|
| اللون الأخضر يحيط بالمركز |
لندن- خلافا لما تدور حوله توقعات الكثيرين من زوار الدول الأوروبية بأن المباني هناك -وحتى المخصص منها للعبادة- تكتسي بطابع غربي مميز، انتصبت مئذنة مسجد المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة البريطانية لندن لتشق عباب السماء، ملقية بظلها على قبة ذهبية ضخمة.
وحتى الطراز المعماري لنوافذ المركز وللمسجد من الداخل، يكتسب بامتياز الطابع الإسلامي المتوارث منذ القدم في المساجد.
وفي لمسة جمالية توحي بالاعتناء -وقلما تتكرر حول المساجد في الدول العربية والإسلامية- تراصت قبالة باحة المركز عدة أصص ضمت أنواعا مختلفة من الزرع والنباتات.
وعند مدخل المركز قد لا يستوقف المارة سواء من المقيمين في بريطانيا أو الوافدين إليها الخط العربي القديم الذي كتب به اسم المكان: "المركز الثقافي الإسلامي"، أو ترجمته باللغة الإنجليزية، وكلاهما باللون الأخضر المميز لعدد من الرموز الإسلامية والمستمد من التراث الحضاري للدين الخاتم.
توافد المصلين لأداء صلاة الجمعة مألوف كذلك في الدول العربية والإسلامية؛ ففي دفعات متتابعة، يصل الآباء مصطحبين عائلاتهم الصغيرة التي يضم بعضها فتيات مرتديات للحجاب، ومجموعات الشباب الذين يحمل بعضهم مصليات خاصة للصلاة فوقها، وشابات ونساء ترتدي بعضهن النقاب وأخريات الحجاب، في حين لا ترتدي أخريات أيًّا منهما.
لافتتان تلفتان الانتباه!
|
|
لا يوجد مثيل لها بالدول العربية والإسلامية
|
وبعد المرور عبر بوابة المركز الثقافي الإسلامي، تستوقف الزائرين من خارج بريطانيا لافتتان تعبر إحداهما عن الاختلاف الثقافي بين هذه الدولة الأوروبية والدول العربية والإسلامية، فيما تجلب الأخرى للأذهان مشاهد التفجيرات التي ضربت لندن في 7-7-2005، وتستحضر كذلك الموقف الغربي من جماعة "حزب الله" اللبنانية، وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" الفلسطينية.
اللافتة الأولى والمكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية، تذكر زوار المكان بضرورة الاحتشام في ملبسهم، وبالامتناع عن التدخين أو شرب الخمور "مراعاة" لحرمة المسجد!. وهي اللافتة التي يكاد يكون من المستحيل أن تتواجد خارج المساجد بالدول العربية والإسلامية التي لا تشهد تلك الممارسات في المساجد بموجب الوعي والثقافة الدينية المنتشرة في تلك البلدان.
|
|
الغرب يخشى وصول التبرعات لحماس وحزب الله
|
أما اللافتة الأخرى فتشدد على أنه من غير المسموح تحصيل الصدقات والتبرعات قبل الحصول على إذن خطي مسبق من إدارة المسجد. ويتماشى محتوى اللافتة مع التوجه الغربي في تقنين جمع التبرعات لصالح المسلمين؛ بذريعة الحيلولة دون وصولها إلى جهات مثل حزب الله وحماس اللتين تصنفهما دول غربية ضمن "المنظمات الإرهابية".
وبالنسبة للأجواء العامة للمسجد فهي شبيهة إلى حد ما بمثيلاتها في الدول العربية والإسلامية، من حيث السجاد الذي يغطي أرض المسجد، ويكون على هيئة خطوط عريضة مواجهة للقبلة، والحصير الذي يتم فرشه خارج المسجد لاستيعاب الأعداد الغفيرة في صلاة الجمعة، والتي لا تتواجد باقي أيام الأسبوع.
وفيما يتعلق بالخطبة، فهي أحيانا مختلفة شكلا ومضمونا عن نظيراتها في الدول العربية والإسلامية بما يتناسب مع طبيعة الدولة الغربية التي تلقى في أجوائها.
بعد صعوده المنبر، بدأ الإمام إلقاء خطبة قصيرة باللغة العربية، ثم يجلس جلسة الاستراحة قبل أن ينهض مستأنفا مهمته بإلقاء نفس الخطبة، ولكن باللغة الإنجليزية. ويختتم الإمام الخطبة بالدعاء باللغة العربية فقط، قبل أن تقام الصلاة.
إشكالية الحلال والحرام
أما موضوع الخطبة فتناول قضية ربما لا يتم التطرق إليها كثيرا في خطب الجمعة بدول العالم العربي والإسلامي.
هذا الأسبوع كانت الخطبة عن قواعد التحليل والتحريم في الإسلام، مثل أن "الأصل في الأشياء الإباحة"، و"ما أدى إلى حرام فهو حرام".
ويتناسب مضمون هذه الخطبة مع السياق العام الذي ألقيت فيه؛ حيث يكثر في المجتمعات الغربية اختلاط الأمر على الأقليات المسلمة بين الحلال والحرام، بعكس المجتمعات العربية والإسلامية التي لا تعاني اختلاطا بين الأمرين، وتعتمد على موروث ثقافي وديني يفصل بوضوح بينهما.
كما أن الأقليات المسلمة تضم أعدادا كبيرة ممن ينحدرون من أصول غير عربية أو معتنقين جدد للإسلام، وكلاهما يحتاج إلى استيعاب الإطار العام للحلال والحرام في دينهم، ويعيش في بريطانيا نحو 1.8 مليون نسمة ما نسبته 2.7% من إجمالي عدد السكان البالغ حوالي 60.7 مليون نسمة.
"إلى الجحيم"!
وعقب الصلاة تظاهر نحو عشرة أشخاص قبالة بوابة المركز احتجاجا على منح الحكومة البريطانية لقب الفارس "سير" للكاتب البريطاني سلمان رشدي ذي الأصول الهندية، وصاحب رواية "آيات شيطانية" التي تُعتبر على نطاق واسع في العالم الإسلامي "كتابا مسيئا".
وحمل المتظاهرون لافتات مكتوبة باللغة الإنجليزية تندد بالحكومة وبرشدي مثل "سلمان رشدي يجب أن يعاقب، لا أن يمتدح"، و"الحكومة البريطانية تريدكم (المسلمين) أن تتركوا الإسلام"، و"لعن الله الملكة"، و"المديح من الملكة = الإهانات بحق النبي".
وأمام عشرات الأشخاص الذين تجمعوا تحت مياه الأمطار التي تساقطت بغزارة، تحدث نحو خمسة أشخاص من المتظاهرين الذين كان بعضهم ملثما في انفعال شديد عبر مكبر للصوت.
وتخللت الكلمات التي ألقاها المتظاهرون -وكلهم من غير الناطقين بالعربية- دعوات منهم أو من زملائهم للتكبير والتهليل، وهي الدعوات التي لاقت تجاوبا محدودا من الأشخاص الذين تجمعوا أمام بوابة المركز الثقافي الإسلامي.
كما ردد المتظاهرون ومن ورائهم المجتمعون هتافات مثل "الحكومة البريطانية، اذهبي إلى الجحيم"، و"توني بلير (رئيس الوزراء حينها) اذهب إلى الجحيم"، و"الشرطة البريطانية، اذهبي إلى الجحيم". كما أضرم بعض المتظاهرين النار في العلم البريطاني.
وفيما انتشرت عناصر من الشرطة بالقرب من المتظاهرين دون أن تتدخل، وصلت أطقم وسائل الإعلام إلى المكان، وشرعت في تسجيل الحدث، وإجراء مقابلات مع بعض المجتمعين.
وتعليقا على عمل وسائل الإعلام في موقع الحدث، انتقد أحد المجتمعين تغطية هذه الوسائل لأخبار المسلمين بشكل عام قائلا لزميل له: "انظر.. إنهم يصوروننا حتى يخرجوا غدا ويقولوا أشياء سلبية عنا (المسلمين)".
|