English

 

الثلاثاء. مارس. 18, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

من يوميات فتاة عراقية

السبت .... 2003

اسمي بلقيس.. فتاة عراقية.. اليوم أتم السنة الثالثة عشرة من عمري.. طالبة  في مدرسة كربلاء الإعدادية للفتيات.. أعيش مع أمي وأختي.. أبي مات قبل أن أراه.. لا أدري لماذا أكتب؟! أو ماذا أكتب؟! ربما أعود للكتابة مرة أخرى.

الثلاثاء ... 2003

اليوم زارنا ضيف في المدرسة.. يبدو أنه مهم.. استقبله مدير المدرسة باهتمام بالغ.. دعانا إلى الصمود في طابور المدرسة فالحرب آتية.. همست إحدى زميلاتي "إن الدراسة ستتوقف بسبب الحرب".. فرحت صديقتي (ميساء) التي تضحك دائما وقالت "سنرتاح قليلا من المدرسات والواجب المنزلي" .. لا أعرف لماذا خشيت على المدرسة، أمي تناديني .. سأعاود الكتابة لاحقا.

الأربعاء... ‏2003‏‏

في طريق  العودة من المدرسة لاحظت عددا من السيارات البيضاء (مطبوع عليها حرفين كبيرين).. بالدراسة والخبرة كنت أعرف أنها سيارات الأمم المتحدة.. اعتدنا مشهدها وهي تفتش المصانع والمنازل.. لم أهتم، سرت في طريقي إلى البيت وفي رأسي سؤال واحد: ماذا أعدت أمي للغداء؟.. افتقدت أمي كثيرا اليوم.. لماذا؟! لا أعرف.

الأحد ... 2003

اليوم سألت أمي: كيف مات أبي؟.. لم أكن قد سألتها من قبل.. بكت كثيرا.. من بين دموعها التقطت كلمات قليلة.. قالت أمي: إن العسكر قتلوه.. رفض الالتحاق بالجيش الذاهب إلى غزو الكويت.. اعتبروه خائنا.. أمي قالت: إنه كان بطلا.. علمونا في المدرسة أن من يفر من ميدان المعركة خائن.. لكنني أعتقد أن أمي على حق.. احتضنتها وبكيت.

السبت .. ‏2003‏‏

أعلنوا اليوم في المدرسة عن فتح باب الجهاد لمقاومة العدوان الأمريكي.. قيدت اسمي.. أخبرت أمي، فبكت.. قالت: كفى من ضاعوا.. احتضنتني وبكينا سويا.. في المساء تسللت إلى مكتبة أبي.. كانت ضخمة ومغلقة منذ أن مات.. رفضت أمي بيع كتبه رغم حاجتنا لكل درهم.. قالت نبيع كل شيء إلا كتب أبي.. جلست إلى مكتبه الصغير البسيط الأنيق.. كما ينال من أمي عناية يومية وكأنها تنتظر أبي ليجلس إليه.. قلبت في أدراجه الصغيرة.. أوراق مطوية.. لا بد أنها لأبي.. لا أعرف خطه لكنني أشعر أنها سطوره.. كانت قصيدة شعر عن العرب والعروبة لم أفهم شيئا. طفت على الكتب المتراصة.. لم أفهم منها شيئا.. لا أحب سوى الروايات الرومانسية ومجلات الفن.. تسللت خارجة من الحجرة لأكتب.

الأحد ... 2003

أول يوم لي في معسكر التدريب.. وجدت زميلات لي في المعسكر.. بجدية وتصميم تلقينا درسنا الأول في استخدام السلاح والخطوة العسكرية. أعطونا ثيابا سوداء.. وبنادق ثقيلة وثلاث محاضرات، تحدث فينا ضابط بشارب كثيف عن حماية أرض الوطن بدمائنا.. لا أعرف لماذا تذكرت أبي؟! دمعت عيني .. أفقت على هتافات الفتيات.. فهتفت معهن.. انتهى اليوم.. وفي طريق العودة لمحت أخا صديقتي.. (ميساء) ينظر إلى كالعادة نظرات غامضة.. عيناه هذه المرة تمتلئان حزنا وربما إرهاقا.. كان عائدا لتوه من مركز المتطوعين أيضا.. أنا مرهقة جدا.. سأنام الآن.. فالتدريب سيكون في الصباح الباكر.

الخميس... 2003

اجتزنا ثلاثة أشهر من التدريب.. أصبحنا مؤهلين لأعمال الحراسة... أجدنا إطلاق النار .. كلفونا بحماية  الحي الذي نسكن به ليتفرغ الجنود للمعركة التي صارت وشيكة كما يقول التلفاز.. نتناوب الحراسة صباحا ومساءا .. يتحدثون كثيرا عن الحرب.. لا أعرف معنى هذه الكلمة أشاهد الطائرات والدبابات وأمسك بسلاحي فهل هذه هي الحرب ؟؟ أقوم بواجبي فقط .. أمي صارت شاحبة وكذلك أختي .. إنني أحبهم جدا..

................

لا أعرف ما تاريخ اليوم؟! فقدت إحساسي بالزمن.. في نوبتي الليلية سمعت انفجارات قوية.. وأصوات طائرات تقترب.. ارتعدت.. أيها الجبناء.. أصوات طلقات الرصاص تدوي.. الطائرات تقترب أكثر فتمحوها.. أنا خائفة.. أصرخ فلا يسمعني أحد.. أطلق الرصاص في اتجاه الطائرات.. البيوت تهوي من حولي.. الحرائق تشتعل.. صرخات النساء والأطفال أعلى من صوت الطائرات والرصاص.. أجري إلى بيتنا.. أتعثر.. أقوم.. أتعثر.. تنفجر قنبلة خلفي.. أسقط.. أفيق بعد فترة.. لا أشعر بشيء.. سلاحي بيدي.. بيتنا يقترب..

أين البيت؟! انهار البيت؟! أين أمي؟.. الأنقاض تشتعل.. كتب أبي.. أوراقه.. جسد أمي.. أشلاء أختي.. كل شيء احتواه الجحيم..

أجري... أتعثر بجثث وأشلاء.. صديقتي ميساء.. صرخت .. كانت ممزقة الأشلاء.. وجهها احترقت عليه الابتسامة.. نظرات أخيها الغريبة لم يبق منها سوى (عينان جامدتان) تحلقان في الطائرات القاتلة. أجري إلى مدرستي.. طالها الجحيم أيضا.. ماذا تبقى؟.. سلاحي ما زال بيدي.. ودفتر اليوميات.. أين أنا؟! لا أعرف.. لا أشعر بجسدي.. هل أموت؟.. هل مت فعلا؟.. هل ما زلت حية؟.. لا أعرف.. شيء واحد فقط أعرفه.. معنى الحرب.


النقد والتعليق:

عماد مطاوع

إن أكثر الكتابات صدقًا وتأثيرا هي تلك التي تتماس مع قضايا وواقع مجتمعنا، خاصة في ظل هذا العبث البشري الذي نراه من حولنا؛ فلم يعد الأمر وقفًا على من يعيشون الأزمة ليكتبوا عنها، بل تعدى الأمر لآخرين، يحيون خارج الدائرة الصغيرة، لكنهم لا يتعدون الدائرة الكبيرة التي تلفنا جميعًا، وهذا ما نجده في قصة "من يوميات فتاة عراقية" للصديق أسامة السعيد الذي اختار اليوميات المنفصلة/ المتصلة في رسم هذه الحالة القصصية/ الحياتية شديدة الرقة وشديدة القسوة في آنٍ واحد، ورغم خطورة أسلوب اليوميات والحاجة الدائمة فيه إلى الرهافة عند الكتابة حتى يتم خلق ذلك الحس الخفي الرابط ما بين اليوميات المنفصلة.. فإن صديقنا قد نجح في هذا تمامًا عند اليوم الأول الذي نعرف فيه أن بطلة القصة اسمها "بلقيس" وهو اسم له دلالته العربية، ونعرف أيضًا عمرها الذي تم الثالثة عشرة، وأنها طالبة بمدرسة "كربلاء" الإعدادية، ولاسم المدرسة دلالة مهمة أيضًا؛ إذ يعود لواقعة "كربلاء" الشهيرة وما حدث فيها من فجيعة وألم، ملقيًا بظلالها على هذا الواقع، وكأنها نبوءة من الكاتب نفسه.

وعندما توغلنا في العمل/ اليوميات تزداد شخصية بلقيس اتضاحًا، فتعرف أنها تعيش مع أمها وأختها بعد موت زوجها على يد "العسكر" الذي عدّوه خائنًا عندما رفض المشاركة في حرب رأى أنه لا داعي ولا طائل من ورائها، لكن الأم تعده بطلا بسبب ذلك، ونعرف أيضًا انتباه بلقيس لمشاهد المفتشين الأجانب الذين يملئون البلاد، ونعرف انتباهها لنظرات شقيق صديقتها "ميساء"، وتتعقد الأمور، وتلوح بوادر الحرب في الأفق؛ فتنضم بلقيس إلى صفوف المتطوعات، وتتخذ موقعها في حراسة إحدى المنشآت، واتخذت حياتها طابعًا جديدًا رغم معارضة الأم، وخوفها من الفراق والفجيعة. ويصل الأمر مداه، ويحدث ما كان في الحسبان، وتجد بلقيس أن كل شيء قد ضاع، وانهار المنزل، ومات الأحبة، وبدأت هي تفقد اتزانها بعد الخراب الذي حاق بالجميع، فتقول: "أين أنا؟ لا أعرف.. لا أشعر بجسدي.. هل أموت؟.. هل مت فعلا؟.. هل ما زلت حية؟.. لا أعرف.. شيء واحد فقط أعرفه.. معنى الحرب".

وأكثر ما يميز هذا البناء التقليدي/ الكلاسيكي ويومياته المنفصلة / المتصلة هو قدرة الكاتب في الحفاظ على الجو العام المميز لطبيعة العمل، وأيضًا قدرته على رسم المشاهد القصصية، وعمل مساحات بصرية جيدة جعلت اليوميات أشبه بالمشاهد السينمائية (السيناريو)، وأيضًا تصويره للحظات دافئة وهامة مثل دخول بلقيس إلى مكتبة الأب التي رفضت الأم بيع أي من كتبها رغم حاجتهم الماسة للمال، إلا أنني آخذ عليه تلك الروح التي بلغت من فرط حساسيتها مبلغ الانهزامية -أم تراها طبيعة الذات العربية الرومانسية التي تجنح إلى البكاء على الأطلال دائمًا؟- وهو ما يبدو بوضوح في خاتمة العمل، وننتظر من هذا القلم ذي الدربة القصصية المزيد، خاصة بعد أن يقف على الأساليب الحديثة للقصص والسرد التي ستزيد من حنكته بلا شك.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم