English

 

الخميس. يونيو. 21, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » بيئة الصراع

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

روبرت ساتلوف: غزة "حماس" لمصر والدولة في الضفة *

روبرت ساتلوف

ترجمة - مروى صبري

روبرت ساتلوف
روبرت ساتلوف

يشكل انتصار "حماس" على "فتح" بعد القتال الذي استمر بينهما على مدار ستة أيام لحظة حاسمة بالنسبة للشرق الأوسط، وحدثا محوريا ينطوي ليس على غيوم مظلمة فقط، وإنما كذلك على فرص إيجابية. 

الإطار التاريخي

 يمثل نجاح حماس ذروة تطور الدور الفلسطيني داخل الصراع العربي ـ الإسرائيلي الأوسع، على مدار 40 عاما. في عام 1967 حققت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية انتصارات زلزلت جيوش وأنظمة الدول العربية المجاورة، وحفزت الحركة القومية الفلسطينية التي سبق أن عانت من التهميش، وكذلك حركة فتح (الاسم المختصر لـ"حركة التحرير الوطني الفلسطينية").

ورغم أنشطتها "الإرهابية" ضد إسرائيل واغتيالها للفلسطينيين الذين انحرفوا عن مسارها، ظلت فتح من المنظور الفلسطيني تحمل هدفا إيجابيا ألا وهو تحرير فلسطين.. قبل عام 1967 انطبق هذا الأمر على أراضي إسرائيل (يرى الكاتب أرض فلسطين الكاملة كأنها أرض إسرائيل الكاملة) لكن بعد ذلك العام ثار تساؤل جوهري ما زال قائما دونما إجابة واضحة حتى الآن حول ما إذا كان هذا التحرير لا يزال منطبقا على (إسرائيل) أم على الأراضي التي احتلتها عام 1967.

على كل حال، تحلت فتح دائما بالمرونة، وانشغلت بالسبل التي ستلجأ إليها لتحقيق هدفها: الدبلوماسية أم الإرهاب أم الحرب؟ الحل التدريجي أم الشامل؟ اتخاذ توجه إسلامي أم علماني؟ اتباع نهج ديمقراطي أم يقوم على الإجماع أم فاشستي؟ وبذلك احتلت السبل دوما أهمية أدنى لدى "فتح" عن الهدف الرئيسي.

وبعد عشر سنوات، تحديدا عام 1977، أخرج "أنور السادات" مصر من الحرب العربية ضد إسرائيل ورفض عرض "مناحم بيجين" بمنحه السيطرة على غزة. وكان من شأن ذلك وضع نهاية، على الأقل حتى هذه اللحظة، لإمكانية إحياء الصيغة التي تضمنها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 القائمة على أن تتحول جميع الأطراف المقاتلة في عام 1967 إلى أطراف في تسوية الصراع.

بعد عشر سنوات أخرى، أي عام 1987، جاءت "حماس" إلى النور، واسمها تفصيلا هو (حركة المقاومة الإسلامية)، الأمر الذي يكشف بوضوح عن ماهيتها، فهي لا تعنى بفلسطين ولا بالتحرير. بمعنى آخر: إنها لا تهتم بالغاية، وإنما بالوسيلة وهي المقاومة من خلال منظور إسلامي.

وفي جوهرها تعد حماس حركة "سلبية" تدعو للخراب الشامل. والتساؤل الأكبر الذي يواجهها ليس: أي "فلسطين" ترغب في تحريرها، وإنما ضد من ينبغي أن تمارس المقاومة؟.. في الأساس، كانت الإجابة إسرائيل. وعندما كانت تظهر احتمالات وقوع صدام بين "فتح" و"حماس"، كان يسارع المتحدث الرسمي باسم الأخيرة بالتنديد بـ"الفتنة"، باعتبارها أمرا ترفضه كليا الحركة السياسية الإسلامية. 
والآن بات من الواضح أن هذا التوجه ينطبق عليه مصطلح "التقية" الشيعي، حيث تبين تماما الآن أن "الفتنة" أو ممارسة المقاومة المستهدفة ضد الفلسطينيين الآخرين باتت أمرا مشروعا بالنسبة لحماس. وعليه، نجد أنه بعد مرور أربعين عاما بعد عام 1967 أن أبرز التطورات على صعيد العلاقات العربية ـ الإسرائيلية هو اندلاع حرب أهلية مع الجانب الذي حتى لم يكن طرفا في حرب 1967.

المسئولية

 لا شك أن الإجابة على التساؤل حول "من خسر غزة؟" سينطوي على توجيه قدر كبير من اللوم للعديد من الأطراف. فتقع المسئولية الأولى على عاتق الشعب الفلسطيني وقادته التاريخيين.. علينا أن نتذكر أن الفلسطينيين الذين أبدوا تأييدهم في استطلاعات الرأي لحل قيام دولتين، إسرائيلية وأخرى فلسطينية، هم أنفسهم الذين صوتوا في يناير 2006 لصالح حركة تعارض عقد أي سلام مع إسرائيل. أيضا، علينا أن نتذكر أن الرئيس الفلسطيني وقائد حركة "فتح"، محمود عباس، الذي أعلن مرارا رفضه للعنف وإقراره لحل إقامة دولتين، أضفى الشرعية على البديل الرافض الذي تتبناه حماس من خلال الدخول في اتفاق للتشارك في السلطة مع حماس في فبراير 2007 عبر "اتفاق مكة".

علاوة على ذلك، انهارت قوات الأمن التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تجاوز عددها في وقت من الأوقات 50.000 في مواجهة خصم أصغر بكثير ولكنه أكثر حماسا والتزاما بهدفه. باختصار: كانت "حماس" مدركة تماما لما تريده، أما فتح فلا.

ولا يمكن إعفاء إسرائيل هي الأخرى من اللوم، فلم يجبرها أحد على فك ارتباطها بغزة أو تنفيذ ذلك بأسلوب يفرغ المبادرة من قيمتها الإستراتيجية. من ناحية أخرى، فشلت إسرائيل في ترتيب عملية انتقال منظمة وتعاونية، الأمر الذي كان بمقدوره تعزيز مركز "عباس" وتمكينه باعتباره شريك محتمل. وأيضا أخفقت إسرائيل في متابعة جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية لفك الارتباط، وهو ما حرمها من الاستفادة من المزايا الدبلوماسية المترتبة، وأبقى على عاتقها مسئولية ضمان بقاء واستمرار غزة، حتى في الوقت الذي يشن فيه سكانها صواريخ ضد المدنيين الإسرائيليين. وربما تتمثل أكثر النقاط كارثيةً على الإطلاق في أنه لم يكن هناك ما يجبر إسرائيل على السماح لطرف عاقد العزم على تدميرها بالمشاركة في انتخابات تشريعية داخل أراض تحتلها.

أما الدول العربية، التي تمثل الشجاعة من وجهة نظرها إقرار عرض مبهم بالسلام الدائم مع إسرائيل مضى عليه 15 عاما دونما أن تحرك ساكنا باتجاه تنفيذه (يتغاضى الكاتب عمدا عن ذكر المبادرة العربية للسلام، أو الإشارة إلى رفضها إسرائيليا وربما أمريكيا كذلك)، فينبغي أن تتعامل مع انتصار حماس الأخير باعتباره صيحة تنبيه للخطر الداخلي لديها. والأسئلة التي تطرح نفسها على هذا الصعيد: كيف حصلت حماس على السلاح الذي هزمت به فتح؟ عبر أراض عربية (مصر).. كيف حصلت حماس على الأموال التي استغلتها في دفع رواتب جنودها؟.. من جهات مانحة عربية (وأيضا إيرانيين).. كيف حصلت حماس على الشرعية اللازمة كي تدعي قيادتها للشعب الفلسطيني؟ عبر الدبلوماسية العربية (اتفاق مكة).

وربما يدفع أول انتصار عسكري على الإطلاق يحرزه إسلاميون "راديكاليون" ضد حكومة "سنية" بقلب العالم العربي الزعماء العرب للتحرك. بيد أنني لا أشعر بالتفاؤل فيما يخص هذه النقطة تحديدا، ذلك أن الاحتمال الأكبر أن يستجيب القادة العرب للانتصار العسكري الذي حققته حماس بنفس الأسلوب الذي استجابوا به لثورة "الخميني" في إيران، وهو اتخاذ موقف دفاعي من خلال استثمار أكبر قدر ممكن من الأموال في تعزيز الأمن الداخلي للحماية ضد استشراء النزعات الراديكالية، كبديل عن اتخاذ خطوات حقيقية نحو تحسين مستوى الحكم ببلدانهم.

على هذا الصعيد فمن المحتمل أن تتخذ إجراءات صارمة للحيلولة دون انتشار عدوى الحركات الإسلامية على غرار "حماس" داخل أراضيها؛ وهو أمر مشروع في حد ذاته، لكنها ستقوم به دون اتخاذ أي خطوات جادة لتعزيز موقف الفلسطينيين في الصفوف الأمامية في مواجهة حماس، أو محاولة تقويض حماس ذاتها. من بين جميع الدول العربية، قد تنظر الأردن بشكل خاص إلى انتصار حماس باعتباره سببا يدعو لتعزيز تواجدها بالضفة الغربية، ولكن دون اللجوء إلى ما قد يأمله البعض تحت مسمى "الخيار الأردني".

وبالنسبة للولايات المتحدة، تأتي خسارة غزة بعد خمس سنوات من الجهود الدبلوماسية.. ففي يونيو 2002 عرض الرئيس بوش في ثنايا أحد أفضل خطاباته، رؤية أمريكية جديدة للمشاركة في عملية السلام بالشرق الأوسط. وصاغ الرؤية في شكل صفقة، بحيث ستقود واشنطن الجهود الدولية لتعزيز الحل القائم على الدولتين، ولكنها ستفعل ذلك فقط عندما يقوم الفلسطينيون بإقرار تحول في قيادتهم بحيث تصبح شريكا جديرا ببذل الجهود من أجله، وتتحول قياداته إلى قيادة لا يلوثها الإرهاب.

وبعد خمس سنوات بذلت خلالها القليل من الجهود للمساعدة على ظهور هذه القيادة الجديدة، فيما عدا الإصرار على إجراء انتخابات أتت بـ"حماس" إلى السلطة، تقف الإدارة الأمريكية الآن في مواجهة حكومة في غزة ـ إذا صح تسميتها بذلك ـ تتسم بطابع إرهابي خالص. وأدعو الرئيس إلى عدم إلقاء خطاب الأسبوع القادم يذكر خلاله العالم بالوعود التي قطعها على نفسه عام 2002، لأنه سيدفع المستمعين حينئذ للتساؤل كيف آل الحال من تلك النقطة إلى ما هو عليه الآن.

على الجانب الآخر، هناك بعض العناصر بالإدارة الأمريكية لسان حالها يقول "لقد قلنا لكم ذلك"، مشيرين إلى أن الفلسطينيين كانوا بحاجة إلى أفق سياسي حتى يصبح لديهم ما يناضلون من أجله. ولو كان الأمريكيون حددوا رؤية تفصيلية للمستقبل الفلسطيني وأشاروا بوضوح لحدود الدولة الفلسطينية والسبيل للوصول إليها لكانت الحماسة الأيديولوجية ستصبح متقدة بنفوس مقاتلي "فتح". لكن للأسف أنصار وجهة النظر تلك هم ضحايا الوهم، فحسبما شرح أحد القادة العسكريين في "فتح"، يبلغ من العمر 48 عاما، بعد إلقاء القبض عليه، ثم إطلاق سراحه في غزة: "لقد قررنا الاستسلام لأننا لم نشعر أن قادتنا وزعماءنا يقفون خلفنا.. لقد فر الكثير من قادتنا إلى رام الله والقاهرة، حيث كانوا يصدرون لنا الأوامر من غرفهم المكيفة داخل الفنادق".

ويكمن السبب الرئيسي وراء هزيمة فتح في العفن الذي أصابها من الداخل، وبتعاونها أحيانا مع حماس ومعارضتها لها أحايين أخرى. قدمت الحركة للشعب الفلسطيني توجها يشوبه الغموض والتخبط، ولا يمكن حل مثل هذه المشكلة بأي حلول أمريكية، وإنما المشكلة تتركز في فتح ذاتها وازدواجية تفكيرها حيال طريقها المستقبلي.

الخيارات والفرص

لا شك أن مسألة تعزيز حركة إسلامية "راديكالية" عاقدة العزم على تدمير إسرائيل لسيطرتها السياسية والعسكرية في غزة تخلق موقفا جديدا، وحان الآن الوقت لدراسة الخيارات المتوافرة. ورغم أن هذا الموقف يشكل انتكاسة خطيرة فإنه يحتوي أيضا على فرص إيجابية.

تتمثل أول فرصة إيجابية في ميزة الوضوح، حيث تخضع غزة بشكل كامل لسيطرة نظام معاد، وليس هناك تواجد ظاهري لمنظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية أو فتح، من شأنه تعتيم هذه الحقيقة.

أما الفرصة الإيجابية الثانية فتتعلق بأحد أخطر عيوب اتفاق أوسلو، ألا وهو قرار إسرائيل الرسمي بالتعامل مع غزة والضفة الغربية كوحدة واحدة. في الواقع، احتلت إسرائيل هذه الأراضي من دولتين مختلفتين، ما جعل هاتين المنطقتين تتسمان بجذور تاريخية مختلفة كلية وسكان يتميزون بخصائص اقتصادية واجتماعية متباينة للغاية. وكان اعتراف إسرائيل بعدم إمكانية الفصل بين المنطقتين منذ بدء عملية السلام بمثابة تنازل هائل لم يكن هناك ما يستدعيه. والآن، انتهى هذا الوضع على أرض الواقع.

أما الفرصة الثالثة الإيجابية، فهي أن انتصار حماس في غزة يمنح إسرائيل الفرصة للنظر في خيارات واضحة:

ـ الاحتلال العسكري لغزة بهدف تدمير "النظام العدو" المسيطر عليها حاليا. بيد أن مختلف التيارات السياسية، بما في ذلك زعيم المعارضة "بنيامين نتنياهو"، تعارض مثل هذه العمليات البرية الكبرى في غزة. ونظرا للاحتمالات الكبيرة لاندلاع مواجهة في الصيف على الحدود الشمالية للبلاد، لا يوجد حماس كبير داخل إسرائيل لاقتحام غزة في الوقت الراهن.

ـ الاحتلال العسكري لمساحات محدودة من أراضي غزة، إما في صورة قطاع من الشمال للعمل كمنطقة عازلة ضد صواريخ "القسام"، أو قطاع بالجنوب لمنع التهريب، أو كليهما. ورغم المنطق الجيد الكامن وراء هذه الخيارات، فإنها تشكل على أفضل تقدير إجراءات لا تحدث تغييرا جوهريا بالمعادلة الإستراتيجية.

ـ فك الارتباط الكامل.. أعتقد أن الولايات المتحدة ينبغي عليها تشجيع إسرائيل على إنجاز عملية فك الارتباط التي بدأتها عام 2005. يذكر أن إسرائيل أخرجت جنودها وسكانها المدنيين من غزة، لكنها أبقت على مسئولياتها القانونية والاقتصادية والأمنية هناك. وعليه، واجهت إسرائيل مشكلة أنها دفعت تكليف فك الارتباط، دون التمتع بالمزايا. وفي أعين العالم الخارجي، ظلت إسرائيل قوة احتلال حتى بعد أن أنهت احتلالها. وتنفرد إسرائيل بكونها الدولة الوحيدة المسئولة عن توفير الغذاء والمياه والكهرباء لكيان سياسي يمطر مواطنيها بالصواريخ بشكل يومي.. إن هذا ضربا من الجنون!.

ينبغي على إسرائيل إنجاز فك ارتباطها بغزة، وذلك يتضمن ما يلي: إنهاء اتحاد الجمارك، إعلان أنه بعد نقطة زمنية معينة ستتوقف إسرائيل عن العمل كنقطة مرور لجميع السلع والأفراد والخدمات إلى داخل غزة، وإنهاء اتفاق أمن "محور فلادلفيا" (محور صلاح الدين) الذي تحول إلى فخ للأمن الإسرائيلي. وفعليا سيجعل ذلك من مصر المنفذ الوحيد لغزة على العالم، مع تدفق الغذاء والمياه والكهرباء والسلع الإنسانية الأخرى عبر الحدود بينها وبين غزة.

وعندما أعرض هذا الاقتراح تكون الإجابة المعتادة: "لكن مصر لا تود تحمل هذه المسئولية؟".. أجيب: "منذ متى تمارس القاهرة حق الفيتو على القرارات الإسرائيلية السيادية بإنهاء احتلال ظل العالم يطالب بإنهائه على امتداد أربعين عاما؟".. بدون اتخاذ إسرائيل هذه الخطوة، ستستمر حماس في التمتع بوضع متميز يمكنها من استغلال التوجهات "الإنسانية" لإسرائيل، بينما تقصف هي بالصواريخ.

هل ستستمر حماس في قصف إسرائيل بالصواريخ؟.. المؤكد أنها ستشهد جدالا داخليا حول هذا الأمر، حيث سيرى فريق داخل الجماعة ضرورة العمل على تعزيز المكاسب وعرض اتفاق على "أبو مازن" يقوم على إقرار هدنة داخلية طويلة الأجل مقابل التمتع بوضع مكافئ لـ"فتح" داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وقد يتقدم رئيس الوزراء "إسماعيل هنية" بهذا العرض، وربما أيضا "خالد مشعل" الذي بدا مندهشا من سرعة الانتصار العسكري الذي أحرزته حماس.

ولكن لا أعتقد أن هذا العرض سيحظى بالقبول، حيث سيصر "الملثمون" في خان يونس ورفح ومدينة غزة على الاستمرار في إطلاق الصواريخ على أمل ضرب مدرسة أو مستشفى في سديروت، أو إذا حالفهم الحظ، موقع صناعي ضخم بأشكيلون. ويرغب هؤلاء في أن تقتحم إسرائيل غزة بكامل قوتها، حيث يعتقدون أن حرب الشوارع داخل شوارع ومخيمات اللاجئين سيفوزون فيها بسهولة.. أعتقد أن من الأفضل لإسرائيل إنهاء صلاتها بغزة واعتبارها متمردا معاديا رسميا يخضع لحكومة معادية، الأمر الذي سيمنح إسرائيل قدرة أكبر على التعامل مع التهديدات الناشئة عن حماس.

ـ ترتبط فرصة إيجابية أخرى بالضفة الغربية، حيث حان الوقت لاستغلال التأثيرات التي يخلفها الموقف الراهن. لقد اتخذ "عباس" الذي تردد طويلا ـ حتى أنه لم يأمر جنوده بإطلاق النار حتى اليوم الخامس من حرب الأيام الستة الثانية ـ في اتخاذ خطوات جريئة وإيجابية بشكل مثير للدهشة منذ فقدان غزة، بما في ذلك تجريم ميليشيات حماس. وفي أكثر إجراءاته حكمة، لم يقم "عباس" بتعيين الحكومة الجديدة من كوادر حماس القديمة، بدلا من ذلك عين مجلس وزراء بقيادة "سلام فياض"، يتألف بصورة رئيسة من عناصر مستقلة ذات كفاءة، وربما تشكل في نهاية الأمر حكومة فلسطينية لا يلوثها الإرهاب، تستحق دعما سريعا وكبيرا.

ولا ينبغي أن يأتي هذا الدعم في صورة رؤية سياسية كبرى جديدة، وذلك لأنه لا يتعين علينا تصديق المنطق المفرط في التبسيط الذي يرى بأن الضفة الغربية تخضع لسيطرة "فتح" الكاملة، بينما تخضع غزة لسيطرة "حماس" الكاملة، حيث يوجد دعم كبير لـ"حماس" داخل الضفة الغربية. لكن "حماس" لم تتمكن من اختراق الضفة الغربية بنفس القدر.. لماذا؟.. يكمن وراء ذلك العديد من العوامل، على رأسها التواجد النشط للجيش الإسرائيلي. وتتركز المفارقة في أن الأفق السياسي الذي ينادي به بعض أعضاء الإدارة الأمريكية سيثير آمالا سابقة لأوانها بشأن إزالة هذا العامل الذي يشكـل الحاجز الأكبر الحائل دون انتشار حماس في الضفة الغربية في الوقت الراهن.

إلا أن ذلك لا يعني أنه ليس هناك مجال للدبلوماسية. ففي الواقع هناك بالفعل مجال للدبلوماسية، ولكن ينبغي أن تكون دبلوماسية عملية تقوم على الاستفادة من التأثيرات المترتبة على "انقلاب" حماس لتعزيز المصالح المشتركة بين أبناء الضفة الغربية والإسرائيليين والأردنيين والعرب والغربيين بهدف خلق موقف مختلف يثمر في نهاية الأمر عن ظهور حكومة بالضفة الغربية عاملة وشفافة وتخضع للمحاسبة وتوفر الخدمات لسكانها، وهي حكومة قد تلبي في يوم من الأيام نصف الصفقة (قد يقصد الكاتب بهذا إقامة دولة فلسطينية في الضفة فقط) التي أعلنها "بوش" في 2002. وينبغي أن تتبع واشنطن إستراتيجية تقوم على العمل على تنفيذ رؤية الرئيس للحكم الفلسطيني، مع توفير الموارد والالتزام الضروريين لذلك.

ولكن هل سيقبل القادة الفلسطينيون بفصل فعلي بين الضفة الغربية وغزة والاحتواء الفعلي لنظام "حماس" داخل غزة؟. من المهم أن نتذكر أن "عباس" لن يكون أول زعيم فلسطيني يقبل مثل هذا الفصل، حيث تفاوض الزعيم السابق "ياسر عرفات" بشأن اتفاق "غزة ـ أريحا أولا"، والذي كان من شأنه إقرار السلطة الفلسطينية في غزة، مع جزء بالغ الضآلة من أريحا حتى يتمكن من القول بأنه لم يتخل تماما عن الضفة الغربية. وإذا كان "عرفات" قد تمكن من الموافقة على الفصل العملي بين غزة والضفة الغربية فلن يلوم الكثيرون "أبو مازن" على اعترافه بالحقائق القائمة على أرض الواقع. (يتجاهل الكاتب كلا من الفرق بين الرجلين والمرحلتين أيضا، بل ويغفل أن إسرائيل هي التي لم تنفذ اتفاقات أوسلو التي كانت تقضي بإقامة الدولة الفلسطينية على أرض غزة والضفة عام 1998، ويقفز أيضا على بنود "خريطة الطريق" الدولية).

خاتمة

علينا الاعتراف بعدم توافر حلول بسيطة واضحة للخروج من المرحلة الراهنة من تاريخ الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. أقصى ما يمكننا أن نطمح إليه أن نعمل وشركاءنا بتعقل أكبر في مواجهة هذه التحديات الجديدة عما سبق أن كان عليه الحال. وعلينا تقبل حقيقة أن هذا الصراع سيبقى قائما لفترة طويلة.

وما شهدناه مؤخرا ليس سوى تحول في الصراع، مثلما حدث كثيرا على مدار القرن المنصرم. وتتركز مهمتنا في إدارة هذا الصراع والحد منه والتخفيف من حدة آثاره السلبية والتمهيد لليوم الذي تصبح فيه التسوية أمرا ممكنا. وهناك بعض الأمل في أن يسفر تحول غزة إلى (جمهورية فلسطين الإسلامية) والتأثير القوي الذي سيخلفه ذلك على مختلف جوانب المشهد العربي ـ الإسرائيلي عن تحطيم هذه المشكلة إلى أجزاء أصغر يمكن استيعابها وتسويتها في نهاية الأمر... ولكن علينا إضفاء غطاء من الواقعية على أي شعور بالأمل، ذلك لأن أي طريق نحو التقدم لن يكون يسيرا أو ممهدا.


المدير التنفيذي لمعهد "واشنطن لدراسات الشرق الأدنى".

* مقال نشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سلسلة بوليس واتش، عدد 1247، 18 يونيو 2007، تحت عنوان: "حماس وحرب الأيام الستة الثانية.. الدلالات والتحديات والفرص".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات