English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

روجيه عسَّاف: أنا ضد المسرح الإسلامي!

سالم مشكور

بيروت- روجيه عساف مخرج مسرحي لبناني، له رؤية فنية ومسرحية مميزة،وهو صاحب تجربة مسرح الحكواتي، التي ترى أن المسرح هو حالة إحاء وتفاعل حي مع الجمهور، وليس حالة إيهام وتقمص كما في المسرح الإغريقي الوثني، وله كتاب وهو "مسرح المدينة" ضمنه نظريته حول العقيدة والمسرح في المجتمع المسلم،حيث  يرى أن المجتمع المسلم لا يحتاج إلى مسرح للتبشير، بل للتواصل الفكري مع محيطه. أمور عديدة طرحها عساف في حوارنا معه:

* هل يوجد حاليًا ما يمكن أن نطلق عليه عنوان المسرح الإسلامي؟

- كلا طبعًا؛ لأن المسرح ككيان هو أداة دخيلة على مجتمعنا وحضارتنا؛ فنحن استعرنا هذا الشكل من الخارج ومن أوروبا بشكل خاص.

*  ألا يوجد في تراثنا مسرح؟

- هناك أشكال يمكن أن تدخل ضمن الفنون التمثيلية: كَالْحَكَوَاتي وحَفْلَة السَّمَر.. وهذه في كل الحضارات ولدى شعوب العالم، هناك إنسان يتكلم أمام الآخرين بشكل منظم، وعندئذ يصبح كل شيء مسرحيًّا؛ فالمحاماة مسرح، ومجلس النواب مسرح، والتجار في السوق مسرح؛ فهذا المفهوم موجود في الإسلام ولدى كل الشعوب.. ولكن التحديد بالمعنى الحقيقي للمسرح غير موجود إلا في أوروبا الغربية الحديثة بعد عصر النهضة، وحتى في أوروبا ينحصر في بعض العواصم، كباريس ولندن، ومنها انتشر في البلدان المجاورة، وفي المدن والعواصم تحت إشراف الحكومات المحلية الحديثة؛ لأن حكومات ودول القرون الوسطى لم تكن تعتبر أن من شأنها أن تُدِير أو ترعى الفن والثقافة، كما تُدِير السياسة والاقتصاد؛ ولذلك تركوا الناس يتدبرون هذا الأمر..

* ما سبب اهتمام الحكومات الحديثة بالمسرح ؟

- المسرح هو مكان أساسي ومركزي –خصوصًا قبل ظهور السينما والتلفزيون- لصنع الثقافة، واليوم لا يمكن أن نتصور دولة لا تهتم بالتلفزيون؛ لأنه مركز صنع الصور والذوق والأخلاق ونشر المَنَاقِبِيَّة، فلا يمكن أن يكون التلفزيون خارج إطار سلطة الدولة، كذلك كان المسرح في أوروبا في عصر النهضة يخضع للسلطة المركزية، والوضع تَغَيَّر اليوم طبعًا بحضور وسائل إعلام أخرى.

المهم أن المسرح من أساسه لم يكن له علاقة بمجتمعنا، ولا بالمجتمعات الأخرى.. المجتمعات الإسلامية الحديثة المعاصرة استعملت واستعارت الشكل المسرحي، ولكن لم تتوصل بَعْدُ إلى خلق شكل خاص، وهذا ليس محصورًا في المجتمع الإسلامي.. واليوم لم يعد هناك مسرح فرنسي أو مسرح إنكليزي، أو مسرح أميركي أو مسرح عربي، هناك مسرحيات في البلدان العربية كما في لبنان، وهناك مسرحيات من انتماءات مختلفة، ليس هناك هوية خاصة؛ مثلاً هل نستطيع أن نقول: هذه سيارة إسلامية؟! هناك مسلم يستعمل السيارة كما يستعمل السينما والمسرح؛ فهذه أدوات..

* هل أجاد المسلمون استخدام المسرح حينما استخدموه ؟

- حتى الآن ، لا .

* و السبب ؟

- السبب ليس محصورًا في الإسلاميين . هناك مشكلة بين المسرح والأيديولوجيا؛ فقد برهنت التجربة أن المسرح عندما يكون خاضعًا للأيديولوجيا يخسر من قيمته كفن، وهذا حدث مع سائر الأيديولوجيات، مع الماركسيين ومع الوجوديين.

كلما كان هناك موجة فكرية استعملت المسرح كأداة إرشاد أو نشر، وأذكر أسماءً كبيرة مثل: "سارتر" و"كامو" في الوجودية، فقد كتبوا مسرحيات لينشروا أفكارهم، هذه المسرحيات ضعيفة فنيًّا، والفكر الوجودي لم يستطع أن يجد شكلاً مسرحيًّا ناجحًا خاصًّا به، بل استعمل شكلاً اعتياديًّا.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الماركسية والمقاومة الفلسطينية مثلاً؛ فالمسرحيات الخاصة بموضوع المقاومة الفلسطينية كلها واعظة وفاشلة فنيًّا، بِغَضّ النظر عن قيمة الفكرة الموجودة فيها.

* إذن هل بإمكاننا القول: إن المسرح المُوَجَّه محكوم عليه مستقبلاً بالفشل ؟!

- لقد قلت من الأساس: إنني ضد طرح مبدأ المسرح الإسلامي- مع الالتزام بوجود مسرح للمسلمين- والفرق كبير.

* هل يمكن اعتبار هذا المسرح -الذي يعيش بين المسلمين- فاشلاً بسبب القيود التي يفرضها الفكر الإسلامي، كالحجاب مثلاً، وطبيعة العلاقة المحافظة بين الرجل والمرأة؟

- أبدًا ، ليس هناك مشكلة. وأنا أعطيك مثالاً تاريخيًّا : أيام شكسبير كان ممنوعًا على المرأة أن تُمَثِّل ، سواء كانت محجبة أم لا.. و لم يكن ذلك عائقًا أمام المسرح الذي كان مسرحًا راقيًا . ونحن أيضًا لم يكن ذلك عائقًا أمامنا؛ فأنا مثلاً زوجتي محجبة، وهي ممثلة وتمارس مهنتها بشكل طبيعي جدًّا.. والحل لذلك حل فني يتمثل في طريقة الأداء، وهو ما يتضح في مسرحيات "جنينة الصنايع" و" أيام الخيام" و"مذكرات أيلول" . وكما أن الممثل القدير "رفيق علي أحمد" قادر بلحيته في مسرحية "الجرس" أن يؤدي دور المرأة فإن المرأة المحجبة تستطيع تأدية أي دور؛ الطرح فني فحسب .

* ولكن وجود قيد مُسْبَق قد يجعل المسرح يخسر بعض الحرية، ويضطر للتنازل عن بعض الفنيات؛ مراعاة لهذا القيد ؟

- بالعكس؛ فالقيود موجودة على كل المستويات، والفنان هو الذي يجد حلولاً لهذه القيود .. خذ مثالاً لذلك: الرسام الذي يريد أن يصور منظرًا طبيعيًّا، لديه مشكلة، وهي كيف يمكن على لوحة مُسَطَّحَة ومحدودة من كل الجوانب أن يعطي انطباع البعد؟. فعلى الفنان أن يحل المشكلة؛ فالقضية معكوسة: القيود هي مُنْطَلَق الابتكار؛ وهذا مثال من المسرح: عملية القتل لا يمكن أن تتم حقيقة، يجب إيجاد حل فني ليبدو هذا القتل مقنعًا، هذا هو الفن.

* هل يمكن أن نرد أسباب ضعف المسرح في مجتمعاتنا إلى عدم تقبل المجتمع لهذا الشكل التعبيري، أو لعدم ارتياح القائمين على الفكر له ؟

- إذا كان هناك حاجة وإرادة، سيوجد وتُحَل المشكلة . إذا لم يكن هناك حاجة ستبدو القضية مصطنعة، وغير ناجحة؛ لأنها ليست متصلة برغبات الناس؛ وإذا كان هناك حاجة _ولم يكن هناك إرادة كذلك_ سيصبح هناك خلل بالحضارة والثقافة . فإذا التقت الحاجة والإرادة لا بد أن نجد الشكل المطلوب .  في رأيي، هناك مجتمعات ليست بحاجة للمسرح، وهناك شعوب وحضارات تعيش وتنمو بغير مسرح . المسرح تعبير جماعي في حالة أزمة علاقات اجتماعية؛ لهذا ففي الريف –حيث التعبير الجماعي موجود في السهرات والحلقات والأفراح والأحزان- لم يحتاجوا إلى المسرح؛ أما أهل المدن حيث التوتر في العلاقات الإنسانية؛ علاقة الإنسان بنفسه وبالطبيعة تقضي بوجود أشكال تعبيرية تلبي هذه الحاجة، ومن ثم يوجد المسرح وما يعادله.

     ونحن نعرف من خلال التاريخ أن المسرح كان يغيب عند الثورات؛ لأن الناس تكون في حالة تعبير من خلال الانتماء الثوري .. مثلاً، الناس الذاهبون إلى الحج لا يمكن أن يفكروا في المسرح.

* الإسلام اليوم، هل يحتاج إلى المسرح ؟

- الإسلام كمجتمع إسلامي بحد ذاته وداخل صفوفه، في رأيي الشخصي ليس بحاجة إلى المسرح. ولكن المجتمع الإسلامي بحاجة للتواصل مع محيطه، وهذا يقتضي أن يشارك بالحوار مع الفئات الأخرى عبر الإنتاج الثقافي المشترك، هنا يلعب المسرح دورًا مهمًّا كأداة للتعبير المشترك، للتعارف و التواصل .. للتعايش الفكري وليس للتبشير- رغم أن التبشير ضرورة ولكن ليس في المسرح- وبمجرد أن يعيش المسلم نمطًا إسلاميًّا، بجوار الآخرين وبإنتاج مشترك هذا كافٍ وضروري لنمو المجتمع الإسلامي، في كل الحياة التجارية والثقافية والاجتماعية: المسرح، المدرسة، المستشفى، إلى آخره، في داخلها يكون التعايش الإيجابي والإسلام ينمو بقوة فكره لا بالتبشير .

* ولماذا لا يكون المسرح لغة لنقل الفكر الإسلامي ؟

- المسرح لا ينقل الفكر.. والذين حاولوا نقل الفكر في المسرح فشلوا . المسرح هو مكان التقاء وعيش مشترك في لحظات، وعيش حياة مكثفة في لحظات تَخْلُق –بشكل قوي ومكثف- تواصلاً بين إنسان وآخر، وأناس وأناس ..المُعْلَن لا يصل، الفكر يكون في الباطن.. الخطاب اليساري القومي _ مثلاً _ وأنا كنت مناضلاً فيه ، _ كخطاب _ هو خطاب فاشل سواء كان في المسرح أو السياسة، وليس خطابًا مقنعًا، هو خطاب يوضح الأفكار للناس المقتنعين به مسبقًا وينظمها .

* معروف أن لكم تجربة مسرحية مميزة، وهي ما يعرف بـ"مسرح الحكواتي" . لماذا غاب؟.

- مسرح الحكواتي يستمر ويتطور بشكل مختلف، ومسرح الحكواتي هو بحد ذاته استمرار لتجربة تسبقه. ومسرح الحكواتي كان شكلاً ملائمًا لمرحلة سابقة، أكدت على قضية الانتماء إلى الجنوب المقاوم قبل أن تصبح ممسوكة بقوة كما هو الحال اليوم، واشتغلنا فيها على ذاكرة الشعب الجنوبي المقاوم؛ لتأكيد اتصال المقاومة عبر التاريخ منذ الانتداب الفرنسي والصهيونية، وليست قضية جديدة . اليوم مع نهاية الحروب الداخلية في لبنان، والوضع لا يزال وضع حرب من نوع آخر.. فنحن نتجه بصيغتنا الحالية إلى نوع مختلف من المسرح، يؤكد على ضرورة التعايش مع الآخر، وعلى الدعوة المفتوحة للجميع على العمل المشترك، من خلال حوار حقيقي في إنتاج ثقافي مشترك، في ظل الأزمة الاجتماعية المتمثلة في رفض الآخر وعدم معرفة الآخر، وهذا واجب ديني : (وَجَعَلْنَاكُم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)

فهذه هي السمات الفكرية لعملنا اليوم، في إطار تظاهرة " تعاونية شمس" وضمن إطار جيل الشباب الْمُهَمَّش اليوم، فنحاول هنا في مسرح بيروت إعطاء الشباب فرصة اللقاء والتعارف، و أن يجدوا صيغة تعايش.

* في المرحلة المقبلة -حيث يُحْكَى عن مرحلة التسوية- هل ستصبح هناك أشياء جديدة يقولها المسرح ؟

- السلام كذبة كبيرة، حتى في صيغته الخادعة هذه، ليس قريبًا فما زالوا يتناقشون حول شكل جدول المفاوضات هذا أولاً، و ثانيًا هم لا يتحدثون عن سلام إنما عن اتفاق، صفقة معينة بين دول . أما السلام فهذه صيغة حياة وليس صيغة سياسية. هناك هدنة أو سِلْم بين مؤسسات ودول لا علاقة للناس بها. ولهذا لا أظن أن ثمة معطيات جديدة تستحق أن يتفرد بها المسرح في الجوهر . أنا لا أشعر بقدوم هذا الجديد، إذا أتى نواجهه بصدق أما الآن فهو مجهول بالنسبة لي .

* نتمنى أن تحدثنا عن انتقالك إلى الإسلام.  

- يقولون: إنني انتقلت إلى الإسلام، وهذا ليس صحيحًا فأنا لم أصبح مسلمًا، إنما اكتشفت أنني مسلم . لم يقل لي أحد ولم يعظني أحد، لقد عشت مع مسلمين صالحين ومؤمنين، رأيت حياتهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم، كل ذلك أَثَّر فِيّ وليس كلامهم.. ومن الأشياء التي أقنعتني جدًّا، في اكتشاف الدين الإسلامي، مثلاً في الماركسية يعتمدون توحيد المجتمع بفكر واحد وإلغاء الآخر، أما الإسلام فهو دين التعايش ودين التنوع، ولا إسلام بدون تعايش وتنوع .

* كيف كانت ظروف هذا الاكتشاف ؟

- لها علاقة بنمط أتبعه في حياتي منذ زمن، وهو نمط اكتشفت أنه من أسس الْمَنَاقِبِيَّة الإسلامية، وهو الربط بين القول والفعل، وربط القناعة بالعمل، فنادرًا ما لاقيت أناسًا يعيشون كما يحكون، وأنا كنت مسيحيًّا، ومارست مبادئ المسيحية، وحاولت أن أقترب لأعيش مع الفئات المظلومة في المجتمع، وهذا ما جعلني أقترب من اليسار، والماركسية والحركة الوطنية، ومن الفئات التي هي إسلامية، ولكنها كانت تشكل قاعدة الحركة اليسارية والوطنية في لبنان . وانخرطت في هذه الأوساط وفي الأحياء الشعبية في المناطق التي اعتبرتها موقعًا لاهتمامي كمسيحي، وهذا ما حَوَّلَنِي إلى مناضل يساري، ولكن كذلك في اليسار لم يكن هناك انسجام عند الحزبيين بين المبدأ والممارسة، وانطلاقًا من قناعاتي الاشتراكية والماركسية، والقومية والوطنية انسجمت مع فئات شعبية إسلامية في ضاحية بيروت والجنوب، وارتحت بينهم وشعرت بانسجام فكري وعملي وتعرفت على نمط حياة للمسلمين بشكل فطري ، وقررت أن أكون مثلهم، وتعرفت على الحياة الإسلامية والصلاة والصيام، وتدريجيًّا أصبحت أكتشف أن المفاهيم الإسلامية تتطابق مع رغباتي العميقة، ومع كل المفاهيم التي كنت أبحث عنها، في علاقة الإنسان بضميره وبالآخر وبالطبيعة وعلاقة الإنسان بجسمه.

* ماذا لفتك فيما قرأت ؟

- لفتني كتاب لسيد قطب وهو "التصوير الفني في القران" ولعب دورًا كبيرًا في حياتي، و تعلمت منه كثيرًا، ولا شك أن النص القرآني نص جميل وكاف ومُغَذٍّ للحياة الفكرية والثقافية، وعندي قاعدة لا يمكن أن أتخلى عنها وهي أن أقرأ كل يوم بعد الاستيقاظ من النوم نصف ساعة من القرآن الكريم، ويعطيني ذلك غذاء طول النهار . كذلك هناك كثير من القراءات الأخرى، فهناك نهج البلاغة مثلاً، ومن المعاصرين أقرأ لعلي شريعتي، وللشهيد مطهري، والسيد محمد حسين فضل الله أحب أن أقرأ له كثيرًا …

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم