|
| قمة شرم الشيخ الرباعية.. القاهرة تتمسك بثوابتها |
على الرغم من أن الموقف الرسمي المصري الأولي إزاء سيطرة حركة حماس على غزة جاء غاضبًا ومعاقبًا للحركة بشدة ومنحازًا للرئيس محمود عباس، أي حركة فتح عمليًّا، فإن ما أعلنه الرئيس مبارك في قمة شرم الشيخ الرباعية 25 يونيو 2007، قد جاء مختلفًا جذريًّا عن هذا الموقف الأولي، وربما ينبئ عن مراجعة مصرية لكل من الموقف من حماس والانسياق في "حلف المعتدلين" الذي تقوده واشنطن.
فقد كان التوقع السائد قبل هذه القمة أن تنساق القاهرة مع الأردن والرئيس عباس مع التيار المطالب بمحاصرة حماس في غزة، والضغط عليها ومعاقبتها ومساندة عباس فقط على الرغم من أن مجرى هذا التوجه يصب في نهاية الأمر لصالح تل أبيب ويعمق الانقسام بين الضفة وغزة، وينهي الحديث عن سلام ودولة فلسطينية حقيقية.
بيد أن تفاخر القادة الإسرائيليين بهذه النتيجة مسبقًا قبل حصولها، وعدم تقديم رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت أي جديد تجاه عملية السلام أو الرد بجدية على دعوة محمود عباس لـ"بدء مفاوضات جادة حول الوضع النهائي" رغم أن عنوان المؤتمر هو "إحياء الأمل في السلام"، دفع القاهرة للرد على إسرائيل بالسعي لإعادة توحيد الفصائل الفلسطينية عبر الحوار، على عكس ما أرادته إسرائيل.
بكلمات أخرى، أظهرت القمة تضاربًا مفاجئًا وواضحًا في الأهداف بين مصر وسائر الأطراف الثلاثة الأخرى، ففي مقابل توافق المصالح الذي بدا بين أولمرت وعباس والملك عبد الله في جوانب تقوية عباس على حساب حماس وتعميق الهوة بين غزة والضفة، فإنه قد اتضح جليًّا أن ثمة حذرًا مصريًّا من الدخول في شرك إسرائيلي لتضييع فرصة جديدة لإحياء مفاوضات السلام، عبر اتباع آليات حصار حماس وعزلها والذي قد يؤدي ضمنًا لما قد يسمى مستقبلاً "خيار الضفة أولاً" وتجزئة القضية الفلسطينية أكثر.
ويبدو أن التغير الملموس في الموقف المصري، بعدم الانسياق لتيار التقسيم بين حماس وفتح أو الضفة وغزة عبر الآليات المطروحة بشأن دعم عباس، والتركيز عوضًا عن ذلك على تسريع الحوار بين الفلسطينيين وتوحيدهم تمهيدًا لاتفاق بينهم وبين الإسرائيليين لبدء المفاوضات حول قضايا الحل النهائي، والعودة للتأكيد أن "قمة شرم الشيخ ليست موجهة ضد أحد"، وأن "مصر لا تنحاز لفصيل فلسطيني ضد آخر"... كلها أمور رتبت لها القاهرة بعدما تبينت خطورة الأهداف الإسرائيلية المعاكسة من القمة، سواء المعلنة أو التي أفصح عنها أولمرت.
لهذا كان تشديد الرئيس مبارك على أن مصر لن تسمح بتجويع الشعب الفلسطيني في غزة ولن تسمح بأن تتحول غزة إلى سجن كبير، وكانت دعوته لاستئناف حوار الفصائل الفلسطينية فورًا ودون تأخير، وقبلها عودة الاتصالات مع قادة حماس (الوزير المصري عمر سليمان وإسماعيل هنية)، كلها رسائل تنبئ عن تنبه القاهرة لتعارض ما يطرحه أولمرت مع مصالحها ومع مصالح الشعب الفلسطيني التي قد يتضرر أمن مصر بسببها.
عجرفة أولمرت تغضب القاهرة
ويبدو أن الرد المصري والذي يثبت أن الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن "حلف المعتدلين العرب" هو من باب الحديث الوهمي، وأن القاهرة لم تستجب لما روّجت له العاصمتان قبل القمة من أن هدفها محاصرة حماس كليًّا، كانت له أسباب واضحة، منها:
1 - رغم أن القاهرة ذكرت بوضوح على لسان الرئيس مبارك ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط أن قمة شرم الشيخ ستكون لإحياء السلام، فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت قبل وصوله أنه لا يريد استئناف مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية قبل أن "تستقر" حكومة الطوارئ الفلسطينية التي شكلها عباس، ما يعني أنه يرفض هدف القمة، بل إن أولمرت هدد بوضوح أنه لو عاد عباس للحوار مع حماس (حسبما طالب الرئيس مبارك) فسوف يتراجع عن التعهدات القليلة التي قدمها لعباس في صورة إطلاق سراح 250 معتقلاً من فتح، وتمرير 350 مليون دولار من أموال الجمارك الفلسطينية المحتجزة، و"تحسين حركة تنقلات السكان الفلسطينيين"، أي رفع بعض الحواجز الإسرائيلية في الضفة والتي تبلغ 500 حاجزًا عسكريًّا.
2 - أظهرت تصريحات أولمرت والإعلام الإسرائيلي قبل القمة نوعًا من تبني خيار الحسم العسكري في غزة ضد حماس، واستغلال ظروف الانقسام بينها وبين الضفة في تحقيق أي مكسب، خصوصًا أن وزير الدفاع الجديد إيهود باراك جاء على أجندة أنه أفضل من يقود الجيش الإسرائيلي لتحقيق مكاسب وتعويض إخفاق الجيش في جنوب لبنان العام الماضي، وانعكس هذا على تشدد إسرائيلي يرفض أي تنازلات سلمية، وهو الأمر الذي أقلق القاهرة، وربما قاد إلى مراجعة موقفها ودعوتها الفصائل الفلسطينية للحوار مرة أخرى.
3 - تخشى القاهرة أن يؤدي التشدد الزائد مع حماس ومقاطعتها وحصارها لرد فعل عكسي، خصوصًا أن تصريحات بعض قادة حماس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، بدأت تميل بدورها للتشدد رغم الحرص على تأكيد استعداد الحركة للحوار، كما تخشى أن تؤدي مراسيم وقرارات الرئيس عباس العشوائية لترسيخ الانفصال الفلسطيني بين دويلتين تحاصرهما تل أبيب، خصوصًا أن هذه المراسيم لم تقتصر فقط على الجوانب السياسية وإلغاء جوازات سفر سكان غزة، وإنما بدأت تتدخل في المجتمع المدني الفلسطيني بحل الجمعيات والهيئات الخيرية القائمة (غالبيتها تابعة لحماس)، مما يعمق ويجزر الانقسام.
4 - تدرك القاهرة أن اشتداد الحصار والتجويع في قطاع غزة وإحداث القطيعة الكاملة مع قادة الحركة بالقطاع سينتج على الأمد المتوسط تنامي ظاهرة انتشار تنظيمات إسلامية أخرى أشد تطرفًا، تتبنى فكر تنظيم القاعدة مثل: "سيوف الحق" و"جيش الإسلام"، و"دار الحق"، وغيرها...، وتدرك مصر أيضًا أن خطر هذه التنظيمات المتطرفة ليس في وجودها في غزة وإنما تمددها وتنسيقها داخل الأراضي المصرية في سيناء، خصوصًا بعدما دخل قادة القاعدة "الظواهري" و"الحكايمة" على الخط وأظهروا مساندتهم لحماس؛ ولهذا عاد التواصل المصري مع حماس لإعادة الحوار الوطني الفلسطيني والتركيز على استئناف مفاوضات السلام مع تل أبيب.
حماس تكسب.. والقاهرة أيضًا
ومن الواضح أن هذا التطور الجديد الذي تمثل في تخلي القاهرة عن السير في ركاب خيار عزل وحصار حماس في غزة، وإن جاء كموقف مصري إستراتيجي يبقي على الثوابت المصرية بشأن عدم الانتصار لفريق فلسطيني، فإن هذا الموقف يُعَدّ مكسبًا سياسيًّا هامًّا لحركة حماس، وضغطًا على الرئيس عباس الذي رفض الحوار من قبل مع "الانقلابيين" كي يبدأ هذا الحوار.
إن تمسك مصر بثوابت توجهاتها فيما يخص التعامل مع الفصائل الفلسطينية المختلفة، وعدم مقاطعة حماس أو مناصرة فتح على حساب باقي الفصائل رغم استمرار النقد المصري لما فعلته حماس في غزة، هو في التحليل الأخير يأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل التي تؤثر على الأمن القومي المصري على حدودها الشرقية، فسيطرة تنظيم "إسلامي" كحماس في قطاع غزة ربما هو أقل ضررًا على أمن مصر من تدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية، أو لجوء إسرائيل إلى ضربات انتقامية شاملة لحركة حماس في غزة، مما قد يصعد الغضب "الحمساوي" على الموقف المصري الذي ترك الشعب الفلسطيني في غزة ضحية للجوع والانتقام.
وواقعيًّا، وكما صرح رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية "المقالة" إسماعيل هنية قبل القمة، فإن سير الأطراف العربية (تحديدًا مصر والأردن) على خط الإسرائيليين بتشديد الحصار على غزة و"المناورة السياسية" من خلال عقد لقاء رباعي تحت وهم "البحث عن سياسة مشتركة في قطاع غزة أو في الضفة الغربية"، هو من باب "السراب"؛ لأنه من غير المعقول القفز على حقائق وجود حماس وقوتها المطلقة في غزة والنسبية في الضفة، كما لا يمكن تجاوز إشكالية التوازن السياسي الفلسطيني التي صاحبت الفلسطينيين منذ عقدين من الزمن.
وهذا ما يفسر ترحيب هنية بعد انتهاء أعمال القمة بالدعوة المصرية للحوار الفلسطيني الداخلي، وتأكيده أن "حركة حماس جاهزة للشروع في هذا الحوار الوطني، بل وامتداح سامي أبو زهري المتحدث باسم حماس لدعوة الرئيس مبارك للحوار، وقوله: "الدعوة المصرية قطعت الطريق أمام عباس من أجل الاستمرار بالحوار"، أي أنها تشكل ضغطًا مباشرًا عليه.
الموقف المصري في قمة شرم الشيخ خالف بالتالي توقعات الكثير من المتشائمين بشأن سير مصر في ركاب الخط الإسرائيلي وخط الرئيس عباس الداعي لحصار حماس، وإن انتصر في ذات الوقت لمساندة شرعية عباس في الضفة. هذا الموقف جاء بشكل أساسي نتيجة لقراءة مصرية معمقة للأهداف الإسرائيلية القائمة على فرضيات خطة الفوضى "الخلاقة" الأمريكية بتعميق الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، خصوصًا أن تل أبيب تدرس طلبًا لعباس بإدخال لواء بدر الفتحاوي من الأردن الذي يضم ألف مقاتل وإدخال 50 مدرعة روسية معهم، إضافة لقراءة لمصالح مصر العليا التي تتطلب استقرار أحوال غزة.
ومع هذا فسوف يبقى الموقف النهائي رهنًا بتصرفات كل فريق، فربما تسرع تل أبيب -ومعها واشنطن- من خطوات دعم عباس ماليًّا وعسكريًّا؛ كي توفر له حوافز لرفض الضغوط المصرية، ومن ثَم استمرار التقسيم بين غزة والضفة، وربما تتحرك مصر والدول العربية بوتيرة أسرع لتحديد موعد للحوار الفلسطيني الشامل في القاهرة والذي كان مقررًا في وقت سابق عقده في يوليو المقبل، والاتفاق على خطة المصالحة بين فتح وحماس والتنازلات المتبادلة.
لهذا يمكن القول إن قمة شرم الشيخ الأخيرة قد تكون علامة فارقة في تاريخ قمم شرم الشيخ التي عالجت القضية الفلسطينية على مدار عشرات السنين، فإما تصبح خاتمة هذه القمم السلبية التي غالبًا ما كانت نتائجها تأتي لصالح إسرائيل بفعل الضغوط الأمريكية، أو نقطة فاصلة في تاريخ الانقسام الفلسطيني والتعاون العربي/ الإسرائيلي لحصار جناح من الشعب الفلسطيني ضد الجناح الآخر.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|