|
كان يا ما كان في سالف العصر والأوان شخص يمسك بالقلم ليخط هذه السطور:
أعرف نفسي جيدا أعتقد أنه لا بأس بي بصورة أو بأخرى.
لكن هذا يعود إلى كوني (أعورا) وسط دنيا مليئة بالعميان..
هل يجعلني هذا ملكاً؟
إن البصر لم يحقق ذلك لبطل رائعة ه.ج.ويلز: بلد العميان.
بل جعله منبوذاً ومجنوناً ..
حسناً!
وللصدفة فقد منحتني هذه العين الشوهاء أيضاً الكثير من الجنون والألم..
أعرف أنني ألعب دور هذه الشخصية..
أي شخصية؟
إنها شخصية مألوفة جداً في الأدب العالمي..
البائع النصاب -أياً كان ما يبيعه- يتعامل في وسط شديد القذارة والجهل.
هو بصورة أو بأخرى أكثر علماً من كل الحمقى الذين يبيعهم بضاعته الزائفة، يحتقرهم ويحتقر نفسه لأنه دوناً عنهم يعرف أن هناك دنيا أخرى..
عالماً آخر من التسامي..
أعور يعيش في مستنقع للعميان..
يعرف أنه يغوص مع الآخرين في الوحل والخراء..
ولكنه دونا عنهم يعرف أن هناك آخرين يعيشون دون وحل محافظين -بصورة تثير إعجابه وكرهه في آن واحد- على نقائهم البلوري..
يتعامل طوال اليوم مع الموحلين ، يبيعهم الوهم..
يسرقهم ويسرقونه..
يضحك لنكاتهم..
يأكل من طعامهم ويشرب من شرابهم..
يتشاجر معهم على قروش معدودة ينتزعها من أيديهم القابضة عليها في تشنج.
يحتقرهم لأنهم موحلون -أنفاسهم ذاتها لها رائحة الخراء-
يحتقر نفسه أكثر لأنه يعلم أن له نفس الهيئة الموحلة وتنبعث من أنفاسه ذات الرائحة، ولكنه فضلاً عن هذا أسلم نفسه -طواعية- لتيار الوحل.
مرات ينقاد وراء شعور بالتفوق عليهم ولكنه سرعان ما يهوي إلى إجلالهم في كدهم الدءوب ليغوصوا أكثر فأكثر في الوحل والخراء..
تعلَم أن يهتف كل صباح: المجد للوحل! المجد للوحل! المجد للوحل!
المجد للوحل ثلاث مرات!
ولكنه في المساء عندما يهجع إلى كوخه يكشف في حرص عن قطعة من البلور هي كل ما يملك من أشياء غير موحلة ويغمض عينيه متمنياً أن تزوره في أحلامه -ولو للحظة- سيدة الطهر: المرأة البلورية..
أرى الآن هذا الشخص -الذي هو أنا- في جسد بائع في أزقة روما الخلفية قبل ميلاد المسيح..
دجال يتاجر في الذهب المغشوش في جب حقير.
يرى امرأة تدخل الجب.
لا يرى وجهها لأن الإضاءة تسقط عليها من الخلف..
تمد يدها إليه بقطعة صفراء.
يتشممها.
يقلبها.
مع أنه لم يبع أبداً قطعة ذهب أصلية إلا أنه لا يزال قادراً على تمييزها.
أخيراً!!
يتقافز في ابتهاج.
يتقلب على الأرض.
يضحك.
قطعة ذهب!
أمد يدي المخلبية القذرة التي شققتها الصدفية أتحسس القطعة الذهبية أصرخ بالآرامية: قطعة الذهب هذه مليئة بالشوائب !
تقول المرأة: أيها اليهودي الجشع!
أتمثل شايلوك بسكين مسنون وعينين تبرقان!
ثم:
* ثعبان من الأفكار *
لا يحب اليهود شكسبير!
أرى صورة الرجل الإنجليزي البدين يؤلف شعراً ليرتزق منه ..
من وصف شكسبير بأنه شيخ عربي اسمه الشيخ زبير؟
هكذا نحن نحب الادعاء!
بل نحن نحب جلد الذات!
ألا تذكر أمجادنا؟
حضارتنا!
الأندلس!
ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً ..
الغدد الدمعية.
دموع التماسيح.
التكافل بين الطيور والتماسيح.
التكامل بين البشر.
اليوتوبيا..
أفلاطون.
فيلسوف جالس في برميل وبدلاً من أن يطلب من الإسكندر المقدوني أن يتنحى جانبا يبتسم ويقول: مع تكييف كرافت كلنا سوا!
إذاعة سوا الموجهة..
* أنقض ببلطة حادة لأوقف الثعبان !*
يدخل إلى الكادر مخرج يصرخ: فركش، وينظر في شرود إلى كاميرات التصوير.
بعد عدة أشهر..
شاب يجلس في مقعد السينما يتابع فيلماً ما عن شيء ما ولكنه -في أعماق قلبه- لا يزال يأمل بأنه في مكان ما هناك، كرة بلورية تملكها ساحرة عجوز سوف تسلب منه عينه الشوهاء يوماً ما، وتمنحه كيساً من الفشار الموحل ليتناوله في الاستراحة في منتصف الفيلم..
النقد والتعليق:
القاصة عزة سلطان
من أين تأتينا الساحرة الطيبة لنتبارك بها وتغمرنا برعايتها، ليتها تأتي اليوم وربما الساعة لتغير من مصيرنا التعس، وتعطي من فقد عينه كرة بلورية تضيء له العالم فلا يشعر بالفقد وربما يشعر بالامتنان لأنه ملك بلاد العميان.
موسيقى مونوديالوجية تطرح نفسها بقوة وسط السطور، فندهش كثيراً لكون هذه الموسيقى في قصة، ويواصل القاص المراوغة وهو يحرر نصه فيخرجه مقاربا لقصائد النثر، فيفصل الجمل، ويجعل من الكلمة سطراً، وللوهلة الأولى تظن أنك أقرب إلى قراءة شعر، وما يبرر ذلك تلك الموسيقى الخافية وراء المونوديالوج، لكن المتلقي يجد أنه بصدد قصة جيدة إلى حد كبير، عمد صاحبها إلى المراوغة، فغير من شكل التحرير.
وعلى الرغم من وجود حكاية فإنها غير واضحة؛ وذلك لتبدل صوت الراوي الذي لعب دورا مزدوجا في تفعيل الجانب الموسيقي على حساب الجانب السردي، وتغيُّر الحكي بين ضميري الأنا والهو أكسب القصة بعدا جماليا عاليا، لم يحافظ عليه القاص تماما لانشغاله بالحوار الداخلي، كما أن الجانب الأسطوري دعم من وجود هذا الحوار؛ فالحكايات القديمة التي تتحدث عن الساحرة، التي تحول كل شيء تبعاً لطبيعتها الخيرة أو الشريرة تحيلنا إلى زمن الطفولة البراءة، إلا أن ما يدهش المتلقي أن كل ذلك هو جزء من مشهد سينمائي يتم تصويره ليجلس البطل بعد ذلك بين صفوف المتفرجين يأكل الفيشار ويشاهده منفصلا عنه.
يمتلك القاص ثقافة عالية واطلاعا واسعا، وقد ظهر هذا جليا في جمله، لكنه لم يجعله يمسك باللحظة القصصية جيداً على الرغم من امتلاكه أدواتها؛ فهو تارة يحيك البناء السردي جيداً، وأخرى يهترئ منه حين تأخذه ثقافته التي يحاول أن يظهرها في شكل أخشى أن يقترب من الاستعراض.
وقد جاء المونوديالوج جيدا جدا؛ مما يبشر بقصص جيدة من هذا النوع.
تبدو القصة نصا بصريا بالدرجة الأولى، ولذا فإن طريقة التحرير والتنسيق وعلامات الترقيم هي من الأدوات المهمة للقاص التي ينبغي عليه عدم إهمالها، وهو ما لم تلاحظه عزيزي القاص؛ فأهملتها تماما؛ مما يربك المتلقي في تحديد الجنس الأدبي، ولذا أرجو أن تكون موضع اهتمامك. أما بشأن ثقافتك فأنت لست بحاجة لاستعراضها؛ فهي ستبدو حتما من معالجتك وطريقة تناولك واختيارك للموضوعات، ومن ثم لا تنشغل بها عن الفكرة، واهتم بالعمل أولا.
القصة جيدة إلى حد كبير، والقاص يمتلك موهبة تمكنه من أن يكتب قصصا جميلة وثقافة تعطي بعدا وعمقا لأعماله.
أمنياتي بالتوفيق.
|