English

 

الأربعاء. ديسمبر. 26, 2001

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

رحلة لا بد منها

عَجَبٌ لحالي ثمّ فَاهَ بدهشةِ يـا من رآني باكيًا فأصابهُ
نَظَرَ الإله إليّ وقتَ الزلّةِ أبكي لأنّي دائمًا لا أستحي
فما شكرْتُ اللهَ حقّ النعمةِ وأعيش في الدنيا وآكُلُ رزقَهُ
وبالخطايا قد ملأتُ صحيفتي بل بالمعاصي والذنوب عصيْتُهُ
وجاءَ وفْدُ اللهِ يطلب مُهْجَتي حتى إذا حانت وفــاتي ليلةً
هل أنتَ مُمهلُني دقائقَ أهتدي أيّـها الملَكُ الـذي وُكّلتَ بي
مَهَلٍ لعلّ اللهَ يقبَلُ توبتي دعني أصلّي ركعـةً لله في
فاقطع حياتي عند آخر سجدةِ ثم انتظر حتى تراني ساجدًا
يُصغي إليّ ويستجيبَ لصرختي وأيّ جدوى في استمالتِهِ لكيْ
وتُرِكتُ جُثمانًا أمام عشيرتي قبض الملاكُ الروحَ ثمّ مضى بها
فليعتبرْ بالموت أهلُ الغفلةِ وخرجتُ من دار الفناء مودّعًا
متحت التّراب وغارقٌ في الظلمةِ مضَتِ الألوفُ من السنين وإنني
في لهفةٍ ممزوجةٍ بالرهبةِ أترقّب اليومَ الذي أحيا لهُ
وخائفًا من سوء ما عمِلتْ يدي فإذا خرجتُ من المقابر عاريًا
وبـها ارتبطتُ فما فكاكًا أبتغي ألفيتُ روحي بعدَ طول فراقها
نَ وخائفونَ اللهَ ربَّ العزّةِ كلّ الخلائق يومَها متحيّرو
فكأنّها مرّت مرور عشيّةِ وتذكّروا الدنيا التي اغترّوا بها
فالأوّلون فريقُ أهلِ الجنّةِ وتـمايزوا صنفين لم يتشابهوا
بيضاءَ ناصعةً كمثلِ الغُرّةِ كالبدر نورٌ قد أضاء وجوهَهم
غشِيَ الظلامُ الليلَ بعد إنارةِ وفريقٌ اسْودّتْ وجوههمُ كما
من الحياة لعلّ فيها حُجّتي وهنا وقفتُ لكي أراجعَ ما مضَى
كثُرت تحسّرتُ وفاضت عبرتي لكنني لمـا وجـدتُ خطيئتي
ومن المعاصي قد خلَصْتُ بتوبةِ يا ليتني قد كنتُ يومًا طائعـًا
يا ليتها يومًا بكت من خشيةِ يا ليت هذي العينَ غضّت طرْفَها
لم يقترف سوءَ الكلام كغِيبةِ ليتَ اللسانَ غدا لربّي ذاكـرًا
أو سار بين الناس في سُخريّةِ أو كَذبة أو بالنميمة ما سـعى

النقد والتعليق:

الناقد والشاعر زكي السالم

لا شك أن الأخ مصطفى يتمتع بموهبة شعرية واضحة وجلية وأذن موسيقية مكَّنته من صياغة جل أبيات القصيدة وزنا وروياً صياغة جيدة؛ فهو -كما يبدو من هذه الأبيات التي سطرتها قريحته- ذو حسٍ شعري وخيال لا بأس به، مستعد للتحليق عاليا إذا ما هُيئت له الأسباب، خاصة أنه يحمل بين جنبيْه مخزونا لفظيا جيدا، والقصيدة التي أمامنا هي من "الشعر الوعظي" –إن صح التعبير–، وإن جاء خطابها مباشرا نوعا ما محفزا، ومرغبا في الآخرة والعمل الصالح، ومنفرا من الدنيا بكل غرورها ومن كل موبقة تقود صاحبها إلى النار والعياذ بالله.

وإذا تأملنا في سن الشاعر فإننا نلحظ أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره؛ الأمر الذي يجعلنا معجبين بشاعريته ومؤملين له مستقبلا زاهرا وإبداعا مجنحا وخيالا خصبا -إن شاء الله-.. ولكن لا بأس من إبداء بعض الملاحظات التي تهدف إلى إثراء هذا النص الشعري الجميل:

أولا: لاحظت أن الشاعر أسهب وأطال في القصيدة؛ وهو ما جعلها تربو على سبعين بيتا اضطره إلى تكرار بعض الصور الشعرية، وساقته لأن يتمطى بالمعاني (ملاحظة: ولهذا السبب لم نستطع نشر القصيدة كاملا، ولكن اخترنا منها بعض أبياتها فحسب) ..

ثانيا : جنوحه عن القافية أكثر من مرة؛ فقصيدته تائية من بحر "الكامل"، ولكني أزعم أن شاعرنا اعتقد أن قافيتها (ياء) علما أن القافية مكسورة، ولكن ورود بعض الكلمات مثل (صحيفتي، ومهجتي، بقوتي .. الخ) جعله يظن أن القافية ياء، ومع ذلك جاء بقافية الدال أكثر من مرة ككلمة (أهتدي) و(يدي)، والهاء مرات أخرى مثل كلمة (يشتهي)، وهذا خلط أرجو التنبه إليه..

ثالثا: أخلّ الشاعر بالروي أكثر من مرة في كلمة (إنارة وجماعة وشفاعة ولراحة.. ) وهذا أيضا يجعل قافية القصيدة متأرجحة تتموج بين أكثر من روي ..

رابعا: يوجد بعض الأبيات وأقول "بعض" .. مختلة الوزن وإن كان خللها طفيفًا، ولكنها مؤثرة وكأنها نقطة سوداء صغيرة على بساط أبيض؛ فلو تأملنا في البيت رقم 39 (طفق الأنام يحاسبون فرادى) نجده زاد حركة على التفعيلة، وكذلك البيت الذي يليه.. والبيت رقم 64 في قوله (فليس فوقها والله أية لذة)، والبيتان رقم 66 و67.. أرجو إعادة صياغتها من جديد.

خامسًا: هناك بعض الزحافات البسيطة (يقصد بالزحاف التغيير الذي يطرأ على التفعيلات مثل مستفعلن التي يمكن أن تصبح متفعلن أو مستفعلان وكثرتها بلا ضرورة خلل في موسيقى الشعر) كالبيت رقم 48 (بالعالمين يفتدي) ورقم 22.. (تحسرت وفاضت ورقم 34 قوما سكارى وما بهم ) ..

هذه بعض الملاحظات التي أحببت أن أسجلها لعل الشاعر يتنبه إليها مستقبلا، وعموما فالقصيدة جميلة وذات معانٍ راقية، وتدل فعلا على موهبة شعرية متوقدة.. لو اهتم شاعرنا بصقلها بكثرة الاطلاع والدراسة وديمومة النظم لظفرنا بشاعر، مجيد سيكون له دور كبير في دعم القضايا الإسلامية والعربية العادلة؛ فالشاعر ذو توجه ديني واضح، ولكن كل ما أرجو منه ألا يعير اهتماما لطول القصيدة، ولا يشغل فكره بعدد أبياتها؛ فعشرون بيتا تختزل المعنى أفضل من مائة بيت تتمطى فيها المعاني، وتتكرر فيها الصور الشعرية بلا طائل.. تمنياتي بالتوفيق

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم