|
دائما كان يستاء عند سماعه هذه الموسيقى التي لا يستسيغها بالمرة، بالرغم من عمله الذي يحتم عليه أن يسمع هذه الموسيقى لأكثر من مرة في اليوم الواحد.
هو الذراع (الأيمن) للرئيس. كان صميم عمله أن يتبع الرئيس في كل مكان يذهب إليه.. اجتماعات وزارية، لقاءات دبلوماسية، استقبالات رسمية كل يوم.
ودائما هو ظل الرئيس، ودائما يطغى عليه ضوء الرئيس.
في إحدى المرات سمع كما يسمع دائما هذه الموسيقى اللعينة، قام منتفضا منفجئا، سحب كرسيا أمامه وانحنى.
سأله ابنه الصغير "مندهشا": ماذا حدث أبي؟؟
هنا فقط انتبه إلى أنه في بيته، نظر حوله لم يجد ذاك الشخص "الرئيس".
تنفس بعمق، وقال: لا شيء بني. (اغلق) التلفاز واذهب لحجرتك.
تأكد من ذهاب الصغير، ارتمى أرضا وكادت عيناه تدمع ولسان حاله يستهزئ به قائلا: اسحب الكرسي مع الموسيقى كي يجلس رئيسك على رأس المائدة حتى في بيتك.
قبل أن يسترسل في البكاء ابتسم فجأة، ولمعت عيناه بشدة في اليوم التالي، وفي اجتماع للرئيس مع عدد من كبار الزوار والشخصيات ذات القدر.. كان هذا اللقاء على رأس أعمال العالم لذلك اليوم.
دخل كالعادة في ظل الرئيس.. بدأت الموسيقى التي استمع إليها بنشوة غريبة، هذه المرة بالذات!!
جاء الحضور إلى مرحلة الجلوس.. سحب الكرسي للرئيس، همّ الرئيس بالجلوس، فسحب الكرسي أكثر!! ابتسم وهو يلتقط شيئًا ارتطم بالأرض.
النقد والتعليق:
القاص والسينارست: عماد مطاوع
ماذا يفعل الإنسان عندما يجد نفسه وقد أسقطت إنسانيته، وأصبح مجرد "شيء" يدخل ضمن منظومة معقدة تحيله إلى خدمة مصالح معينة لمجموعة بعينها تعمل على فض سلطة فوقية؟
سنجده إما مستسلمًا لهذا "التشيؤ" أو رافضًا له ومحاولا التحرر منه، خاصة أن طبيعة الإنسان تدفعه دائمًا للتمرد على كل قيد.
وفي قصة الصديق "محمد" نجد هذا بوضوح؛ فنحن أمام فرد -أي فرد- لم يتم تعريفه؛ ربما لعموم الحالة وجمعيتها.
ولقد قضى هذا الفرد حياته في خدمة الرئيس -أي رئيس- مخلصًا له ومواليا لمنظومته السلطوية، ويجد هذا الفرد نفسه أسيرًا لموسيقى خفية/ معلومة، تبث فيه روح الولاء والخنوع رغم نفوره الباطن منها، وهذا ما يخبرنا به الراوي في بداية القصة: "دائمًا كان يستاء عند سماعه هذه الموسيقى التي لا يستسيغها بالمرة، بالرغم من عمله الذي يحتم عليه أن يسمع هذه الموسيقى لأكثر من مرة في اليوم الواحد".
ويتوحد هذا الفرد/ البطل، مع هذه السلطة، وتنمحي ذاته لتذوب وسط هذا العالم السلطوي، ويظل محافظًا على ولائه هذا، وفجأة بينما هو جالس يهب واقفًا ليسحب كرسيًا كي يجلس الرئيس، وهذا ما كان يقوم به دائمًا.. لكنه ينتبه إلى حقيقة المكان الذي هو فيه ويكتشف أنه في بيته جالسًا مع ابنه، يشاهدان التلفزيون، فيسقط في يده، وتنتابه حالة حزن شديدة لما آل إليه حاله.. لكنه وسط هذا تلمع في رأسه فكرة ستغير مجرى حياته.
وفي اليوم التالي نجده يستمع إلى نفس الموسيقى، لكن بنشوة غريبة هذه المرة، فينحني ساحبًا كرسيا كي يجلس الرئيس، لكنه يسحب لمسافة أكبر هذه المرة، فيسقط الرئيس/ السلطة على الأرض ليتبسم الفرد، بعد أن بدأ يستعيد بعضًا من ذاته.
وتعد هذه النهاية التي أراد الكاتب أن ينهي بها قصته خير دليل على أن الرهان دائمًا ينسحب على الإيمان الداخلي لكل فرد بضرورة الفعل -أي فعل- على طريق التحرر من أي قيد.
وهذه القصة محكمة البناء، شديدة التركيز والتكثيف، تنبئ عن حاسة قصصية عالية، كما تبرهن على أن كاتبها لديه من الوعي ما يكفي ليجعله يصيغ وجهة نظره في قضايا كبيرة جدًا، تأتي إلينا كبصيص الضوء الذي يتسلل عبر فتحة النافذة.
وهذه القصة تضطلع -إلى جانب الإمتاع الفني- بتقديم فعل التحريض الذي يحرص الفن الواعي دائمًا عليه، وهذا ما فعله كاتب هذه المقطوعة القصصية.
لكنني أجد نفسي أهمس في أذنك يا "محمد" ببعض الأمور التي كان من الممكن مراعاتها ليخرج هذا العمل في صورة متكاملة فنيًا.
وتلك الملاحظات تنحصر في تكرارك لبعض المفردات في نفس الجمل، التي أراد الكاتب/ الراوي أن يؤكد دائمًا عليها في محاولة منه -بشكل تعليمي- لتأكيد ما يود قوله. وهذه الكلمات مثل مفردة "الموسيقى" التي تكررت خاصة في الجمل الأولى.
لكني أيضًا أود تحيتك على مفردة "الرئيس" التي تكررت ربما لتؤكد السلطوية والقهر المتمثلة في دلالات هذه المفردة.
كما أن الفعل الذي قام به البطل كان فعلا فرديًا استند إليه موقف أحادي خاص، مع أن الحل الجمعي هو المؤثر دائمًا.
إلا أن هذه القصة تؤكد على أنك تمتلك أدوات القص بحرفية عالية، ويمكنك أن تستخلص لنفسك مكانة خاصة في الكتابة. ولكن الأمر يتطلب المزيد من الجهد، خاصة في كتابة هذا الفن المراوغ.
|