English

 

الأحد. يونيو. 16, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 

هو والوطــن

"كيف ستهرب من الوطن.. الوطن بداخلك" *

ما الذي فعلته بنفسك؟ ترهبك هذه الكلمات أكثر من ظلمة ليلة شتوية في عاصمة الضباب.. ترهبك .. وتتظاهر بأنك لا تبالي.. لكنك تبالي.. تبالي.. أين سمعت هذه العبارة؟ في مسرحية؟  أم قرأتها في كتاب؟  ربما..لا يهمك أين.. لكنك تعلم أن جسدك يرتعش في كل مرة يتردد فيها صدى هذه الكلمات في نفسك..

وطن؟

ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟ تكذب على نفسك وتدعي أنك لا تعلم وأنت تعلم.. تصطنع الطفولة وقلبك كهل جريح على عكاز...

وطن؟

نقشت هذه الكلمات بدمك.. حرفا حرفا.. موتا موتا.. ثم هربت! هكذا ينتهي الأقوياء.. بالموت على فراشهم أو الهرب.. اخترت الهرب حلما بحياة أخرى بعيدة عن الوطن..

لكنك اخترت طريقة أخرى للموت، أكثر إنسانية.. اخترت -دون أن تدري- البقاء مع الوطن الذي يسكن هواجسك وهذيانك..

لطالما قارنت حجارة ليفربول بحجارة حيفا القاسية..

ومحلات "ماركس أند سبنسر" ببقالة أبو عبد الرحيم التي كانت مجاورة لمنزلك والياسمين.

جارتك لــيزا لا تشبه جارتكم وصديقة عمر أمك، أم عامر، هناك..

لــيزا لديها كلب و صديق.. أم عامر قتلوا زوجها تاركين لها خمسة أيتام وموتا آخر "بطيء"..

لا شيء هنا يشبه وطنك.. وطنك حزين لكنه دافئ.. هنا تشعر بالبرد ينخر عظامك وإن ارتديت مائة كنزة صوفية..

ترعبك العيون الزرقاء هنا.. وتشتاق.. تئن.. تحن.. لعيون من أحببتهم.. تطالعك عيون ميساء "البنيتان" كلون تراب الأرض من كل ثقب.. حتى من ثقب الإبرة.. من نافذة السيارة.. من الثلاجة.. من رماد السيجارة..

ميساء التي رجتك بأن لا ترحل.. لكنك تركتها..

ميساء التي لم تقبل بأن تعطيك قبلة في لقاء عند الجدول وهمست بخجل: "اصبر حتى تطلبني من أبي".

ميساء التي لا تشبه دورثي التي منحتك كل شيء في دقيقة.. الوقت لدى دورثي ثمين.. لكن ميساء لم تكن تمتلك حتى ساعة..

شعر ميساء الأجعد الغارق بالسواد الذي يخفي بعضه إيشارب أبيض لا يماثل شعر دورثي الأشقر الهائج..

الاثنتان تجيدان فن الابتسام.. لكن ابتسامة دورثي رشيقة مبتهجة.. وابتسامة ميساء فيها حزن تحبه وتفتقده..

تفتقدها الآن؟

أم تفتقد بابتسامتها الوطن؟

لكنه يسكنك.. وبرغم ذلك تفتقده.. تريد أن تلمسه.. تصافحه بحرارة.. تحتضنه..

قلت لها: "علي الرحيل.. قاتلت وقاتل أبي وإخوتي.. لكن الوطن بيع.. الوطن انتهى.. لا أقوى على رؤية الوطن يباع".

بعت نفسك والأمل.. حزمت حقائبك.. وظننت أنك هربت من الوطن الذي ظل يعايش موتك مع كل نفس تتنفسه..

أمك الجليلة ماتت بحسرتها على والدك وأخيك الكبير..

إخوتك الآخرون  سبقوك بالرحيل.. إما لعند الله.. أو لأرض من أراضي الله.. أخواتك تزوجن وصار لديهن أولاد يعلمون بأنهم سيكبرون ليرحلوا.. و الوطن بيع..

لمن تبقى؟ لعيني ميساء؟ لكنهما فقدا البريق الذي كان أجمل ما فيهما، كما فقد الوطن كل سنتيمتر بريق وحياة..

تركت..

لكنك لا زلت تتحدث بالعربية مع نفسك.. وتقرأ القرآن..

لم تزل عيناك سوداوين وجبينك أسمر..

لا زلت تحلم بمنقوشة زعتر وتسمع مواويل الحمام والسهر كل مساء..

لا زلت تحب ميساء ولا تقوى على حتى ادعاء حب دورثي أو باتريسيا.. 

أمام المدفأة.. في تلك الليلة التي يكتمل فيها القمر.. ككل مرة تجلس..لا ترد على سماعة الهاتف.. تذوب مع نيران المدفأة.. ويقفز من ألسنة اللهب..

مسباح والدك..

جهاز عرس أمك..

صياح الأطفال في حارتك..

تفاح الحقل..

ضفائر ميساء..

دعوات العجائز ودموعهن..

وكفن أخيك..

لم تعد وحدك .. تجلس والوطن.. تحضنه أخيرا.. تحضنه بقوة كي لا يهرب هذه المرة..

وتبكــــيان...


النقد والتعليق:

عماد مطاوع

هناك من يؤكد على ضرورة التزام الكاتب -أي كاتب- بقضايا وطنه وعصره، وأن يكون أدبه انعكاسا صادقا لهذه القضايا، ولهذا تعددت في فترات مختلفة من تاريخ أدبنا العربي المشارب الفكرية والمنطلقات لكتاب هذه الحقب، ونلاحظ ذلك جليا من خلال تجربة النصف الثاني من القرن العشرين، والتي ارتبطت بالمتغيرات السياسية الهامة التي اعترت وطننا العربي مقترنة بحركات ثورية عسكرية خُطط لها من قِبل جهات كثيرة في الخارج والداخل.

وكما كانت هناك أقلام جادة تتماس مع نبض مجتمعاتها كانت هناك أيضا أقلام ركبت الموجة السائدة وقتئذ، ولكن في النهاية عندما يتعرض الباحث المدقق لهذا الكم من الإنتاج سيذكر غثه من سمينه.

ويمر الإبداع العربي مثله مثل كل ما هو عربي بمنحنى مهم للغاية منذ تراجع الحلم القومي عشية هزيمة يونيو 1967، وبدأت أشكال ما تفرض نفسها على ساحة الكتابة، وخرج جيل ربما لم يكن مرتبطا الارتباط الكافي بتراثه وبتاريخه الديني والثقافي، ولهذا نشهد منذ عقدين ماضيين نوعًا من الكتابة المموهة، ولكن مع الصحوة التي فعلتها انتفاضة الأقصى وجدنا روحا جديدة تتخلق، وعقولا تتخلص من التغييب الذي ضُرب من حولها بفعل فاعل لا يخفى على أحد.

وفي قصة "الوطن" لـ"أروى السيد" نرى معادلة صعبة: التزام نحو قضية أمتها وحفاظ على روح العمل الأدبي بكل مميزاته وجمالياته.

فمنذ البداية تستعين الكاتبة بجملة تُعد هي الكشاف الأساسي لهذا العمل، ولكنها أيضا لا تنفرنا من الاسترسال في قراءته؛ فهي تقول: "كيف ستهرب من الوطن والوطن بداخلك؟"، وكأنها تغلق علينا الدائرة من قبل أن تفتحها في الأساس.

فلن يستطيع أحد أن يتخلص من هاجس ارتباطه بوطنه وأمته وقضاياه.. لن يستطيع التحلل من ميراثه التاريخي الأبدي.. لن يستطيع إنزال هذا الحمل الأبدي من فوق ظهره.

 إنها طلسم شديد التعقيد هذه الوطنية وهذا الحنين الدائم نحو الوطن والأهل.

إن أروى السيد تستخدم الراوي العليم بكل الأشياء؛ ليقيم حوارا (مونولجا) مع الـ"هو" غير محدد الاسم؛ ربما ليكون أعم وأشمل ليعبر عن الجميع الـ"نحن". ووظفت هذا الراوي توظيفا جيدا، خاصة وهي تتحدث بلسان ذكوري تام؛ ربما لارتباط الرحيل والسفر بالرجل دائما مع أن الشتات قد فُرض على الجميع دونما تمييز بين رجل وامرأة.

إن هذه التداعيات وهذا الحوار الداخلي الذي أقامته الكاتبة يعري حالة شديدة التعقيد شديدة الخصوصية، كما أنها شديدة الوضوح نراها جميعا ونعيشها.. فهذا الـ"هو"  الهارب من وطنه يائسا منسحقا أمام كمٍّ من الهزائم والانتكاسات نراه يحيا في دولة الضباب، في إشارة هامة لحالته النفسية والفكرية معا.. يقارن بين كل ما هو محيط به في هذا العالم الجديد وما كان يحيا وسطه في بلاده، يقارن بين حجارة الطريق وحجارة بلاده.. بين أشهر المحلات العالمية وبقالة جاره المتواضعة.. بين حبيبته ميساء ببكارتها ونقائها ودورثي بجموحها واغترافها من الحياة.. وليزا المرتبكة بثقافة تسعى للمنفعة، وتهدف للذة واللذة فقط..

 يقارن ويقارن ليكشف أنه ليس حيًّا؛ بل هو ميت؛ فهو منذ ترك بلاده هاربا خائفا لم يعد حيا بل مات ساعة فقد أريج نسيم وطنه.

 ثم يتوحد البطل مع صور وأخيلة تراثية وأحبته ليبكيهم ويبكوه.. لينعيهم وينعوه، بل ينعي وطنا بأكمله تركه فتيانه وهرولوا خلف أحلام بالنجاة من وهداته، لكنهم ألقوا أنفسهم محاصرين في بئر سحيقة من الضياع والشتات.

ورغم تحمسي الشديد لهذه التجربة التي تنبئ بلا شك عن قلم يمتلك أدوات القصّ؛ فإن هناك أشياء لا بد أن نتوقف عندها.. فانسلاخ الكاتبة من كونها أنثى لتتحدث بلسان ذكوري ضيع علينا فرصة سبر أغوار المرأة التي تعاني هي الأخرى من الشتات، وكانت أروى قادرة بالفعل على التعبير عن هذا، كما أن تمكن الكاتبة جعلها تنزلق أحيانا إلى الاستعراض من خلال بعض الجمل المباشرة التي تقترب من السطحية، كما أنها استخدمت أسلوبا مسرحيا واضحا في حوار الراوي، وتأكيده على ما هو الوطن، وما أخشاه أن تكون الكاتبة مدفوعة بمشاعر حماسية لحظية تفقدها مع مرور الوقت نضج التجربة.

لكن في النهاية نرحب بـ"أروى السيد" صوتا جديدا في عالم القصة، ذلك الفن الجميل والمجهد في ذات الوقت، وسننتظر منها تجارب أكثر ذاتية كي نقف معها في تجربة أدبية تتشكل وتتخذ طريقها كلبنة في صرح الإبداع.


* العبارة مقتبسة من مسرحية "كاسك يا وطن"  للفنان السوري  دريد لحام.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم