|
استيقظت مبكرة كعادتها لكنها اليوم أكثر بهجة وانشراحا، أيقظت الصغيرين للمدرسة وودعتهما بحرارة قبل نزولهما.
* معذرة يا حبايبي: اليوم سوف "تعدي" عليكم جارتنا لتأخذكم من المدرسة فأنا اليوم سوف أتأخر قليلا.. اتفقنا؟
- آه يا أمي لو اعرف سر تغيبك هذا كل شهر؟ أين تذهبين؟
حتى أبي لا يعطيني إجابة شافية، ويكتفي بنظرة ساهمة!
ضحكت وقالت: هيا إلى المدرسة يا أحبائي.
نزل الأولاد وبقيت هي بمفردها- إلا من زوجها النائم - طبعا فاليوم إجازته، لكن أبدا لن ادعه يهنأ بها!.
مشت على أطراف أصابعها فتحت خزانتها وأخرجت (كيسا كبيرا) احتضنته في حب وخرجت مسرعة قبل ان يستيقظ زوجها.
تأملت وجهها في المرآة.. ما زالت جميلة كما هي، اللهم إلا بعض التجاعيد الخفيفة التي تشير أنها اقتربت من الأربعين.
لكن ولو ما زالت تتمتع بجاذبية وصفاء روحي ينعكس على وجهها.
اليوم أنا عروس ملابسي كلها جديدة حتى الحذاء والطرحة! تأملت زوجها النائم في سبات عميق، وقالت: آه من هؤلاء الرجال.. هذا الرجل لن يغير عادته أبدا دائما أسبقه في كل شئ. قالتها وألصقت له ورقة على باب الغرفة ليراها حين يستيقظ.
غادرت المنزل بسرعة واستقلت سيارتها.. يا له من نهار جميل.. ما أحلى التمرد تُرى ماذا سيقول عني الناس لو عرفوا ما أفعله !وفي هذه السن؟.
لا يهم كلام الناس؛ فشعاري دائما أن أفعل ما أريد طالما اقتنعت به.. رمقت خاتم الزواج في إصبعها ووجمت لفترة.. أأنزعه؟ كفاك جنونا.. كفى أن أضعه في يدي اليمنى.
حزمت أمرها.. ألقت نظرة صغيرة على نفسها في المرآة وضغطت دواسة الوقود.. وانطلقت.
وهناك ومن داخل المبنى الذي تسكن فيه كانت هناك عين ترقبها ما أن شاهدتها تنطلق حتى نزل ركضا حتى أنه اصطدم بالبواب.
- عفوا يا عم عاشور
* على مهلك يا بيه ما حدش واخد منها حاجة
قفز في سيارته وانطلق في إثرها
وصلت هي في موعدها تماما.. قلبها يخفق بشدة ووجهها تصبغه حمرة وردية تمشى مرتبكة تتلفت حولها.
تفحصت المكان بعينها ما أهدأ النادي في هذا الوقت المبكر.. الجو شاعري وجميل، والشمس مشرقة والهواء عليل.
ولكن أين هذا الرجل دائما أسبقه!!.
- هل تبحث جميلة الجميلات عن شخص وسيم مثلي؟؟
* التفت مفزوعة.. دائما تفزعني لقد ظننت أنك نسيت موعدنا.
- أنا أتأخر عن موعد كهذا وهل أجرؤ.
تشابكت أصابعهما في حب، وارتسمت الابتسامة على شفتيهما.
همست في أذنيه والآن اغمض عينيك.. وأخرجت الهدية ووضعتها بين يديه
- آه يا حبيبتي دائما أنت هكذا سباقة في كل شيء، وأخذ يفتح الهدية في شوق
- ساعة ما أجملها كنت تعرفين أنني بحاجة إليها جزاك الله خيرا
اختارا مكانا ظليلا تحت شجرة وارفة فبدا كعصفورين يسكنان هذه الشجرة
- كم أنت جميلة اليوم لبست جديدا وعشت سعيدة
* وأنت أيضا كعهدي بك في منتهى الأناقة والوسامة
مر الوقت سريعا وهم يتبادلون الحديث
* لا أعرف ماذا سيكون رد فعل صديقاتي لو علموا بما أفعله؟
- لا عليك بهم فلا بد من تجديد الدماء من يوم لآخر والتحرر من روتين الحياة الزوجية.
* ثائر كعهدي بك أتذكر أول يوم شاهدتك فيه كنت أيضا تناقش في حماسة دورنا كشباب في تغير الأوضاع السيئة التي حولنا.
- يا كانت أيام الكلية هذه أيام جميلة
* مر الوقت سريعا وحان وقت الرحيل معذرة، ولكن أولادي في انتظاري في البيت
- رمقها بطرف عينيه، وقال: وماذا عن زوجك البائس
لم تتمالك نفسها من الضحك ودعته وصافحته، وانطلقت تركب سيارتها.. وهناك بالمقعد المجاور للسائق وجدت هدية صغيرة فتحتها لتجدها خاتم جميل رائع
* آه كم أحب هذا الرجل.. اللهم لا تحرمني منه أبدا
وصلت إلى منزلها وصعدت مسرعة دقت الباب.. فتح لها، دائما أسبقك في الرجوع
تعانقت أصابعهما في حرارة، كما فعلت منذ دقائق ماضية، يده تلمع فيها ساعة جميلة جديدة ويدها زينها خاتم رائع.
جاء الأطفال من الداخل مسرعين بابا ماما أين كنتما؟؟ نظرا إلى بعضهما البعض غمزها بعينيه وغرقا في الضحك.
النقد والتعليق:
أهلا بكما يا "آل هنداوي" في ناديكم الذي نأمل أن يكون حماسكما له دائم التوقد والتجدد، كما هو واضح من رسائلكم الغالية وتجربتكما التي بين أيدينا فريدة من نوعها؛ حيث جاءت البيانات الواردة أنكما اشتركتما سويا في كتابتها وهذا محض تفرد؛ حيث إننا نفهم ونعرف أن يشترك أكثر من كاتب أو أديب في عمل طويل مثل السيناريو والحوار أو المسرحية، وهذا شائع في الأدب العالمي.
ولكن أن يتم ذلك في قصة قصيرة بما تحويه من تكثيف ولغة مختزلة وخواطر ومشاعر متضاربة فهذا جديد علينا.. خاصة أن القصة القصيرة في تعريف الكثيرين تعتمد على لقطة واحدة يراها الكاتب؛ فتقفز في ذهنه فجأة مشاعر معينة يتناولها الأديب كما يراها هو، واضح أن هذه تجربة شخصية محضة لا تقبل في أغلب الأحيان التشاركية ولكن يبدو أن آل هنداوي ( هالة وهبة) قد أرادا إثبات العكس فهل ينجحان؟.
يعلق على القصة الأديب منير عتيبة:
قرأت هذه القصة باستمتاع.. فهي قصة مثيرة، بداية من عنوانها وأحداثها المتسارعة التي لا تترك لك فرصة للتفكير في المفاجأة التي تنتظرك في نهايتها.. وفكرة القصة جيدة وهى تدعو إلى التحرر من الروتين واستعادة وهج الحب والعاطفة بين الأزواج بتذكر أيام الخطوبة والشباب والعيش ولو لمدة ساعات كل شهر في الأجواء القديمة الجميلة نفسه.
لفت نظري في القصة قدرة القاصة على بث بعض السلوكيات الإسلامية دون وعظ مباشر، فبدت طبيعية ومتسقة مع المشهد الرومانسي، وأعطته في الوقت نفسه سمة مميزة تجعله يختلف عن أي مشهد مشابه نراه في قصة أخرى.. كأن يقول الزوج: "جزاك الله خيراً" عندما تعطيه الزوجة الهدية.. وأن يدعو لها وهو يمدحها: "كم أنت جميلة اليوم.. لبست جديدًا وعشت سعيدة". فتحية إلى القصة والقاصة.
انتهى كلام منير، وبالنسبة لي فقد شاركته استمتاعه، بحق شعرت أنني أمام مشهد تمثيلي بديع، وتقافزت السعادة والمودة والحب من بين الأسطر والكلمات بحق، وأحيي حرصكما على اللغة العربية رغم بعض الفلتات هنا وهناك مثل كلمة " تعدي" وكان يمكنكما الاستغناء عنها بكلمة مثل "تمر"، كما يمكنكما الاستغناء عن التراكيب النمطية المكررة مثل: يا له من.. وما أحلى…
وليكن لكما ابتكاراتكما على مستوى اللغة مثلما فعلتم على مستوى الموضوع، وفي انتظار الجديد من إبداعاتكم.
المحرر
|