما في ذلك العنف العسكري وعنف الاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال والحصار، وأن تلتزم إسرائيل بالاتفاقيات، فالالتزام بالاتفاقيات والاعتراف ونبذ العنف من جانب واحد لم ولن يجلب السلام وإنما يشق الطريق نحو الاستسلام.
إن خطورة فكرة إحضار قوات دولية تكمن في محاولة تجنب اللجوء للحوار كمدخل لاستعادة الوحدة والشرعية رغم أن هذا المدخل، شئنا أم أبينا هو المدخل الوحيد شرط توفير المناخ لانطلاق حوار جاد وقادر على الوصول لاتفاق، فما دامت السلطة الشرعية عاجزة عن استعادة غزة حربيا، وما دامت إسرائيل ليست تريد العودة إلى غزة وإذا عادت فستعود لتحقيق أهدافها والانسحاب مجددا، فهي -أي السلطة- تفكر باللجوء والاستقواء بالقوات الدولية بدلا من الحوار، وهذا يعمق الانقسام السياسي والجغرافي.
هناك فرق بين من يريد استعادة الشرعية والوحدة ما بين الضفة وغزة، ويضع شروطا لضمان أن يتم ذلك على أسس صلبة ومتينة تمنع الانفجار مجددا، وبين من يضع شروطا تعجيزية؛ لأنه يعتبر الانقسام هدية هبطت من السماء لأنه كان يريد حكومة الطوارئ منذ فبراير 2006، لأنه يخشى من الوحدة على مصالحه ونفوذه.لا بديل عن الحوار والاتفاق، لا بديل عن إزالة آثار الانقلاب، لا بديل عن
معالجة الأزمة من جذورها والتي أدت إلى ما حدث، من الانتخابات دون الاتفاق على مرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية، إلى عدم تمكين حماس من الحكم برغم فوزها بأغلبية تمكنها من الحكم، إلى عدم إصلاح الأجهزة الأمنية بحيث تصبح أجهزة للوطن وتخضع لسيادة القانون وليست أجهزة للفصائل وتخضع لمراكز القوى، إلى عدم إصلاح وتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، إلى الاستمرار في المفاوضات أو البحث عن المفاوضات العبثية دون سقف ولا مرجعية ولا ضمانات إلى المقاومة العبثية التي تستخدم كوسيلة في تحسين شروط الفصائل في الصراع الداخلي، إلى الأفكار التفريطية والعدمية والمتطرفة التي تخون وتكفر وتلغي الأطراف الأخرى وتريد بيع الوطن بأبخس الأسعار.
محلل سياسي فلسطيني
|