English

 

الاثنين. يوليو. 7, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

خالد وعلية... قصة من فلسطين

Image

كما في قصص العشق القديمة، كان هو ابن العم، الجار في الحي والصديق الحميم للأخ الأكبر، وكانت هي الطفلة المدللة المشاكسة، ولما كانت البيوت في القرية تتداخل وتتكئ على بعضها البعض، فقد كان هذا يعني وجود الثلاثة دائما معا، هو (وأخيها) أحمد يتشاركان في بعض الشأن، وهي دائما في بيتهما لا تكف عن الشقاوة والمعاكسة، حتى إذا ما يئسا من تجاهلها كان أحمد يشاغلها بإعداد الشاي، فتقفز متذمرة وتحضر الشاي وتمر الأيام، وتصبح علية أبعد عن عالم طفولتها ويتقلص وجودها بينهما إلا من لحظات حييّة، تحولت خلالها إلى ذلك المقدس الذي كان الإمعان في تقديسه يعني الإمعان في الإغضاء عنه .. ذلك الإغضاء الذي لم يكن ليمنعها من أن تسترق النظر بين الحين والآخر إلى ملامح رجولته التي تكتمل يوما بعد يوم، ولم يكن ليمنعها من أن تستشعر في حضوره أو في غيابه أن شيئا ما من طرفه كان يعبث بضربات قلبها فيجعل لاحقها يرتطم بسابقها.

ولكن للقلوب في قرية كتلك مصائر أخرى، ففي قرية مازال زيتونها يقاوم واقفا منذ خمسين عاما لم يكن لشمل أن يلتئم طويلا، وانفرط العقد، عقد الثلاثة، فرصاصة مذعورة اخترقت جبين أحمد وأوقفت هجوم ذلك الجبار الأمرد.. وتشظّى القلب منها و(أتكسر)، وانكفأت إلى حزنها ووحدتها، ولكنها لن تنكفئ طويلا، ففي قرية يقاوم رجالها الموت كل يوم بالرغبة فيه، وتزغرد (نساءها) عند تسجية كل شهيد ويعلو في مآذنها الله أكبر، لن تنكفئ طويلا ولن تكون وحيدة مع حزنها، فالحزن (خاصة) الجميع وهم على طريقتهم يعتصرون من الألم الأمل ... وجاءها معزيا وخصها بكلمات بعد طول إغضاء "الحمد لله، وتجمّلي بالصبر يا علية" قالها لها، وتجّملت، وبدأت أجنحة للقلب تنمو من جديد، ولم يعد من ريب من أنه بات كسراج مضيء يسكن كوة في زوايا القلب المعتمة، تدخلها كل مساء، تهرب من نهارات الخوف والدم والرصاص، تجلس بين يدي سراجها وكما يسترجع الصوفي كل ليلة حبات سبحته خاشعا ويتمتم كانت هي تسترجع لحظاته القليلة معها : نظرة هنا، التفاتة هناك، بسمة عابرة أو تقطيبة مبهمة، صورته مقبلا أو صورته مدبرا .. وبدأت تتبرعم على شفتيها ترانيم وكان يحلو لها أن تدندن " لا تسألوني .. ما اسمه حبيبي ..".

ولم يطل الزمن وجاءها خاطبا ولم يكن الأمر خارج يقينها، فقد كانت تعلم أنها تمتلكه بقدر ما يمتلكها، وقالت له كل الكلمات التي كانت قد أعّدتها وأسمعتها لنفسها مرارا في الليالي الطويلة، وقال لها كل الكلمات التي سمعتها منه من قبل في محراب قلبها، ولكن الذي لم يكن لها أن (تَخْبَرْهُ)، دفءُ ذلك النبض الراعش في كفيه الواثقتين والذي أحال كفها الصغيرة إلى قطعة جليد لاسعة وأحال معها قلبها أيضا إلى كرات لاهبة تنطلق لتتورد في وجنتيها ثم تعود لتتكور قلبا لاهثا مرة أخرى في دورة عجيبة .

وبضعة أيام أو أسابيع كانت لتفصل بين الخطبة والعرس، فقد أصر أهل القرية على أن يعدوا عرسا ضخما فالأعراس في تلك القرية كانت ضربا من ضروب الإصرار على الحياة وشكلا من أشكال التحدي والمقاومة، ومضت الأيام القليلة بطيئة، وفي داره ليلة (توضيب) أغراض العروس كانت النسوة يزغردن وكان القمر بدرا، وكانت ضفيرة شعرها تتلألأ بسواد قد اختبأت فيه كل نجوم الليل، وكان دوره ليقف خاشعا في المحراب، رفع ضفيرة شعرها تنشق عطرها حتى تأكد أن صدره قد احتجز كلّ ذرات العطر، انسلت الضفيرة خجلة من بين كفيه وعادت إلى حيث كانت مستقرة، إلا بضع شعرات أبت إلا أن تتشبث بأصابعه، وعادت لعلية حمّاها التي لم تكن قد برأت منها، وسرحت عيناه في البعيد وبصوت هامس كمن يخبر سرا "أريد عشرة أطفال، عشرة رجال يا علية، سيكون الأول أحمد" وغرقا في دمعة واحدة .

وفي ذات الليلة وعندما غاب البدر، دخلت الدبابات لتعربد في القرية تقتلع زيتونا أو تقتحم بيت وتصدى لها الرجال، وأسفر الصبح عن دبابة محترقة على قراصنتها في طرف القرية وفي الطرف الآخر مارد مسجى بلا ذراعين . وحُمِل إليها أو حُمِلت إليه وآه بعرض السماوات والأرض ضجَت في صدرها دكّّت ضلوعها وانمحى منها القلب ودموع تُغرق كل بحور الكون حجّرّتها في مقلتيها و"تجملي بالصبر يا علية" وسارت في عرسه .

وبعد زمن ليس بالطويل، قصت ضفيرة شعرها، دفنتها تحت زيتونة، ودون عرس تزوجت رجلا آخر، لم يكن لها قلب لكنها كانت في عجلة من أمرها كانت تريد أن تنجب عشرة رجال ستسمي الأول أحمد، والثاني.. خالدا، كان اسمه خالدا.. وكانت تنتظر أن ينمو لها قلب من جديد.


النقد و التعليق:

الناقد والسيناريست: عماد مطاوع

إن أكثر الأعمال الإبداعية صدقًا وتماسًا مع ذات المتلقى هي تلك التي تتعامل مع القضايا الهامة، والمؤثرة في المسار الجمعي للشعوب، ومنذ أكثر من خمسين عامًا ونحن نقاسي آلام فجيعة فلسطين، وانضمت إليها الآن بغداد - ومازالت الدائرة تدور- ولقد أفرزت القضية العربية الكبرى العديد من الإبداعات التي صورت مقدار هذه الفجيعة، ولا ضير أن يتعامل المبدع مع هذه القضايا ما دام يُضمّن ذلك إطارًا فنيًا صادقًا.

وفي قصة خالد وعلية.. قصة من فلسطين، نجد أنفسنا أمام عمل يجسد ما لهذه الذات من قدرة على التحمل وتقديم الشهداء في سبيل الوطن، ولقد نجحت الكاتبة في نسج خيوط عملها متكئة على قصة الحب هذه التي جمعت بين بطلتها وابن عمها، والتي تعادل موضوعيًا ارتباط البشر بالأرض، حتى إن التكنيك التقليدي للقصة والذي اعتمدت فيه على "الفرشة" -التي اقتربت من التقريرية والمباشرة- والحبكة، ثم النهاية التي تلخص حالة الصمود والرغبة في مواصلة الحياة، أرى أن هذه التقليدية كانت مناسبة إلى حد ما لطرح هذه الرؤية، وإن كنت أفضل لو حاولت الكاتبة انتهاج وسائل تجريبية أكثر حداثة في التعامل مع نصوصها القادمة لأن هذا سيضمن لها تطوير أدواتها القصصية التي تمتلكها بالفعل، ويميز الكاتبة أيضًا قدرتها العالمية على رسم صورة قصصية والاقتراب بها إلى مستوى الصورة السينمائية، خاصة في الأجزاء التي تناولتها بشاعرية عالية مثل.... "وفي داره ليلة توضيب أغراض العروس كانت النسوة يزغردن وكان القمر بدرًا، وكانت ضفيرة شعرها تتلألأ بسواد قد اختبأت فيه كل نجوم الليل، وكان دوره ليقف خاشعًا في المحراب، رفع ضفيرة شعرها، تنشق عطرها حتى تأكد أن صدره قد احتجز كل ذرات العطر، انسلت الضفيرة خجلة من بين كفيه وعادت إلى حيث كانت مستقرة".

وأنهت الكاتبة عملها نهاية رائعة بلورت رغبة الإنسان في مواصلة الحياة والدفاع عن الأرض وتحريرها مهما كان الثمن عظيما لأن المقابل أيضًا عظيم، وهذه الخاتمة تمت صياغتها بشكل فني رائق وجيد.

 وأخيرًا: أرجو من الكاتبة أن تسعى للتحلل من الجمل اللغوية الاستعراضية التي تثقل كاهل العمل، وأرجو منها أن تسعى أيضًا لانتقاء لحظات قصصية دقيقة وخاصة؛ لأن هذا سيعطي لقلمها ومخيلتها مساحة عالية من الحرية.

لكن عند التعامل مع معطيات الحياة بشكل فني علينا مراعاة اكتشاف عوالم جديدة وطرح زوايا رؤية جديدة؛ بغية إحداث تنوير ما، وخلخلة رؤى تقيد انطلاق الذات الإبداعية، خاصة إذا كانت هناك موهبة عالية كموهبة هند العتيبي التي تبدت في قصتها الجيدة هذه.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم