English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

المسرح التونسي في قرنه الجديد

أنور البصلي

Image

تونس- يحتفل رجال المسرح "الفن الرابع" في تونس خلال هذه السنة بمرور مائة عام على أولى العروض المسرحية التي عرفها الجمهور التونسي، وإن كانت تلك المسرحيات الأولى في أغلبها ناطقة بإحدى اللغتين الفرنسية أو الإيطالية، وتزامن حضورها في المشهد السويسو-ثقافي في تونس مع المرحلة الاستعمارية، فإن مسرحيات آخر هذا القرن قد اختلفت شكلاً ومحتوى عن نقطة الانطلاق.

عن ملامح المشهد المسرحي التونسي، نحاول تقديم قراءة في الوضع الذي عليه الفن الرابع في تونس، فما هي اهتمامات المسرح التونسي على عتبات القرن 21؟

وهل صحيح أن جيل السبعينيات في المسرح التونسي يقف حجرة عثرة أمام "صعود" أجيال مسرحية جديدة؟

من البديهي التذكير بأن المسرح التونسي قد تشكلت ملامحه في الثلاثينيات من هذا القرن من خلال الجمعيات الثقافية التونسية التي ظهرت في تلك الفترة والتي تزعمها آنذاك جيل آمن بالترابط بين الفن وبين الشارع، فكانت المسرحيات التي تعاملت مع التراث العربي بداية من "إسلام عمر" التي أنتجتها مجموعة التمثيل العربي ومرورًا "بالمجنون" للكوكب التمثيلي، ووصولاً إلى "الناصر صلاح الدين" التي أنتجتها فرقة بلدية تونس في أوائل الخمسينيات، فقد ظل الفن الرابع خلال الفترة الاستعمارية يعمل على الكفاح ثقافيًّا لتركيز الهوية العربية الإسلامية والدفاع عنها.

وخلاصة الأمر، في الجواب عن سؤال اهتمام "المثقف التونسي" آنذاك أن الفن الرابع ليس إلا وسيلة للتعبئة وللنضال ضد المستعمر الفرنسي، ولقد رأى رجال الحركة الوطنية التونسية في الفن أداة هامة للمقاومة، ولكن ماذا عن مرحلة الدولة الوطنية؟ ما هي صورة المسرح التونسي من خلالها؟

مسرح الدولة والتوجيه:

مع إنشاء كتابة الدولة للإعلام والثقافة في تونس وضعت القوانين الترتيبية للممارسة المسرحية وقد حددت الدولة آنذاك مهنة الفنون الدرامية بهدف مواصلة التمشي نفسه الذي أرادته للمسرح التونسي، أي أن تكن في خدمة "القضايا الوطنية"، ولكن الجدير بالذكر أن هذا الهدف لم يتحقق بشكل كلي، فسرعان ما تحول تشجيع رجال المسرح في مستوى الخطاب الرسمي، إلى مصادرة لعدد من أعمال بعضهم.

ولئن تحققت "مكاسب" للمسرح التونسي تمثلت في الفرق الجهوية  للمسرح التي انتشرت في مختلف الولايات فإنها مكاسب قد تم التخلي عنها مع أواسط الثمانينيات ليصدر قرار في بداية التسعينيات بإلغاء هذه الفرق الجهوية وتعويض بعضها بمراكز للفنون  أي الانتقال بها من مجرد مؤسسة للإنتاج إلى خلية للتكوين وللتوزيع إلى جانب الإنتاج المسرحي.

وقد أردنا من خلال هذه الوقفة أن نلمح أطر الإنتاج المسرحي قبل الحديث عن الأعمال المسرحية، فنذكر بأن "مرحلة تعايش القطاعين العام والخاص في المسرح التونسي تأسس في أوائل السبعينيات مع ظهور "المسرح الحر" أو ما يعرف بالمسرح الجديد كما أسماه المثقف التونسي محمود المسعدي.

السبعينيات: البيان والتحول:

في سنة 1973 أصدر أحد عشر مثقفًا تونسيًا بيانًا يتحدثون فيه عن ضرورة القطع مع المسرح الحكومي أو مسرح القطاع الخاص، وأسسوا لأنفسهم المجموعة المسرحية التونسية الأولى التي تحمل اسم المسرح الجديد، وقد كان يضم في عناصره كلا من الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري والحبيب المسروقي (الذي انتحر بعد ذلك في ظروف غامضة) وجليلة بكار ومحمد إدريس.

        وقد أنتجت هذه المجموعة عدة مسرحيات نذكر من بينها "العرس" اقتباسًا عن البورجوازي الصغير المسرحي الألماني بريشت، و"الأم" التي صودرت بعد عرضها للجمهور، و"التحقيق" و"غسالة النوادر" التي تعتبر المحطة المسرحية الأبرز في أعمال هذه المجموعة المسرحية، ففي هذه المسرحية تقوم "الجماعة" بتفكيك لقوى الهيمنة والتحكم في الدولة والمجتمع التونسي، من خلال ثنائية؛ البيت (الفتاة البورجوازية) والعروس (سائقها) فتنكشف "اللعبة" الجديدة حيث توجه أصابع الاتهام واضحة إلى "البورجوازية الجديدة" وتظهر حكاية العروس الذي طرد من عمله بسبب علاقته بسيدته لتفضح زيف شعارات النضال الوهمي الذي يدعي صغار البورجوازيين حمله إلى الطبقات المسحوقة!

كما توقفت مجموعة المسرح الجديد عن القضايا العربية "الساخنة" فتحدثت في مسرحية "عرب" عن بيروت والحصار والقضية الفلسطينية من خلال حكاية المضيفة في شركة الطيران التي حملت من "مناضل" تونسي غاب واختبأ في كنيسة بالعاصمة التونسية!

إن الأسلوب الشعري والشاعري الذي حملته هذه المجموعة المسرحية قد أثر في لغة الحوار المسرحي التونسي، وسعت مختلف المجموعات الأخرى -حتى تلك التي كانت تحسب على القطاع العام- إلى محاكاتها، وقد تواصل هذه التوجه إلى أيامنا هذه بالدعم من انفراط عقد المسرح الجديد سنة 1988.

المسرح التراثي الميت:

وتزامنًا مع المسرح الجديد فإن الكاتب المسرحي عز الدين المدني قد سعى خلال تلك الفترة إلى تأسيس لما أسماه "المسرح التراثي" فكانت مسرحيات "الزنج" و"ثورة صاحب الحمار" و"الحلاج" وغيرها من الأعمال التي تبنتها الفرقة البلدية وكانت تحمل نفَسًا ثوريًا بشكل من الأشكال، إذ إنها تعالج الأوضاع الحرجة في التاريخ العربي، فتستوقفها وتحاول أن تسقط عليها حالات الهزيمة والانهيار وخيبة الأمل التي اتسمت بها نظرة المثقف التونسي للدولة وللمجتمع في بلاده، وربما حتى الأمة العربية!

ولكن بالرغم من تعدد أعمال المدني التراثية فإنها مشروع ولد حديثًا، فكان إجهاضه بعد فترة قصيرة من وضعه، وقد توقف المدني عن كتابة المسرح المكتوب بلغة فصيحة ليترك الإبداع التونسي للهجة المحلية وللنسخ المتعددة من تجارب المسرح الجديد.

ماذا بعد الجديد؟

السؤال الذي يدخل من خلاله المسرح التونسي القرن الجديد، ماذا بعد تجربة المسرح الجديد؟!، لقد هيمن جيل السبعينيات على من جاء بعده، ووضْع الإنتاج المسرحي الآن يشبه إلى حد كبير "أرخبيل" من الأعمال الفردية المسماة "مونولوغ" مرة و"مونودراما" مرة أخرى و"وانمانشو" في مرات عديدة.

لقد تعددت "شركات" الإنتاج المسرحي، وأصبحت تمثل بالنسبة للبعض مدخلاً  لتقديم مجموعة من النكت ومن الطرائف الأمر الذي يدعو فعلاً إلى إطلاق صيحة فزع!

إن هذه المؤسسات المسرحية الناشئة في أغلبها لا تحمل مشروعًا فنيًا واضح المعالم، بل إن اهتمام عدد كبير منها ينصب بالأساس على تحقيق الربح المادي دون تقديم اختيارات فكرية لها علاماتها وأسسها.

يتحدث المسرحيون في تونس اليوم، عن حالة شبه فراغ في الإنتاج المسرحي الضخم، ففي سنة 1999 لم نشاهد إلا أعمالاً قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة، فباستثناء "سهرة خاصة" للفاضل الجعايبي و "الليالي البيض" لحاتم دربال بقيت مختلف المسرحيات التونسية الأخرى تكرر نفسها مما تراكم في الرصيد المسرحي التونسي.

أسئلة عديدة يحملها رجال الفن الرابع في تونس عن هيمنة الطابع التجاري على حساب الاختيار الفني لا تزال معلقة وهم يستعدون لدخول قرن جديد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم