|
| هاني المصري |
الانهيار السريع للأجهزة الأمنية، ومجمل السلطة في غزة، وما أدى إليه من انقسام جغرافي وسياسي بين السلطة برئاسة أبو ماز، وسلطة حماس، ركز الأضواء مجددًا على الأزمة العامة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني بصورة عامة، وحركة فتح بصورة خاصة، لأن هزيمة الأجهزة الأمنية وانهيار السلطة في غزة هي هزيمة لفتح، كون معظم أفراد الأجهزة من فتح، والسلطة هي بشكل أو بآخر سلطة فتح. فهي التي قادتها منفردة منذ تأسيسها وحتى الانتخابات التشريعية الأخيرة.
تحاول السلطة وفتح من خلال لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس بعد انقلاب غزة، أن تحاسب كل ضابط تقاعس عن القيام بواجبه، ومكافأة من قدم مثالا للقيام بواجبه، واستخلاص الدروس والعبر، إلا أن هذه الإجراءات على أهميتها لا تكفي، فهي أشبه بمحاولة تقديم كبش فداء، كونها لم تصل إلى الرؤوس الكبيرة، وتتعامل وكأن المسألة صغيرة وفنية. في حين أن ما جرى في غزة يعكس وجود خلل كبير في السياسة والقيادة والإدارة والتنظيم والاتصال والانضباط والعدة والعتاد وفي كل شيء، وبحاجة إلى علاج جوهري، وليس إلى مجرد خطوات محددة لامتصاص النقمة وتخفيف الغضب.
دايتون ـ دحلان
في هذا السياق، نضع تصريح هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عبر قناة الجزيرة، الذي جاء فيه أن ما سماه تيار دايتون- دحلان داخل فتح هو الذي يتحمل مسؤولية ما جرى في غزة، وأنه كان يعد لانقلاب على حماس فعاجلته بانقلاب مضاد. إن هذا التصريح مثَّل زلزالا بكل معنى الكلمة، حيث قدم هدية ثمينة لحماس من خلال إعطاء مشروعية لروايتها، ومن قبل شخصية قيادية بارزة في فتح.
وما زاد الطين بلة، إعلان أبو اللطف، رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وأحد أبرز القادة التاريخيين لفتح، عن رفضه لمرسوم الرئيس أبو مازن بخصوص حل المليشيات المسلحة؛ لأنه محاولة للقضاء على المقاومة التي تمثل حقا للشعب الفلسطيني يجب الحفاظ عليه حتى يتمكن من دحر الاحتلال.
الأسئلة التي تطرح نفسها هي: هل ستؤدي هزيمة غزة إلى مسارعة فتح هذه المرة إلى إصلاح وتجديد وتغيير وتوحيد نفسها بما يكفي لتجاوز أزمتها وعودتها للعب دورها القيادي؟ أم أن هذه الأزمة ستتواصل وتتفاقم وتصل بفتح إلى نقطة اللاعودة، وربما إلى الانقسام والانشقاق بين تيارات مختلفة لها برامج مختلفة وقراءات مختلفة لما حدث ولما يجب أن يحدث؟.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب تشخيص أزمة فتح بشكل صحيح. وهل هي في جوهرها أزمة تنظيمية، أزمة صراع بين الأجيال القديمة والشابة، أزمة عدم عقد المؤتمر، أزمة الترهل والفساد وسوء الإدارة والصراع داخل السلطة على الصلاحيات والسلطات والوظائف ما بين القيادات ومراكز القوة المختلفة داخل فتح فقط؟ أم أنها أزمة شاملة أساسها فشل فتح، قائدة النضال الوطني المعاصر، في تحقيق برنامجها الوطني، وفقدان الإستراتيجية الكفيلة بتحقيق الأهداف الوطنية؟.
إن الشعب الفلسطيني الآن، خصوصا بعد انهيار عملية السلام واتفاق أوسلو وتوقف المفاوضات، وفي ظل سياسة خلق الحقائق على الأرض التي تعتمدها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والتي تجعل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على الأرض المحتلة عام 1967 أبعد وأصعب.
وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن "م.ت.ف"، التي تمثل المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي الوحيد، تعاني من الشلل بعد تقدم السلطة لتصبح "الكل بالكل" بينما المنظمة أصبحت بندا في موازنة السلطة، وتستخدم لخدمة أهداف تكتيكية ولا تقوم بتطبيق دعوات الإصلاح والتفعيل والتطوير التي تتردد منذ سنوات بدون أن تجد طريقها إلى التحقيق.
إن فتح ليست حركة عقائدية، وإنما حركة واسعة أقرب إلى التجمع الذي يضم أشخاصًا من خلفيات وعقائد مختلفة ولها آراء متعددة، جمعها البرنامج الوطني الذي طرحته فتح، ويقوم على إحياء الدور الخاص للشعب الفلسطيني وتجسيد قضيته الوطنية من خلال الكفاح المسلح أولا ثم من خلال الجمع مابين أشكال العمل والنضال السياسي والعسكري والجماهيري ثانيا، ثم اعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لتحقيق دور الاحتلال والحرية والعودة والاستقلال ثالثا.
انتفاضة الأقصى
بعد فشل قمة كامب ديفيد عام 2000، وبعد العدوان العسكري الإسرائيلي الذي حاول ولا يزال يحاول تحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه على طاولة المفاوضات، لم تقدم فتح جوابا واحدا مقنعا. فهناك من نظر إلى انتفاضة الأقصى كوسيلة لتحسين شروط المفاوضات ومن أجل العودة للتفاوض من النقطة التي وصلت إليها مفاوضات كامب ديفيد وطابا خلال عامي 2000-2001.
وهناك في فتح من اعتبر انتفاضة الأقصى انتحارا سياسيا، وهاجم تحديدا عسكرة الانتفاضة، واعتبر أن وقائع الانتفاضة دمار على الشعب وقضيته، وأدت إلى هزيمة مؤكدة والمطلوب دفع ثمن الهزيمة بدون مواربة، والعمل للعودة إلى المفاوضات كأسلوب وحيد والالتزام بالاتفاقات والسعي للوصول لاتفاقات جديدة على أساس السعي "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".
وهناك في فتح من ينادي بالعودة إلى أصالة الحركة ودورها التاريخي المبادر وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والمقاومة، وهذا وحده يمكن أن يعيد توحيد فتح. فالسلطة تفرق والمقاومة توحد، والمفاوضات بدون أفق ولا مرجعية ولا ضمانات ولا آلية تطبيق ملزمة تفرق، والإصرار على مفاوضات جادة مرجعيتها إنهاء الاحتلال يوحد.
رحيل الزعيم
لقد فقدت فتح المبادرة والبرنامج والمقاومة والزعيم التاريخي ياسر عرفات الذي قادها منذ البداية حتى قبل عامين، وكان بمثابة الصمغ اللاصق الموحد لها، ولعموم الحركة الوطنية الفلسطينية، وغيابه أدى إلى نشوء فراغ كبير ساهم في إضعاف وحدة فتح وتراجع دورها. ولقد أدى فقدان هذه الدوافع إلى تراجع دور الحركة وتمزق وحدتها.
تأسيسًا على ما تقدم، نعتقد أن مفتاح تجاوز واقع فتح وإعادة توحيدها يكمن في إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني، وفي الاعتماد على المقاومة المثمرة وإصلاح وتجديد وتغيير سياستها وخططها وإعادة بناء تنظيمها، بحيث يتم محاسبة الفاسدين والفاشلين والمفرطين الذين بنوا مجدهم وقوتهم على اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني ويخشون من عودة فتح إلى فتح الأصلية، لذلك المسألة ليست سهلة على الإطلاق.
ولا أبالغ في القول إن كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها استمرار التدهور أو وقفه والسير نحو استعادة الدور التاريخي لفتح.
ولكن المخرج الحقيقي والوحيد يكمن في النظر إلى أزمة فتح في الجوهر ليس كأزمة تنظيمية وإنما أزمة برنامج، وكيفية وضع خطة قادرة على تحقيق هذا البرنامج. ففتح الآن لا تزال تراهن على عملية سلام انهارت، وعلى مفاوضات افقها مسدود، وإذا فتح هذا الأفق، فإنه يقود في أحسن الأحوال إلى الدولة ذات الحدود المؤقتة، التي تقوم على جزء من الأرض المحتلة (أقل أو أكثر من 50%)، وتصفية القضية الفلسطينية من كافة جوانبها وقضاياها الأساسية: القدس، اللاجئين، الحدود، الاستيطان.
فهل ستنهض فتح من كبوتها، وتجد من يعلق الجرس أم لا؟ هذا هو السؤال: والإجابة عليه ستحملها الأيام والأسابيع والأشهر القادمة على الأكثر.
محلل سياسي فلسطيني
|