النقد والتعليق:
الفنانة التشكيلية / سارة رجائي صالح
مرحبا بك يا دينا صديقة وأختا لنا في نادي المدعين، ولك أن تعلمي أن السعودية هي بلدي الثاني؛ فقد عشت وتربيت فيها الـ15 سنة الأولى من حياتي، ولقد كانت ابنة الفنان التشكيلي السعودي المعروف ضياء عزيز ضياء -الذي أحب أعماله جدا- زميلتي في المدرسة.
دينا، يبدو أنك ممن يهوون البحار وربما السفر أيضا! .. فهل سافرت عبر البحر من قبل؟
إن البحار والمحيطات عالم زاخر، أوحى وألهم العديد من الفنانين والشعراء. ويبدو أنك انضممت إليهم بلوحتك هذه.
لوحتك يا دينا هي منظر طبيعي ( Landscape (تسجلين فيه لحظة الغروب على أحد المحيطات. وتسجيل اللحظات الضوئية أسلوب المدرسة التأثيرية؛ فقد اهتمت هذه المدرسة "بتأثير الضوء" على الأشياء أيا كانت، وسبب تأسيسها لوحة مشابهة للوحتك، ولكن موضوعها معاكس (شروق الشمس) لكلود مونيه Claude Monet... وسأطلعك عليها في نهاية الصفحة، كما سأطلعك أيضا على لوحة الغروب لنفس الفنان.
ولقد فاجأني أسلوبك ومستواك في التعامل مع خامة رائعة كخامة الألوان الزيتية، بالرغم من صغر سنك نسبيا وقت رسمها الذي قلت إنه كان 17 سنة، لكنني أعترف بأنني وقفت ليومين لا أعرف من أين أبدأ! فأنا سعيدة بأن وطننا العربي بالفعل يزخر بمواهب براقة كموهبتك يا دينا.
ورغم أن لوحتك كما ذكرت منقولة أو مستوحاة من لوحة أصلية، فيعتبر مستواك في لوحتك جيد جدا؛ نظرا لصغر سنك وقتها، فإن للنقل دوره في صقل أي موهبة يا دينا. وأنت بالفعل موهوبة. ومعظم الفنانين الكبار من المدارس الفنية المختلفة -في بداياتهم- كانوا يقومون بنسخ للوحات فناني عصر النهضة وما بعده، وأذكر هنا كمثال الفنانة الأمريكيةMary Cassatt التي تنتمي أيضا إلى المدرسة التأثيرية.
لكن النقل يا دينا هو مرحلة مؤقتة يجب أن تخرجي منها لأرض الواقع، فحاولي ملاحظة ومتابعة تغير الإضاءة على مدار اليوم وتسجيل ما ترينه في إسكتشات سريعة لتتمكني من إنتاج لوحة من صنعك أنت، فهذا سيساعدك على رؤية وفهم سليم لطبيعة اللون واندماجه مع الألوان الأخرى؛ نظرا لأنك بهذا تتعلمين من خالق ومبدع الألوان سبحانه وتعالى.. إن أروع اللوحات ما كانت إلا محاولة -ربما غير مقصودة- لإبراز جمال هذا الإبداع الإلهي منقطع النظير، لكن مهمة الإنسان العابد أنه يشير إلى ذلك.
أما بالنسبة للخامة والألوان:
فأتمنى أن تكوني قد استمتعت بخامة الألوان الزيتية؛ فهي خامة السهل الممتنع، لكن من الواضح أن هذه ليست تجربتك الأولى. ومن باب التساؤل: هل استعنت بأي خامة جانبية كالأكريليك (الألوان البلاستيكية) مثلا؟
ألوان هذه اللوحة يا دينا يغلب عليها الدفء، ولقد نجحت في أن تجعليني أستحضر لحظة الغروب بكل دفء ألوانها (البرتقالي في الشمس، الأصفر في انعكاس أشعة الغروب على موج البحر والسحاب، درجات الأخضر الممتزجة بالأصفر في الموج، والبني في الصخور والمراكب)، وفي نفس الوقت بزحف البرودة رويدا رويدا كلما غابت الشمس باستخدام (البنفسجي في السحاب، زرقة السماء الباهتة).
لكن لي ملاحظة أرجو أن تأخذيها في الاعتبار، ألا وهي نقاء اللون؛ فمثلا إذا نظرنا إلى اللونين البرتقالي والأصفر في لوحتك، فإنهما يبدوان باهتين على عكس ما نراه في الطبيعة في مثل هذه اللحظة التي تكون ألوانها قوية وشبه صريحة.
فقط حاولي تفادي اختلاط الألوان الدافئة مع الباردة عند خلطك لها، كما تفادي استخدام نفس الفرشاة مع كل الدرجات، فاجعلي للدافئة فرشا تفرقينها عن الباردة لتفادي اتساخ اللون وبالتالي تتفادين بهتانه. ويمكنك أن تستعيني بسكين رسم لتكوين ألوانك أولا، وانتظري جفاف كل طبقة لون تضيفينها على اللوحة حتى لا تختلط باتساخ، كما في ألوان السماء والسحاب.
دينا، كلما نظرت إلى لوحتك يكون بإمكاني أن أسمع صوت الموج المتسابق نحو صخور الشاطئ التي بالرغم من اشتراكها مع المراكب الشراعية في الدرجات اللونية فقد استطعت -من خلال خطوطها الخارجية والداخلية- أن تشعريني برسوخها. فقط، كان من المستحسن أن تنال هذه الصخور جانبا من إضاءات وألوان الغروب كتلك المنعكسة على الماء لنشعر بعدم انفصالها عن اللوحة، وأيضا انعكاس صورة وظلال الصخور على الماء وذلك للتأكيد على ماهية الأشكال، وكذلك بالنسبة للمراكب.
من الواضح أنك تطلعين على كتب الفنانين المحترفين وهذا في حد ذاته عنصر مهم لاكتساب الخبرة؛ لذا أنصحك بقراءة الكتب المؤلفة عن نظريات اللون وتركيباته وبالذات خامة الزيت، ومع الوقت يمكنك تكوين مكتبة فنية خاصة بك تلجئين إليها من وقت لآخر نظرا لأن اللون له أسراره التي ستجدين متعة بلا حدود في اكتشافها بالعمل والوقت.
أما الآن فهذه هي لوحة شروق الشمس لكلود مونيه Claude Monet
ما رأيك فيها؟
هل تبدو لك أنها بالفعل شروق؟ أم بماذا تشعرين؟
ما رأيكم أنتم أيضا يا أصدقاء نادي المبدعين؟
أما هذه فهي
لوحة غروب الشمس لمونيه أيضا
التي أريدك أن تطلعي عليها لعلها توحي لك بمجموعات لونية جديده للوحة جديدة موفقة كهذه اللوحة.
دينا، أنت لا تحتاجين للتوجيه بالدرجة التي تحتاجين فيها لاكتساب الخبرة بممارسة الرسم بالزيت والاطلاع لتحققي مستوى أعلى من الاتقان التي ننتظر أن نراه قريبا إن شاء الله.. وفقك مبدع الأكوان.
|