|
فجأة وأنا أهمّ بصعود الباص قابل وجهي وجهها، وعينيها عيناي، كانت لحظة صمت بثقل الجبال إجلالاً للحظة أخرى فات أوانها منذ عشرين عاماً. تخطتني، ونزلت فيما أكملت الصعود، جلست وعيناي تتابعان من خلال زجاج الباص مشيتها تلك، وذاك الجسد وهي تتلفت نحو الباص الذي أخذ يبتعد؛ ليذوي وينطفئ وهج اللحظة.
هل يمكن لثوان قليلة أن تعيد وفق الماضي كله، هل يمكن أن تنفجر الذكريات وتتشظى في كل الاتجاهات، رسائل، كلمات، نجوى، انتظار لذيذ، هل يعود اسوداد الشعر ذاك، وتمحى خطوط التجاعيد وترهل الجسد ووقار سنوات التعب والمسؤوليات .. هل يعاد صياغة العمر مجدداً .. هل يمكن التراجع عما نحن عليه الآن .. و .. فتح الماضي أبوابه بوجهي، أعادني لذاك الفتى الذي فقدته في أزقة بيتنا القديم .. يا لسذاجة الحب الذي حولنا إلى جمع من دعابات بريئة .. كنا نصطنع الزعل كي نبكي عليه فيما بعد .. لم أرَ غيرها أمام عيني؛ لأنها اختصرت في عيني كل نساء الأرض، كم هو لذيذ وعظيم وساذج حين ترى في حبيبتك تاريخاً من النساء والعشق.. لقد أحببت كل ما يعنيها وما لا يعنيها من كائنات وجماد في عالمها .
يا للسذاجة .. كم كنت أعد الدقائق والثواني وأقلب أوجه الوقت بانتظارها.
وكم تعلقت بأذيال الزمن أن يبطئ من سيره ونحن معاً .. وهاأنا الآن (وحيدًا) ، (أعزلاً) إلا من زمن يقف خلفي ثم يلاحقني أينما أسير وثيقة إدانة آخر فشل كي أكون وكلما نكأ جرحي أتلفت إليه معاتباً.
(( أيها الماضي .. ما الذي فعلته بي ؟))

النقد والتعليق:
منسق النادي أحمد زين:
نحن أمام كاتب متمكن بلا شك فقد اختار بثقة لقطة سينمائية متميزة.. لقاء العيون بعد أن فقدت بريقها.... تدافع الذكريات .. جذوة الحب تتوهج وتستعيد شعلتها من زمن الصبا، حسرة على الحب الذي لم يكتب له أن يعيش لحظة جني الثمار.. وما زال بين الحين والحين يدق قلوب أصحابه فيشعرون نحوه بالحنين الهادئ والشوق الهادر…
اختار (الكاتب) أن يحرك هذا الحب لقاء عابر.. غير مرتب بما يجعلك في أقصى تعاطفك مع أبطال العمل؛ لأننا بطبيعتنا نميل إلى السعادة بأقدارنا حين نتعثر فيها أو تتعثر فينا والتي نسميها مصادفات.. أعتقد أن هذه القصة ليس البطل فيها هو الرجل أو المرأة لكنه الحدث.. حدث الحب القديم وإلحاحه على النفس بعد طول غياب..
والقصة وصفية.. أجاد الكاتب في وصف كل ما تناوله.. وصف أحاسيسه.. وصف ذكرياته عن الحب القديم.. ووصف سذاجات هذا الحب.
أما التسرب إلى النفس فقد جاء في ذروة توفيقه حين جمع (لذيذ وعظيم وساذج) في وصف (تصوره) عن حبيبته، والوصف أدق ما يكون في جمعه لما قد نراه متناقضًا لكن القصاص جعله متداخلاً بلا تعارض، في لمحة تدل على وعي بخفايا الحدث الذي تصدي له في قصته، كما أجاد في تصوير طزاجة الحب الأول في أنه أحب حتى ما لا يعنيها من الجماد.
أعجبني كذلك وصفه لحبيبة الماضي حيث جاء به بطريقة غير مباشرة وعلى هيئة تساؤل هل يعود.. (ثم وصف حبيبته كما يراها الآن) شعرًا أبيض وتجاعيد وترهل ووقار، وهذه الوسيلة التي استخدمها للوصف تعتبر غاية في التمكن، نظرًا لأن البعض قد يقحم الوصف بطريق تصدم القارئ.
الأديبة عزة سلطان:
نحن أمام نص أحادي .. فثمة تساؤلات مطروحة يحاول القاص من خلالها سرد قصته التي يتعجب فيها من أفعال الزمن بالبشر ويرى ذلك غريبا، وتبدو الدهشة في تساؤلاته التي شغلت معظم القصة، وإن كان المعتاد أن يندهش المرء من أفعال جديدة حادثة إلا أن صاحب العمل الذي بين أيدينا جعل بطله يندهش مما فعله الزمن من ذي قبل.
وانجذب القاص للذة الدهشة والتساؤل وتخلى عن الحدث الذي جاء خلوا من السرد والوصف والأجدى مع القاص أن يتعامل مع لحظته القصصية بشكل أعمق، بالنسبة للعنوان فأرى أنه مباشر ولا يعطي للمتلقي أي مساحة للخيال الذي يُوءد تقريبًا نتيجة التساؤلات المتلاحقة حتى إنه يختم قصته بسؤال.. وهذه التخمة في الأسئلة أرى أنها سدت أمام المتلقي أي طريق للمشاركة مع النص.
|