English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

كلام في المسرح

مهرجان المسرح التجريبي فضيلة واحدة ورذائل كثيرة!

أحمد الصويعي

Image

ونحن نودع مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة في دورته الثانية عشرة يمكننا التوقف معه قليلاً؛ لنستقرئ أهم ملامحه الفكرية والفنية والتنظيمية، هذه الدورة قال عنها القائمون على نشاطاته بأنها متميزة لكثرة الفرق المشاركة وتنوعها، فلقد هَلَّ على قاهرة المعز فنانون من أقصى الكرة الأرضية (المكسيك) إلى أدناها (اليابان) ومن شمالها وجنوبها، غربيها وشرقيها، ولم يغب عنها إلا أصحاب البشرة السمراء، فالفرق التي انتظرناها وقرأنا أسماءها ضمن برمجة العروض (كالكامرون – وبركينا فاسو) تاهت في فضاء الفكر وغابت عن فضاء المهرجان، واستطاع المهرجان أن يستقطب ويستوعب بعض التناقضات الفنية والسياسية والفكرية بصدر رحب عجزت عن إدراكه كل المنظمات الدولية.

ففي الوقت نفسه الذي تتراشق فيه الوفود العراقية والكويتية في قاعة اجتماعات جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي. نرى الوفود الفنية العراقية والكويتية تحت شمس القاهرة تتصافح وتصفق لبعضها تشجيعًا لا ترهيبًا، وتأكل على مائدة واحدة، وتسكن متجاورة في منزل واحد دون أن يضعوا المتاريس والحواجز الرملية ودون تدخل أجنبي يحمي أحدهما من الآخر. تلك هي روعة الفنان وتلك هي نتائج سحر المسرح الذي يُصَيِّرُ الإنسان كائنًا ودودًا وخَلُوقًا وقابلاً للتعايش مع الآخر. ولو لم يكن للمهرجان فضيلة غيرها لكفته ولبررت وجوده وطالبت بالمزيد من الاهتمام به – فالتقاء أهل الفن بعضهم ببعض وتحاورهم وتشاورهم وإشعاعهم على المجتمع، ولو بصفة محدودة – يمثل قيمة حضارية وإنسانية يتوجب التمسك بها والحفاظ عليها.

وهذا الكلام لا يمنعنا من الوقوف عند رذائل المهرجان والتي زاد وضوحها في هذه الدور بالذات.

ولنبدأ بالبدايات:

أولاً: عندما نسمي مهرجان المسرح والتقاء المسرحيين في القاهرة بمهرجان المسرح التجريبي، يفترض ذلك وجود مسرح غير تجريبي، وهذا في اعتقادنا خطأ جوهري كبير.

فالمسرح – كل أنواع المسرح إن صحت التسمية - تجريبي منذ مرحلته الفطرية، كذلك نشأ وبذلك تطور، ومع ذلك يواصل مسيرته في مواجهة التطور السريع والمذهل والمرعب للفنون البصرية المعلبة، تلك السندوتشات السريعة الإعداد والسهلة الهضم، والقريبة المنال.

فالمسرح هو في التجريب حتى قبل تطوره على يد الشاعر الإغريقي "تثيبس" مرورًا بـ "بإسخيلوس" و "سوفكليس" و"يوربيدس" ومن بعدهم رواد عصر النهضة "مورلو" و "شكسبير" و "راسين" و "كورني" و "موليير" وصلاً إلى "بربيثت" و "إبسن" و "بيكيت" و"براند للو" و "بيترفايس" ومبدعي المسرح الطليعي أمثال "سترند برج" و "جاري" و "بارو" و "أرابال" و "جروتوفسكي" و"بيتربروك"، وغيرهم كثير.

 فالتجريب إذًا هو سمة المسرح الدائمة، حتى المسمى تجاري يخضع للتجريب بموجب الطبيعة التي تحكم الفن والفن المسرحي بالذات، فمبدعوه يجربون في العناصر الفنية المتجددة دائمًا والمتغيرة والمتطورة أبدًا والتي تضمن له الاستمرارية والربح الوفير.

ثانيًا: ما هو مفهوم التجريب المطلوب وما حدوده؟

لقد مثلت عروض هذه الدورة فسيفساء من الأشكال التعبيرية المتباينة (الراقع – والحاكي – والسارد التحريضي والتطهيري والتعليمي) كل الألوان والأشكال كانت حاضرة. فلا ضوابط فنية ولا فكرية ولا شكلية تحكم نهج المهرجان رغم تسميته المحددة، والأغرب من ذلك أن العديد من العروض التي قدمت في هذه الدورة (التجريبية) لا تعتبر في مواطنها تجريبية، بل منها ما عرض في مهرجانات أخرى لا تدَّعي التجريب مثل قرطاج ودمشق وعمَّان وفاز ببعض جوائزها.

كما شاركت في هذه الدورة عروض لا ترقى حتى لمستوى المسرح المدرسي الهاوي؛ لذلك – إن سمح لنا القائمون على الثقافة في هذا الوطن – ندعوهم لمزيد من التحري في استضافة العروض المسرحية المشاركة وتحديد ضوابط فنية وفكرية ومنهجية واضحة تحكم التجربة وتلتقي مع اسم المهرجان وأهدافه، حتى لا يفقد القيمة ويقل الاهتمام به ويهرب عنه جمهوره ويعافه النقاد ويزدريه أهل الاختصاص فيموت كلينيكيًّا،  ثم يضطر القائمون عليه لإعلان موته بعد أن يفقد المعنى والهوية ومقومات الحياة، ويتحول إلى وسيلة استنزاف مادي لا طائل من ورائه.

ثالثًا: من يا ترى يملك أهلية التجريب؟!

الكل يمكنه أن يجرب مما لا شك فيه، وخاصة الشباب، فالتجريب ـ بعض الملاحظة العميقة ـ هو الوسيلة المثلى لتطوير الفكر البشري ووسائل تعبيره، ولأنه أيضًا حق مشروع ضمنته له الطبيعة الفنية ذاتها، ولكن الفائدة الحقيقية من التجريب لا تأتي من الفراغ والفوضى والفعل لمجرد الفعل، وإنما من التراكمات الفكرية والمعرفية والعملية؛ حيث يتضح الهدف وتبرز الغاية وتكون نتيجة التجريب خاضعة لقوانين حضارية وإنسانية سامية مدروسة ومدفوعة نحو غاية نهاية، يكتب لها الخلود.

أما الجهل فلا يُوَلِّد إلا الظلمة، ونقص التجربة لا يصنع إلا الفوضى وتلك هي سمة العديد من عروض الدورة (12)، وخاصة العروض العربية التي جعلت بعضها من الرقص والحركات الغريزية والألفاظ اللاأخلاقية (القبيحة) وسيلة، ومن التهجم على المقدسات والمسلمات والعقائد والتقاليد الاجتماعية غاية، كما وضح ذلك في عروض (شهر زاد) وليدعوني – (وضد) كريم التونسي مصر و (ثلاث نسوان طوال) و (نضال الأشقر لبنان)، (وعدن عدن) لحسن المؤذن تونس.

لذلك ندعو كبار المبدعين وعظماء المسرح العربي والذين يملكون رصيدًا فنيًّا وفكريًّا ومهنيًّا عاليًا إلى المسرح، وبالمسرح إلى ساحة العمل بالفعل وليس بالقول في الندوات واللقاءات والموائد المستديرة، فالفن قد يتكئ على النظير ولكنه لا يقوم إلا بالعمل.

وفاقد الشيء لا يعطيه وأغلب العروض – الشبابية - والممثلة للنهج – المسمى تجريبي في مصر تقوم على الهرطقة الفكرية والتبعية الشكلية والفوضى التعبيرية فلا هدف، ولا غاية ولا تملُّك للوسيلة الفنية السليمة القادرة على صياغة عمل فني يرقى بوعي هذه الأمة الرازحة تحت أكوام من القمامة (على حد تعبير العرض اللبناني أرخبيل).

ومن المضحكات المبكيات أن بعض العروض الأجنبية أكثر التزامًا بالأخلاق والقيم والصيغ التعبيرية المحترمة من العروض العربية، فاليابان مثلاً قدمت عرضًا متميزًا دون أن تخدش حياء المشاهد، وقدمت المكسيك عرضًا حركيًّا تعبيريًّا راقصًا في منتهى الروعة وبدون اللجوء إلى دغدغة الغرائز.

رابعًا: إلى متى سنظل عاجزين عن تنظيم وإدارة المهرجانات برغم هذا الكم الهائل من الموظفين والقوائم الطويلة من العاملين والتخصصات المتشعبة على الورق وعلى قائمة العلاوات المالية، فلقد كانت الفوضى من العلامات المميزة لهذه الدورة – الفوضى في كل شيء – المواعيد، التعامل مع الضيوف الذين اشتكى بعضهم من عدم قدرته على متابعة أعمال زملائه من الدول الأخرى لعدم معرفته بأماكن عرضها، ولغياب الدليل ووسيلة النقل ولفوضى المواعيد وعدم استقرارها، واشتكى البعض الآخر من عدم توافق أماكن العرض مع الظروف الفنية لعروضهم، مما اضطر بعضهم إلى التحوير الجوهري في تصميم الخشبة، كما فعل مخرج العرض اللبناني "أرخبيل" وجعل الجمهور يجلس على جزء من خشبة مسرح السلام بالقصر العيني، وكذلك اشتكى مخرج العرض التونسي من نفس المسرح ومن عدم ملاءمته لعرضه.

خامسًا: أين هم رجال الفن والمسرح المصري من هذا المهرجان؟!

ألا يعنيهم هل وجد للأجانب فقط وحرم على أهل البلد دخوله؟ هل سمح لطلبة الأكاديمية وبعض الهواة والضيوف والقليل من الصحفيين فقط بالحضور ومنع الآخرون؟! أين نقابة الممثلين؟! أين نجوم مصر ونجماتها؟! أين مخرجوها الكبار؟! أين ذهب أهل الاختصاص؟! إن غيابهم دفع بأصحاب (القلوب السوداء) إلى القول بأن هذا المهرجان لم يَعُد مرغوبًا فيه، وأنه افتقد المبرر، وأنه يمثل صداعًا للبعض رغم أنه يمثل مورد رزق موسمي وفير للبعض الآخر، أما أهميته الثقافية فنعتقد أنها لم تَعُد تعني أحدًا؛ لذلك نرى الكبار عند الافتتاح والختام فقط، فانتبهوا أيها السادة فالمهرجان مكسب هام لا محالة بالرغم من كل عيوبه فلا تفرطوا فيه لكي لا يصيبه ما أصاب ملتقى المسرح العربي.

وقبل أيام وجب علينا الإشارة ببعض العروض المتميزة كعروض اليابان والمكسيك وهولاندا، ولبنان (أرخبيل) وكذلك العرض العراقي البهيج المبكي – وربما بعض العروض التي لم تمكننا ظروف البرمجة من متابعتها وتستحق الإشادة.

ويمكن القول بأن الروح العامة التي لا نراها مفيدة لكنها حكمت هذه الدورة تتلخص في المقولة التالية:

- إذا أردت أن تتقدم فعليك بهدم كل الحواجز الفنية والعقدية والمجتمعية القديمة السائدة وصناعة عالم جديد، حداثي متطلع نحو حرية لا سماء لها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم