|
| شعار حزب العمال الكردستاني |
وكأن الملف العراقي بكل تعقيداته كان ينقصه المزيد حتى يضاف إليه عنصر جديد من التعقيدات.
رئيس الإقليم الكردي العراقي مسعود البارزاني يصرح ضمن حوار لإحدى الفضائيات بأنه ليس من حق تركيا التدخل في مسألة تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، خصوصا ما يتعلق بمسألة كركوك.. البارزاني يؤكد أن كركوك هي مدينة عراقية بهوية كردستانية، وبالتالي فهي شأن داخلي لا يجوز لأي طرف خارجي أن يتدخل فيه، وبالذات تركيا. ويهدد البارزاني تركيا بأنها إذا أصرت على التدخل فإن من حق أكراد العراق حينئذ أن يتدخلوا في الشأن الكردي داخل تركيا.
ردود أفعال متباينة
وكان رد الفعل التركي على ما جاء في هذا التصريح بالغ العنف، فرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان توعد وهدد، ورئيس الأركان التركي طلب إذنا سياسيا للدخول بقواته إلى المنطقة الكردية العراقية. وكانت الحجة المعلنة هي مهاجمة قواعد حزب العمال الكردستاني التركي (p.k.k) المتمركزة في سلسلة جبال قنديل شديدة الوعورة بالقرب من المثلث الحدودي إيران/تركيا/العراق.
وأعقب ذلك حشود عسكرية ضخمة عند الحدود، وتطور الأمر إلى قصف مدفعي على مواقع حزب العمال نالت بعض القوى الكردية في المنطقة، ودفعت المنطقة دفعا إلى حافة الخطر.
وقد تباينت المواقف إزاء هذا الخطر. فالولايات المتحدة الأمريكية، اللاعب الأهم في أي حدث، يهمها ألا يحدث أي صراع جديد في المنطقة ويكفيها ما يجري على الأراضي العراقية، ولذلك فقد حذرت تركيا من مغبة القيام بأي عمل عسكري.
وعلى الجانب الكردي العراقي بدأت الاستعدادات لمواجهة الخطر التركي القادم. فوزير الداخلية الكردي كريم سنجاري يقول: "إن القصف المدفعي التركي كان في محيط قرى عراقية وسبب الذعر بين المواطنين الآمنين، وهو قصف لم يؤد إلى خسائر بشرية ولكنه خرق للسيادة العراقية. ومن المعروف عسكريا أن هذا القصف يسبق عادة عملية دخول القوات التركية، ولقد حشدت تركيا قوات كبيرة على طول خط حدودها مع العراق، لكن هذه القوات لم تدخل الأراضي العراقية.. وإننا جزء من العراق وحكومته فإذا كانت هناك خطوة باتجاه الحديث مع الحكومة التركية حول عناصر حزب العمال الكردستاني التركي فلا بد أنها ستجرى بالتشاور بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، أما إذا تجاوز الأتراك الحدود العراقية فسيكون لنا حينئذ حديث آخر".
أما الحكومة العراقية فقد كان ردها عنيفا، سواء ما جاء على لسان علي الدباغ المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية أو ما قاله رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني.
واتفق رد فعل حلف شمال الأطلسي مع الحكومة الأمريكية. فالأمين العام للحلف طالب تركيا بالالتزام بأقصى درجات ضبط النفس، وجاء هذا التصريح في ختام اجتماعه بعبد الله جول وزير الخارجية التركي.
وفي تطور لاحق اشترطت تركيا على أكراد العراق كي تدخل في حوار معهم التعاون معها في محاربة قواعد حزب العمال الكردستاني في العراق (P.K.K)، كما جاء على لسان الناطق باسم الخارجية التركية. وجاء رد الفعل الكردي العراقي سريعا، ففي اجتماع بين مسعود البارزاني رئيس الإقليم الكردي وجلال طالباني رئيس جمهورية العراق، قال البارزاني في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع: "الشرط الذي وضعوه من تصدٍ لحزب العمال الكردستاني حقيقة نحن لا نقبل به وقلنا دائما سنساعد تركيا بكل الإمكانيات إذا انتهجت حلا سلميا، والآن نؤكد على ذلك ولكن إذا كان هدف تركيا فقط الحرب فنحن غير مستعدين لقبول هذا الشرط". واعتبر البارزاني الاجتياح التركي لإقليم كردستان - إن حدث - تجاوزا للسيادة العراقية قبل أن يكون تجاوزا للحكومة الكردية.
ومن جانبه أكد الرئيس العراقي جلال طالباني أن أسلوب الحوار هو أفضل أسلوب لمعالجة هذه القضية، وقال: "نرجو ونتمنى أن لا يحدث أي اجتياح وأن تسلك تركيا سبيل الحوار والإخاء والتفاوض لحل جميع القضايا". وأضاف: "هناك لجنة ثلاثية أمريكية تركية عراقية مسئولة عن هذه المسائل، نتمنى أن تحال هذه المسألة إلى هذه اللجنة".
المعضلة.. الموصل وكركوك
والغريب في الأمر أن حزب العمال الكردستاني التركي (p.k.k) يتخذ من المنطقة الحدودية ملاذا له منذ سنوات. وبين حين وآخر تشن القوات العسكرية التركية هجمات على أماكن تواجده ولم تحدث ضجة مثل تلك التي تحدث حاليا، بل إن هناك اتفاقيات أمنية سابقة بين النظام العراقي السابق والحكومة التركية تعطي كل طرف حق مطاردة (العصاة) داخل حدود الطرف الآخر - لفظ (العصاة) كان يطلق على الحركات الكردية في كلا الطرفين - بل إنه في وقت من الأوقات أقام الجيش التركي قواعد عسكرية داخل الأراضي العراقية، وأعلنت الحكومة التركية أكثر من مرة أنها بصدد إقامة حزام أمني داخل الأراضي الحدودية على غرار ذلك الحزام التابع لإسرائيل الذي كان موجودا في لبنان في وقت ما.. فلماذا إذن هذه الضجة الآن؟
المسألة تعود أساسا إلى موقف الدولة التركية مما يحدث في الإقليم الكردي العراقي؛ لأنها ترى أن أي تطور يحدث فيه يؤثر على أمنها القومي.. فضلا عن أنها تعتبر الأقلية التركمانية في الإقليم في رعايتها وحمايتها وأن أي مساس بها أمر غير مقبول، إضافة إلى العقدة الأهم والمتمثلة في هوية مدينة كركوك.. فأكراد العراق يعتبرونها قدس أقداسهم، ولا بد أن تضم إلى الإقليم الكردي وتصبح عاصمة له، في حين أن تركيا تعارض ذلك وبشدة على أساس أن ضم هذه المدينة الغنية بالنفط من شأنه أن يضيف قوة هائلة إلى الإقليم الكردي الذي ربما تساعده على الاستقلال، وهو أمر يضرب الأمن القومي التركي في الصميم.
مسألة كركوك تقع ضمن مسألة عراقية كبرى، وهي تلك المناطق العراقية التي حدث فيها تغيير في ظل العهد السابق، وهذه المناطق تقع في محافظات نينوى (الموصل) والتأميم (كركوك) وديالي وواسط.. وحددت المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية كيفية التعامل مع هذه المناطق بإعادة المرحّلين وتصحيح الأوضاع ثم إجراء إحصاء سكاني يعقبه استفتاء عام. وجاءت المادة 140 من الدستور العراقي لتؤكد ما جاء في المادة السابقة وتحدد تاريخ 31/12/2007 موعدا نهائيا لحسم كافة النزاعات المتعلقة بتلك المناطق.
ومع اقتراب هذا التاريخ وإصرار الأكراد على تنفيذ ما جاء في المادة 140 من الدستور - خصوصا ما يتعلق بكركوك - ارتفعت الأصوات التركية رافضة أي تعديل لهوية كركوك، لذلك فقد كان رد الفعل على الحشود التركية عند الحدود مختلفا هذه المرة لأن الأمر لا يتعلق بمسألة حزب العمال الكردستاني (P.k.K) ولكن المسألة لها أبعاد أخرى منها على وجه التحديد مسألة كركوك وإجهاض أي محاولات لضمها إلى الإقليم الكردي.
والعلاقة التركية بأكراد العراق مسألة شائكة ومعقدة ومن الممكن أن نلخصها في عنوان واحد هو مسألة الموصل، فقد برزت مسألة الموصل من جديد على الساحة بعد طول احتجاب، ولعلنا نذكر تصريح الرئيس التركي السابق "بولند أجاويد" إبان الحملة الانتخابية عام 2002 حينما قال: "إن الموصل وكركوك أمانتان لدى الحكومات العراقية المتعاقبة وقد آن الأوان لاستردادهما".
هذه المسألة تعود إلى تأسيس الدولة العراقية عام 1921 تحت عرش الملك فيصل الأول.. لقد تأسست تلك الدولة في البداية من ولايتي بغداد والبصرة فقط، في حين بقي القسم الشمالي والمعروف بولاية الموصل معلقا بين العراق وتركيا، كل منهما يقدم الأسانيد التي تؤكد أحقيته بهذا الإقليم، إلى أن تم حسم الأمر نهائيا بضم هذه الولاية "الموصل" إلى المملكة العراقية عام 1925، لكن تركيا حتى هذه اللحظة تعتبر أنها الأحق بهذه الولاية ولا بد من استردادها عندما تحين الفرصة المناسبة.
لذلك فإن العلاقة بين الدولة التركية وهذا الإقليم شائكة ومعقدة كما ذكرنا. ولعل الجميع يذكر عندما كانت تجري التحضيرات للضربة العسكرية على العراق وكان هناك اتفاق على فتح جبهة شمالية من خلال الأراضي التركية فتتدفق القوات التركية مصاحبة لقوات التحالف.. ومع هذا الاتفاق وضع أكراد العراق أيديهم على قلوبهم خوفا من تداعياته، والتي ربما منها تحقيق الحلم التركي بضم الإقليم إلى تركيا، وبدءوا في الاستعدادات، حتى إن القائد الميداني في المنطقة صرح: "إنهم لن يمروا إلا على جثثنا"، وتنفس أكراد العراق الصعداء عندما ألغيت هذه الفكرة بعد قرار البرلمان التركي عدم الموافقة امتثالا لمظاهرات الشارع التركي المعارضة للحرب على العراق.
ثلاثة خطوط حمراء "واهية"
وبشكل عام فإن تركيا تضع خطوطا حمراء تحت ثلاث مسائل، وتعتبر أن أي تجاوز لأي من تلك الخطوط يعطيها الحق في اجتياح المنطقة عسكريا. والمسائل الثلاث هي:
1- التطور السياسي لأكراد العراق بما يقترب من الاستقلال.
2- تغيير هوية كركوك.
3- أي اعتداء على التركمان.
وبالرغم من أن تركيا كان لها دور هام فيما تحقق لأكراد العراق من مكاسب عندما تحددت لهم منطقة آمنة شمال خط العرض 36، حيث كانت الطائرات الأنجلو-أمريكية تنطلق من قاعدة أنجرليك التركية لتشكل مظلة جوية على المنطقة. وفي ظل ذلك حدث التطور السياسي الهام لأكراد العراق، لدرجة أنهم كانوا حتى سقوط النظام العراقي في 2003 في استقلال تام عن بغداد في كل شيء، ولم يكن ينقصهم سوى مقعد في الأمم المتحدة واعتراف دولي بهم، وهذا في حد ذاته يعتبر تجاوزا للشرط الأول الذي وضعته تركيا، ولم يحدث أي رد فعل تركي إزاء ذلك، فالعلم الكردي مرفوع عند البوابة الحدودية مع تركيا عند نقطة إبراهيم الخليل، والطائرات تنطلق من مطار أربيل الدولي رافعة علم كردستان.
أما عن هوية مدينة كركوك وهو الشرط الثاني الذي وضعته تركيا، فالملاحظ أنه حدث بعد سقوط النظام تغيرات ديمجرافية واضحة، بل إن قيادات المدينة يتم تعيينها من قبل قادة الأحزاب الكردية.. ولم يحدث أيضا أي رد فعل من قبل تركيا يتجاوز التصريحات، كما أن التركمان الذين تعتبرهم تركيا ضمن حمايتها مهمشون سياسيا، فالمقاعد التي حصدوها في البرلمان الكردستاني أو البرلمان العراقي محدودة للغاية ولم يكن هناك رد الفعل الذي وعدت به تركيا.
هناك التباس واضح في المسألة ولكننا نستطيع القول إن ولاية الموصل ما زالت هاجس تركيا مهما كانت هوية الحزب السياسي المتولي السلطة، وتترقب تركيا الظروف المواتية لتحقيق حلمها في إقليم الموصل. ونعتقد أن تلك الظروف قد ضاعت من تركيا وأنها كانت بالفعل مواتية مع قيام الحرب على العراق عام 2003، وأن تركيا لو كانت قد شاركت في تلك الحرب بفتح جبهة شمالية عبر أراضيها لربما كان قد حدث الكثير من المتغيرات.
إذن ماذا يبقي لتركيا لتسعى إلى تحقيقه؟ نعتقد أن أكثر ما تأمله تركيا أمران: الأول مسألة حزب العمال الكردستاني التركي والذي يضرب أمنها القومي في الصميم، فستحاول تركيا توجيه ضربات محدودة لقواعد هذا الحزب في جبال قنديل، وستتم تلك الضربات في ظل غض الطرف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأكراد العراق دون أن يشاركوا في تلك الضربات بشكل مباشر. والأمر الثاني ألا يؤثر التطور السياسي لأكراد العراق على تطور الشعور القومي لأكراد تركيا، ما يجعلهم يطالبون بالمزيد من الحقوق وعلى غير إرادة الحكومات التركية ونظرية الحكم التركي الطوراني الأتاتوركي.
القراءة الصحيحة للأدوار تؤكد أن تركيا تسبح عكس التيار، فمهما بلغت العمليات العسكرية قوة فإنها لا يمكن أن تقضي نهائيا على حزب عقائدي مقاتل شرس متمرس في منطقة شديدة الوعورة، لذلك سيظل هذا الحزب خنجرا في الخاصرة التركية.
أما من حيث الخوف على تركيا من تأثير التطور السياسي لأكراد العراق على أكراد تركيا.. فإن هذا التأثير واقع في ظل تحول العالم إلى قرية كونية واحدة. والمراقب لما يحدث في الجنوب التركي من تطورات يستطيع أن يلحظ مدى ما حدث من تغيرات في هذه المنطقة. فأكراد تركيا أصبحوا يحتفلون بعيد النوروز (العيد القومي للأكراد) كل عام، رافعين العلم الكردي مرتدين ملابسهم القومية، وهي أمور وصلت في تركيا في وقت من الأوقات بأكراد إلى منصة الإعدام.
إذن لا بد أن تدرك تركيا أن الحل الأمثل يكمن في الحوار وأن عليها أن تتحاور مع شعبها وتتحاور مع جيرانها، لقد استخدمت السلاح لسنوات طويلة وأثبتت الأحداث أنه أسلوب فاشل.. فالحوار هو الحل.
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|