النقد والتعليق:
الفنانة التشكيلية/ سارة رجائي صالح
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} (الفرقان: 45، 46).
صديقتي سارة، صدفة لطيفة أن نحمل نفس الاسم.
سارة، أنت صاحبة حس فني مرهف... عندك حس فطري؛ وهو ما يلح علي في السؤال: هل أخذت أي دروس خاصة في الرسم؟
على أي حال دعينا نتناول لوحتك ببعض التفصيل:
بالنسبة لموضوع اللوحة فهو الطبيعة الصامتة أو ما نطلق عليه مصطلح: "Still Life"، وقد استخدمت يا سارة في نقل هذه الطبيعة أسلوب الرسم؛ نظرا لطبيعة الخامة التي استخدمتها وهي الرصاص.
تكوينك متوازن يا سارة من ناحية وضعه في اللوحة (الفراغ)، ومن جهة علاقة الأشكال ببعضها، فلو قسمنا اللوحة نصفين فلن نشعر أن أيا من الجهتين أثقل من الأخرى. كما أنك استخدمت كلا من اللون والشكل لتحقيق هذا التوازن؛ فالشكلي ممثلا في: "الزجاجة الشفافة- التي سنعتبرها مجازا بيضاء بلون الورقة- على يمين وشمال اللوحة"، واللوني في: "الكتلة الغامقة في منتصف التكوين والمتمثلة في المزهرية الكروية أكد هذا التوازن".
كما يتسم تكوينك بالبساطة؛ لذا من الجيد أنك أضفت الزهرة المائلة لكسر ملل الخطوط الرأسية والأفقية للزجاجتين والصندوق ولكسر أيضا الجمود، بإضافة هذا العنصر الحي في اللوحة.
لهذا يمكن وصف التكوين بأنه مثلثي قمته فتحة المزهرية وقاعدته الخط الواصل بين طرفي الزجاجتين.
ويتسم تكوينك يا سارة كذلك بالتنوع من حيث الأشكال الهندسية.. فلو حللنا الأشكال إلى أصولها الهندسية المجسمة فالزجاجتان: على شكل مخروط.. وتبسيطه هو المثلث.
والصندوق: مكعب.. تبسيطه هو المربع.
والمزهرية: كرة.. وبالتالي يمكن اعتبارها دائرة.
كما أن منظورك في اللوحة سليم.. فزاوية الرؤية من الأمام.. ولكن أريد أن ألفت نظرك أنه ليس دائما ما نراه هو الصحيح.. فنظرا لأن المزهرية موجودة في أعلى التكوين، أي أبعد عن زاوية النظر، فيجب أن تكون فتحتها أقل من فتحة الزجاجتين.
أما عن الظلال، فبصفة عامة تتسم الظلال بأنها أهم وأمتع ما في الرسم؛ لأنها هي التي تعطي العمق والبعد والشكل الخارجي أو الهيئة الخارجية للشكل والذي نطلق عليه مصطلح: The Form.. ولذلك بدأت كلامي بآية الظل من سورة الفرقان.
وتدريج اللون أو درجة اللون يعرف بمصطلح: The Tone، والأفضل أن تكون التدريجات من الأغمق للأفتح، فكلما كانت الأشياء أو الأجسام في مقدمة اللوحة كانت درجاتها أغمق وتفاصيلها أوضح، والعكس صحيح .
واللونان اللذان تعاملت معهما هما الأبيض والأسود؛ نظرا لطبيعة خامة الرصاص، وبين هذين اللونين درجات لامتناهية من الرماديات لكن الأبيض والأسود معا لونان متضادان، والتضاد في الرسم هو الذي يبرز الأشكال.
ولكن جاء تدريجك للأبيض والأسود ناقصا؛ لأنها درجات متقاربة، ولأنه لا يمكن أن يكون تونات أو درجات الزجاج نفس درجات الصندوق.
ولا تحزني؛ فالعين المدربة هي التي تستطيع ملاحظة الفروق في درجات الألوان. وهذا التدريب يكون بكثرة المشاهدة والتحليل والعمل (الرسم). وبالتالي ستتولد لديك الجرأة في إضافة طبقات من اللون إلى أن تصلي إلى هذا التضاد، خاصة أن أسلوبك الرقيق الحساس قد يحول بينك وبين هذه الجرأة في بادئ الأمر؛ فالمرء عدو ما يجهل.. وأنا أذكر أنني كنت في بداية دراستي في كلية الفنون الجميلة أفتقد لهذه الجرأة إلى أن تعلمت أن الفنان حر.. لا يخشى إن أخفق مرة أن يصر على الوصول في المرات المقبلة.. وأنا أرى فيك هذه الفنانة الموهوبة المرهفة.
كما أنني أود أن أسألك يا سارة: أين مصدر الإضاءة في هذه اللوحة؟ وما هو؟ هل اعتمدت على إضاءة مصباح (Spot)؟ أنصحك يا صديقتي بتثبيت مصدر الإضاءة لتضمني رؤية سليمة للظلال وتوزيعها.
خطوطك الخارجية جاءت سليمة متناسبة مع الخامة (الرصاص) والأشكال، طيعة وليست حادة. ليس من الضروري دائما أن نعطي كل شكل حقه من الدراسة وذلك تبعا لأهميته للفنان: هل يريد إبرازه أم لا؟ ولكن بصفة عامة طبيعة الأشكال في لوحتك فرضت عليك أسلوبا مجردا من التفاصيل، فكان تعاملك مع المساحات اللونية هو السائد؛ لذا كان من اللازم أن تعطي كل شكل حقه في توزيع الظلال سواء الساقطة عليه أو المنعكسة منه على الأشكال الأخرى أو على الأرضية. أما بالنسبة لظلال الأرضية فهي دائما أغمق من الجسم المرسوم. فتظليل الأشكال وخاصة الكروية والأسطوانية يكون فيه منطقة "أعلى نقطة إضاءة" في مكان سقوط الضوء، ويتدرج اللون بين الفاتح والغامق من وإلى هذه المنطقة لتعطي الشكل الخارجي كما ذكرنا إلى جانب الخط الخارجي الذي إذا كان بناؤه سليما سهل ذلك باقي المهمة.
وإذا قسمت اللوحة إلى خطوط رأسية وأفقية بالتساوي فستتكون عند نقط التقاء هذه الخطوط منطقة ذات أهمية تعرف باسم القطاع أو النقطة الذهبية والتي تقع فيها الزهرة؛ لذا كانت أول ما تقع عليه العين ومنه تتحرك إلى باقي العناصر، وهذه ميزة النقطة الذهبية أنه يصنع حركة خفيفة مريحة في اللوحة.
سارة، إذا أتقنت الرسم بالأبيض والأسود فسيكون من السهل عليك باقى الألوان والخامات والأساليب التشكيلية، وإلى جانب الرسم قراءة الكتب المتخصصة مفيدة جدا، إلى جانب زيارة المعارض ومحاولة قراءة لوحات المحترفين. وهنا سأذكر لك اسم كتاب جيد Keys to drawing لمؤلفه Burt Dodson والناشر North light publisher. بالإضافة إلى هذه المواقع www.artcyclopedia.com.
وفي هذا الموقع عالم بأكمله من جميع فروع الفن التشكيلي من عصور ما قبل التاريخ إلى عهدنا الحالي http://witcombe.sbc.edu/ARTHLinks.html.
أيضا أنصحك بزيارة متحف الفن الحديث بدار الأوبرا ومتحف محمود خليل إذا كنت لم تزوريهما من قبل. ودعواتي لك بالتوفيق يا سارة.
|