English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

مدينة الشياطين

منتصر مرعي

Image

على أعتاب القرن الحادي والعشرين… ثلث سكان العالم يموت جوعاً… بينما يصل دخل أحد الأفلام الأمريكية في أسبوع واحد (34.4) مليون دولار…!! دون أي استئذان تدخل كل بيت.. يشاهدها الصغار قبل الكبار… يتأثر بها الجميع… يتفاعلون.. يبكون أحياناً .. ويضحكون حتى البكاء أحياناً أخرى.. يطلق عليها بالمصطلح الحديث "صناعة".. ترصد لها ملايين.. وعائدها بالمليارات.. تحتضنها مدينة الأحلام… هوليود.. إنها صناعة السينما. 


صناعة السينما الأمريكية التي باتت تشغل العالم بفيلم جديد أو "صرعة" جديدة حتى تصبح أحيانًا أهم من أي حدث سياسي أو اجتماعي يستقطب كل وسائل الإعلام… تلك التي روجت لفنانيها ومحترفيها حتى أصبحوا أكثر شهرة من العلماء والساسة وقادة المجتمعات … تيار جارف بمقدرات هائلة، وطاقات تبدو غير محدودة، ولكن السؤال إلى أين؟!


الفيلم الأمريكي … وعلاقة مشوهة بين الإنسان ومحيطه… 


الحركة والإيقاع السريع والمتميز من أكثر ما يشد المشاهد لمتابعة فيلم ما لمدة قد تزيد على ثلاث ساعات في اليوم الواحد رغم كل إرهاق العمل اليومي…
السؤال الذي يطرح نفسه: ما نوع هذه الحركة؟


الذي يراقب بدقة طبيعة هذه الأفلام يلاحظ دون أدنى عناء اعتمادها على مشاهد القتل والجريمة سواء كان ذلك دفاعاً أو اعتداء، والغريب أن هذه الجرائم تُنفذ بدم بارد أي أن الذي يقتل اعتداء يقتل بدم بارد … والذي يقتل دفاعاً أيضاً يقتل بدم بارد، الأمر الذي يجعل من قتل الإنسان وأهمية هذا المخلوق تتضاءل من جهة، ومن جهة أخرى يصبح أمر الجريمة مقبولا .. .إذ أن المجتمع الذي ينتهي إلى محاكمة "محاولة قتل القاتل" هو مجتمع سليم تسوده قيم العدالة… تحت هذا الستار تعرض الجريمة، ويروج لها كشيء عادي ومتقبل الحدوث.


لماذا هذا العداء الصارخ للطبيعة؟! 


ليس ثمة أحد ينتظر الإجابة، فالنتيجة النهائية التي يخلص لها مشاهد السينما الأمريكية أن هناك محاولة مستمرة لخلق علاقة مشوهة بين الإنسان والبيئة أو الطبيعة من حوله، فالعلاقة بينهما علاقة عداء وحرب، يغزو البشر الفضاء الخارجي أو يغزو أهل الفضاء الأرض ولا مجال إلا أن يسيطر أحدهما على الآخر أو يبيد وجوده ومقدراته.


والواقع أن المفاهيم الأمريكية غذت هذه الأفكار من خلال مصطلحات التحدي، قهر الطبيعة، غزو الفضاء، حرب النجوم، وغيرها من التي جسدتها أفلام هوليود كـ "حرب النجمة" و"كتائب النجوم" و"هجوم المريخ" و"وحش الفضاء"، و"يوم الاستقلال". "كوكب القردة" وهو أحد الأفلام التي توحي للمشاهد بوحشية القردة التي تأتي من الفضاء لغزو الأرض، وكذلك أفلام "كينغ كونغ" أو "الفك المفترس" وحتى تلك المخلوقات المثيرة التي لم يرها الإنسان والمعروفة بالديناصورات في فيلم "جودزيلا"، حتى الحشرات لم تنجُ من السينما في فيلمي "الذبابة" و"المومياء" (الخنافس).


لقد اقتحمت سينما هوليود حتى خيالنا، وافترضت أن أية مخلوقات قادمة من الخارج -على سبيل المثال- هي كائنات شريرة وملامحها قاسية تثير الاشمئزاز أحيانا، وتولد النفور أحياناً أخرى وقلما عرضت السينما لهذه المخلوقات على أنها مسالمة وربطتها بأهل الأرض علاقة حميمية، بل هي كائنات ذكية سخرت التكنولوجيا لغزو الأرض وفنائها. 


وكنتيجة طبيعية يتولد لدى الإنسان شعور صارخ بالعدائية تجاه ما حوله … وبشكل مباشر أو غير مباشر… سريعاً سريعاً أو رويداً رويداً توجه الإنسان بشكل صارخ نحو الشر في معظم إنتاجها من الأفلام … فبدلاً من أن تكون علاقة الإنسان بالإنسان أو بالمحيط حوله علاقة حميمية تكون علاقة عداء أو فناء أو تحد واقتحام.


من يحدد الآخر؟! 


هل الفيلم يرسم السياسة… أم الساسة يرسمون الأفلام؟؟


قالوا: إن الأفلام الأمريكية التي تقدم رسالة سياسية مضمرة وخطيرة في نفس الوقت هي الأفلام التي لا يمكن للمشاهد العادي أن يتوقع منها هذه الرسالة، وهي الأفلام التي تتجنب الحديث في السياسة!! 


مقولة قاربت فأصابت كبد الحقيقة … فالأفلام ذات الرسالة السياسية المباشرة قد ينفر منها المشاهد أو على الأقل يبني داخله حاجزاً نفسياً لتجنب هذه الرسالة، ولكن الأفلام الأكثر خطورة هي تلك التي لا يستطيع المرء أن يكتشف أنها تقدم رسالة سياسية خطيرة، فكيف إذن كانت هذه الرسالة عنصرية ؟!


تلاعب بالمشاعر 


صرخات أخرى من هذه الصناعة هي استغلال الفراغات والثغرات في العلاقات الإنسانية. في المجتمعات الإنسانية خاصة الغربي منها، فالفردية القاتلة والعلاقات الأسرية الضعيفة والمجتمع الممزق خلق مناخاً مناسباً لاستغلال نقاط الضعف هذه، وترويج الأفكار عن طريق أفلام تضرب على الأوتار الحساسة في هذا المناخ، خاصة لدى فئات الشباب..فمثلاً فيلم Titanicالذي يمثل عزفاً منفرداً وتغريداً خارج السرب، لا يعدو كونه إبهارًا تكنولوجيًا مبدعًا طغى على كل شيء، ويستعمل الفراغ العاطفي القاتل الذي يلف هذه المجتمعات.. وغير هذا الفيلم سلسلة أفلام كثيرة تعزز أهداف مشبوهة عن طريق التلاعب بالمشاعر الإنسانية بمسميات مختلفة.. إنها رسائل إعلامية مشاهدة وجدّ خطيرة، ولا يخفى على كل ذي قلب وبصيرة أية أصابع تقف خلف هذا كله… أليس كذلك يا نجمة داود؟! وختاماً .. حُقَّ لنا أن نترجم Hollywood إلى عربيتا الحبيبة بأنها "مدينة الشياطين" بلا منازع

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم