|
نزلت درجات السلم المتصدع متأرجحًا بين لهفتي وحذري، ألقيت نظرة على منزلنا الشبه متهدم، وقد ازدادت الشقوق اتساعًا، شعرت ببعض الأسى لكني تذكرت موعدها وساء نفسي: تري هل ستأتي؟ سرت بضع خطوات في الحارة الضيقة؛ مررت ببصري على المقهى الصغير الذي يقبع في نهاية الحارة: إنها نفس الوجوه… نفس الأصوات، شيء ما ناداني أن أعبر شارع "الوكالة" بزحامه المعتاد، اشتقت للزحام ـ ربما ـ وربما أردت أن أسير بين الناس ألامسهم احتضنهم أو أحتضن الوطن فيهم.
خرجت إلى الكورنيش ـ يا الله ـ أثار منظر النيل شجوني وذكرياتي… كم كنت أجلس على شاطئه أتطلع إلى الضفة الأخرى ـ حيث تسكن ـ كم كنت أراها قريبة وباستطاعتي عبور النهر سباحة إليها دون مشقة، تري هل ستأتي؟ بالتأكيد ستأتي لقد حددت لها الموعد آخر رسائلي فلا بد ستأتي…سرت متأملاً مشهد مياه النيل وحولي يتراص المحبون يتناجون بحديث هامس، دق قلبي وتذكرت أول لقاء: كنت ساعتها أسرع الخطى متلهفًا وما أن وصلت أول الكوبري المعدني ـ مكان اللقاء الدائم ـ رأيتها عند أول الكوبري من الناحية الأخرى ورقص قلبي عندما التقينا في منتصف الكوبري تمامًا، تري هل ستأتي؟
لم أرها طوال سنوات الغربة وأنا في انتظار هذه اللحظة، أنها الشيء الوحيد الذي يهون على مصاعب الحياة، بالتأكيد ستأتي رغم انقطاع رسائلها منذ شهور لكنها ستأتي.
بحثت عن محل الورود الذي أهديها منه زهور البنفسج التي تعشقها، درت بنظري بحثًا عن فتاة المحل التي عرفت نوع زهوري المفضلة، لكني لم أجدها وجدت أخرى..
أي زهور تريد؟…ها… لم اعتد السؤال لكني استدركت بسرعة، البنفسج…زهور البنفسج، حملت الباقة وخرجت أتحسس جيبي لأطمئن لوجود الهدية الذهبية التي سوف أفاجئها بها.
شردت قليلاً وتذكرت منزلنا الذي يحتاج لترميم، هذه الهدية هي كل ما أستطيع أن أفاجئها به فهل ستأتي؟ تعبت قدماي من السير، ما هذا؟ هل ضللت الطريق؟ هل أنستني سنوات الغربة طريقي؟ـ لا ـ هل أسأل؟ تخلصت من حرجي أخيرًا وقررت السؤال…
ذهبت لأحد المحبين بالقرب مني، عندما رآني ترك يد فتاته ونظر إلى شذرًا… سألته… فنظر إلى نظرته لكائن فضائي وانفجر وفتاته في الضحك، ما هذا؟ ما الذي يستدعي الضحك؟ بصعوبة كتم ضحكه: أنت ما زلت تذكره… لقد أزالوه؟؟ تراجعت غير مصدق ـ غير ممكن ـ أنه يسخر مني، لا أن كان يسخر فأين الكوبري؟ دارت كل علامات الاستفهام في رأسي، شعرت بانقباض… هل ستأتي؟ لكن أين؟ على أي ضفة؟…
هنا تذكرت آخر رسائلها التي أرسلتها من عنوانها الجديد ـ فيلا على النيل مباشرة ـ لقد تكررت كلمة "الظروف" كثيرًا، لا سوف تأتي وتمسكت بالأمل فقلبي لا يحتمل الفراق.
نظرت لساعتي مر على الموعد ربع ساعة ولم تأت، ربما ساعتي غير مضبوطة، ذهبت لنفس الشخص فأبعد ذراعه عن خصر فتاته قبل أن يجيبني: أنها السادسة والربع، ـنعم ـ؟ بذهول ـ كرر بضيق : قلت لك السادسة والربع: ـ السادسة أم الخامسة؟
وقف "مشوحًا" بيديه وقد علا صوته: السادسة ألا تفهم؟… رأيت تبرمه فتباعدت بسرعة، غير مصدق" السادسة؟؟ ساعة كاملة مرت لكن كيف هذا؟ رجعت إليه وهو يكاد يحتضن فتاته" أمتأكد أنت أنها السادسة؟؟ رأيته يدفع فتاته بعيدًا ويقف ماسكًا ياقة قميصي: ماذا تريد بالضبط؟
ـ أسأل فقط عن الساعة (قلتها مذعورًا)
رد وهو يرجني بعنف: إنه التوقيت الجديد ألم تسمع به؟؟
أفلت منه بصعوبة وجريت بعيدًا … التوقيت الجديد؟
لقد كان الفارق بيننا وبين الدولة العربية الشقيقة ـ حيث أعمل ـ ساعة أصبح الآن الفارق ساعتين ومتي في يوم لقائنا.. يا للحظ العاثر...
استندت إلى الشجرة التي كانت تحمل اسمينا ورأيت الكوبري الخرساني كالأخطبوط بأذرعه الممتدة في كل اتجاه… ابتعدت بنظري فإذا الشمس تغرق في مياه النيل … تذكرت أني ما زلت أحمل زهور البنفسج نظرت لها بأسى، أخرجت الهدية الذهبية بحسرة فإذا بأحدهم: للبيع يا أستاذ؟
لم أرد وابتعدت… نظرت لساعتي وللنيل مكان الكوبري الذي كان فرأيت الجانب الآخر النهر بعيدًا جدًا… وتأكدت ساعتها أنها لن تأتي…!
النقد والتعليق:
منسق النادي أحمد زين:
رغم رشاقة أسلوبك إلا أنك يا طارق اعتمدت على فكرة نمطية استهلكت عشرات المرات… وهي الفارق الطبقي الذي يحول بين حبيبين وغالبًا ما يكون الرجل هو الفقير والمرأة هي الغنية، جاء ذلك عن طريق المقارنة بين حي (بولاق) وهو أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في القاهرة، وحي (الزمالك) أحد أرقى أحيائها... مستخدمًا عدة أحداث أخرى فرعية لا تقل عن الخط الأساسي استهلاكًا... وهي قصة الاغتراب من أجل المال وانتشال الأسرة من الفقر، وما إلى ذلك من أفكار مستهلكة.
ورسم البطل به عيب أساسي وهي أنه منهزم نفسيًا أمام فقره، وواقع تحت وطأته، دون أن يكون لذلك ضرورة درامية... يظهر ذلك في إحساسه بالأسى لحالة منزله القديم، وهو كذلك سلبي ضعيف منسحق أمام الآخر… وذلك حين (يرجه) الآخر فيكتفي بالذهول والدهشة، دون اتخاذ أي موقف إيجابي...مما يفقد المتلقي التعاطف معه
كما أن البطل كما تصوره القصة جاء متبلد الحس... عاجزًا عن إدراك الحقائق... فإنه رغم انقطاع رسائلها منذ شهور لا يزال يعتقد أنها ستأتي حسب الاتفاق... وكان يمكن للقاص أن يبدع في هذه اللمحة ويجعله غير مصدق أنها لن تأتي... ويجعل الصراع يدور في نفسه حول هذه اللقطة... ويتصاعد التوتر بما يكشف عن شخصية البطل بدلاً من جعلها مسطحة فارغة المضمون.. لكنه للأسف أتى بها عرضًا فتاهت وسط زحام القصة..
اللقاء بينهما بعد سنوات يُتصور أن يكون شاعريًا حالمًا.. وبغض النظر عن أن القاص أغفل مشاعر البطل الداخلية نجد أنه حشد بعض اللمحات التي لا تخدم الفكرة وهي (الهدية الذهبية) والتي ليس لها داعٍ خاصة مع جودة استخدام رمز البنفسج بشاعريته المعروفة وكذلك حين يتحدث عن الذكريات يصف الكوبري بأنه (معدني) وهذا جفاف شديد.. وصد للقارئ..
كذلك يا (طارق) المكان الذي اخترته لا يناسب تمامًا ما أردته من لقاءٍ راقٍ نظيف.. فهو يعج بالمتسكعين وأصحاب الشهوات الحيوانية والذين لا يجدون حرجًا في (إفراغها) على قارعة الطريق.. بعض الكلمات مثل (مشوحًا)، (يرجني) تحتاج إلى تدقيق أكثر خاصة أن هناك كلمات أكثر إيحاءً وتعبيرًا..
أخيرًا أجاد القاص في مواطن كثيرة:
فجملة (أحتضن الوطن فيهم) غاية في الروعة، ولمحة تغيير الفتاة في محل الزهور، إشارة لطيفة إلى تغير الحال بعد سنوات الغربة.. الإشارة في النهاية إلى إحساسه بأن المسافات بعدت جدًا على الرغم من أنه حين كان يحبها كان يتصور أنه سيسبح إليها دون تعب وذلك في إشارة إلى أن العواطف تقرب المسافات البعيدة.. جملة (للبيع يا أستاذ) رغم عدم واقعيتها إلا أنها إشارة لتغلب المادة على العواطف.
يعلق د. توحيد الزهيري الناقد الروائي قائلاً:
يقدم لنا الكاتب القصة المعتادة المتكررة المحبوبة التي خانت عهد الحب وهجرت حبيبها الذي غاب في بلاد الغربة ليحرز الأموال اللازمة للزواج.
كان يمكن للكاتب أن يعوضنا عن رتابة الفكرة التي سبق تناولها مئات المرات باختيار أسلوب شاعري ملئ بالصور الفنية والتعمق في حياة البطل وذكرياته واختيار تفاصيل دقيقة ذات مغزى تعبر عن التغييرات التي طرأت على شخصية البطل وعلى المجتمع ولكنه لم يفعل فقدم لنا سردا فكريا أقرب إلى البرود لا يثير الفكر ولا الوجدان، أما الدكتور خالد فهمي فيقول:
الرومانسيون يعشقون التغني بالقديم وهو عشق له ما يبرره وأنت يا طارق صاحب لغة حقيقية، أراد القاص أن يردنا وبعنف إلى أثمان الغربة الباهظة، والى انسحاق المشاعر، خلف الأسمنت والخرسانة وعدم رعاية ما استوطن القلوب وما أصاب المشاعر من فتور أو قل من ضياع، وهو يلمس جوانب مؤثرة أخلاقيا من مثل ضياع هيبة الطريق العام ..
أما الأديب محمد عبد الوارث فيقول:
أنت قاص جيد وقصتك مقبولة وإن كانت عقدة هذه القصة قد اتكأت على مبرر لا يقبله "منطق الحدث" فالبطل الذي يتذكر حبيبته وموعدها، ويشترى لها باقة من البنفسج، ويتذكر جيداً الفتاة التي كانت تبيع له الورد سابقاً، ويستغرب غيابها.. هذا البطل الذي يتذكر هذه التفاصيل بدقة لا يتفق معه أن ينسى تغيير ساعته حسب توقيت بلده، علماً بأن موقف عدم تغيير الساعة هو محور هذه القصة، ونحن نعرف كثيرين من الذين عاشوا في الدول العربية أو غيرها، ولم يحدث أن سمعنا أن أحدهم أخطأ في تحديد مواعيده نظراً لأنه لم يضبط الوقت بساعته.
كل هذا لا ينفى أن القاص طارق رمضان لديه لغة جيدة وموصلة، وذات إيحاء، وهى لغة سرد مطيعة غير معقدة أو متكلفة، ولولا موقف الساعة لكان هذا العمل أفضل كثيراً.
|