|
نظرت بعينين دامعتين إلى والدها، وهما يعبران نقطة حدودية، وأخبرته بأن صديقتها وفاء لن تأتي بعد اليوم إلى المدرسة؛ لأنها استشهدت البارحة، وبأن صديقها (محمد) قد استشهد أهله وإخوته أيضا البارحة، وهو ما زال في المستشفى يعاني من جراحه. واحتارت زهرة بالعبارات التي تعبر بها؛ لقد رأت اليوم والدة وفاء كالعادة تنتظر ابنتها حتى تخرج، وبجانبها أخو وفاء يذكرها بأن وفاء رحلت من عالمنا إلى الأبد، لكنها لم تصدق حتى الآن على ما يبدو، بل واقتربت من زهرة وسألتها، فتلعثمت الفتاة الصغيرة ولم تدرِ ما تقول؛ راودتها صورة والدتها التي استشهدت العام الماضي، وعاد الصوت المشكك الحزين يتردد في أذنها: "وفاء طلعت ولا لسا يا بنيتي يا زهرة؟"، وبلا وعي منها احتضنت زهرة المرأة المجروحة وهي تغمغم في قرارة نفسها: "لا يما، بس كلنا وفاء". فالجرح واحد واليتم أو الثكل عندنا سواء: كلاهما بطولة وكلاهما حرمان.
****
عند المساء جلست زهرة في الدار تذاكر دروسها كالعادة، وبجانبها أختها أمل؛ لكم أصبح البيت خاليًا بعد وفاة والدتها، والعبء كله على والدها، فعمله بالكاد يؤمن لقمة العيش لهم، ويأخذ من جهده ووقته الكثير. أمل أختها أيضًا تعمل إلى جانب دراستها الجامعية؛ وبدأت تراودها الأفكار: أمل فتاة طيبة، جميلة، ومتفوقة، لكنها حزينة ولا يلومها أحد في ذلك. هي كذلك منذ رحل أخوهما الأكبر صلاح، أو بالأصح رُحّل لأنه لم يرحل بل أخذوه إلى السجن ومن هناك إلى حيث لا يدري أحد. وكل صباح بعد أن تنتهي أمل من ترتيب البيت وإعداد الطعام تحمل صحنًا من الطعام وحقيبتها وتذهب إلى السجن على أمل رؤيته ولكن لا فائدة؛ أصدقاء زهرة في المدرسة يقولون لها إن صلاح (أخيها) استشهد ولكنها لا تصدقهم. لو أنه حتمًا استشهد لما ذهبت أمل كل يوم إلى السجن، ولكانت أمل قرأت اسمه في الجريدة التي (تقرأها) يوميًّا على أمل أن تعلم عنه شيئًا. "أمل" خاطبتها زهرة لتنفض عن نفسها قلق الوحدة والأفكار، لكن الأخيرة لم ترد، "أمل" ونظرت إليها: هي هناك ككل مساء تذاكر مثلها، لكن زهرة تدرك أن أمل عقلها وفكرها (مشغولين) بهموم أكبر منها؛ أمل تضع بجانبها الجريدة وتعيد قراءتها بين فينة وأخرى تتأكد أن صلاح ليس شهيدًا أو مفقودًا. لا بد أنها تفتقد (صلاح)؛ لقد عانيا معًا محنة فقدانهما أمهما حين استشهدت، وتعاهدا معًا على خدمة السلام والإسلام، لكنه الآن هناك في السجن وهي هنا تنتظره، وتنتظر أيضًا حبيبها وخطيبها عماد. عماد يمضي معظم وقته في مخيمات التدريب وهي (غالب) ما تسنح لها فرصة (لقاءه) بسبب التضييقات وممارسات الاحتلال، لكنهما رغم كل شيء كانا قد بدءا بالتحضير للزفاف.
"أمل" ونادتها زهرة مرة أخرى، فمع تخيل أن أمل ستتزوج صعب على الفتاة ذات (التسع سنوات) أن تجد نفسها وحيدة في المنزل، لكنها حين فقدت الأمل في سماع رد استسلمت هي الأخرى لسلطان النوم.
****
نزلت زهرة بعد الصف إلى الباحة مع صديقتها هبة، وشلة من الزميلات الأخريات. هبة صديقتها المفضلة وتسكن معها في نفس الحي. هبة كذلك يتيمة مثلها؛ توفت والدتها قبل والدة زهرة بأيام قليلة، لكن أباها تزوج امرأة ثانية كانت تناديها بخالتي، ليست كأمها ولكنها حنونة ولطيفة، تأتي يوميًّا لتسأل عن هبة وتأخذها معها إلى المنزل؛ كأنها أمها الحقيقية، وتحاول أن تمنح زهرة أيضًا بعض النفحات من العطف والاهتمام والأمومة التي يبدو حرمانها واضحًا في عيني زهرة، لكن هبة وزهرة تعرفان في قرارة أنفسهما أن للأمومة الحقيقية (طعم مختلف).
زهرة منذ أن (توفت) والدتها تمضي معظم أوقاتها في التفكير، حتى حين تكون في المدرسة. تحلم أحيانا بأن أمها عادت وبأن (أخيها) صلاح أيضا عاد، وأنهم عاشوا جميعا عائلة سعيدة بعيدا عن مضايقات أي احتلال، وبأنها صارت فتاة مرحة عندها الكثير من أنواع اللعب، ولها غرفتها الخاصة المطلية والمفروشة بتخت جميل ومكتب، لكنها تفيق من ذلك على صوت الطائرات الإسرائيلية التي تمر كل لحظة وأخرى لتبث الرعب في قلوب الأبرياء، وتتناهى إلى أسماعها عبر جدار منزلهم المتصدع بكاء جارتهم التي فقدت ولدها منذ أيام قلائل. بيتهم يسمى كذلك، لكنه أبعد ما يكون عن البيت، هو سقف وجدران تقيهم المطر والبرد لا أكثر من ذلك إن لم يكن أقل فهنا في بلادنا لا فائدة من بناء منزل لأن الإسرائيليين لا بد وأن يأتوا يوما ليهدموه. لكن هذا لم يكن يعني الاستسلام أبدا، فهم هنا باقون حتى لو اضطروا للسكن من دون منزل. وتذكرت زهرة الإصرار في عيني والدها؛ إصرار عجيب لم تمحه سنوات القهر، ولا تعب العمل. وأفاقت على صوت صديقتها هبة تبلغها أن الناظرة تستدعيها إلى مكتبها حالاً.
"خيك صلاح يا زهرة عمل عملية استشهادية، مبروك عليك الجنات وعقبال الشهادة عندك".
هكذا الشهادات هنا في فلسطين، يقولون إن ابن جارتهم (محمد) قد عاد من الخارج يحمل شهادة، لكنها بالأمس فقط رأته، وعلمت من ثَم أنه نال شهادة أي درجة علمية. كانت لأول مرة تعلم أن هناك شهادة يحتفل بها تختلف عن الشهادة التي يعرفونها. لكن أخاها صلاح كان في السجن؛ لذلك لا بد أنه قد نال شهادة حقيقية. لا بد أن "أمل" ستصعق الآن بالخبر، ولكنها من ثم ستفرح. لا بد أن صلاح قد انتقم من اليهود أيضًا؛ هم بلا شك عذبوه وعانى منهم الكثير. كان دائمًا يقول لي إنه سيخلصنا منهم كي تصبح حياتي في المستقبل سعيدة، ولكن كيف ستصبح حياتي سعيدة بدونهم جميعًا؟ ماما وصلاح ووفاء.. لا أريد أن أظل وحيدة ...
****
انتهى اليوم الدراسي ونزلت زهرة كعادتها كي يأخذها والدها إلى المنزل، ولكنه لم يكن ينتظرها في مكانه المعتاد هذه المرة. غريب، إنها المرة الأولى التي لا يكون، لا بد أنه تأخر قليلاً؛ طبيعي أنه مشغول بالمهنئين والزوار بأخيها صلاح. وبدأت تتخيل المنزل كيف سيكون عند عودتها: لا بد أنها اليوم لن تشعر بالوحدة ولا الملل، ولكنه تأخر كثيرًا، والجميع قد رحلوا. هيا يا أبي أنا أيضًا أريد أن أحتفل معكم باستشهاد أخي صلاح، لم نشعر بالسعادة منذ زمن بعيد. وبقيت هناك تنتظر على الباب ورأت هناك من البعيد والدة وفاء قادمة تقترب منها، لا بد أنها ستسألها عما إذا كانت وفاء قد خرجت أم لا.
ورن في مسامعها الصوت الحزين مجددًا، لكنها الآن أحسته قويًّا وعميقًا: "مبارك يا زهرة، أملنا فيك"، وأمسكت أم وفاء بيد زهرة وقادتها إلى منزلهم، وزهرة لا شعوريًّا ممسكة بيدها، ولم تنبس طوال الطريق بكلمة واحدة. كانت تشعر بالشفقة على والدة وفاء، وبالحاجة إلى الحنان والعائلة فذهبت معها إلى منزلهم.
"منزلكم دمروه اليهود يا زهرة. بيك وأختك استشهدوا، ما انتظر وهمك اليهود ليطلعوا كانوا غاضبين عليهم وبدهم ينتقموا من خيك صلاح". ونظرت زهرة إليها بنظرات حائرة ارتسمت فيها خيالات الأحبة: صلاح في زنزانته، وأمل تذاكر بجانبها الجريدة، وفستان العرس الذي ابتاعه لها عماد، (وأباها) الذي يعود متعبًا كل يوم، ويأخذها من المدرسة إلى البيت، وأمها التي ذهبت في ذلك اليوم تشتري لها أول لعبة في حياتها ولم تعد حتى اليوم، كل هذا الألم الذي سببوه لنا، وهاهم الآن يريدون الانتقام أيضًا. أمل ما عادت بعد الآن بحاجة إلى الانتظار على باب السجن لساعات طويلة، ولا لقراءة الجرائد، ولم يَعُد أحد منهم بعد اليوم يعاني الوحدة؛ لا بد أنهم التقوا في الجنة. بحثت عن صورة أمها لتضمها فلم تجدها، وأحست بضمة قوية وهمست أم وفاء لنفسها: "ما عليك يا بنيتي يا زهرة، كلنا أهلك".
النقد و التعليق:
الناقد والسيناريست: عماد مطاوع
ستظل القضية العربية الكبرى فلسطين محورًا هامًّا للعديد من الإبداعات الفنية المختلفة؛ لأن الأمم تتخذ عادة من انكساراتها وانتصاراتها مادة خصبة للإبداع تذكره الأجيال اللاحقة دائمًا؛ ولهذا نجد أن هناك شعراء وكتابا أوقفوا كل إبداعاتهم لصالح هذه القضية، خاصة أولئك الذين يعايشونها وتمتلئ قلوبهم بجراحها المتتالية. وفي قصة "ورقة من دفتر فلسطين" ترصد القاصة حالة فتاة فلسطينية في مقدمة القصة "نظرت بعينين دامعتين إلى والدها وهما يعبران نقطة حدودية وأخبرته بأن صديقتها وفاء لن تأتي بعد اليوم إلى المدرسة لأنها استشهدت البارحة، وبأن صديقها محمد قد استشهد أهله وإخوته أيضا البارحة".
وبهذا التمهيد واختيار النقطة الحدودية يستمر مسلسل الحزن الذي بدأ بالآلام والصديقة والصديق، ثم تلا ذلك فقد الأب والأخت والبيت مما يعني أنها ستحيا وحيدة إلا من أحزانها وأطياف من رحلوا.
جاء بناء القصة بسيطًا متدفقًا معتمدًا على الشكل المتعارف عليه للقصة من مقدمة فرشة، ثم حدث فحبكة، وتنتهي بمفاجأة تفطر لها القلوب هكذا نجحت القاصة في بناء حالة قصصية شجية رغم بعض الجمل التي تعتبر مقحمة على النص.
وأخشى أن صديقتنا القاصة لم تجهد نفسها كثيرًا، فهي قد استخدمت الراوي الخارجي العالم بكل الأشياء لتكفي نفسها عناء الغوص داخل التراكيب النفسية لشخصيات قصتها في محاولة لتحليلها ورصد عذاباتها ونوازعها، مع أن بطلتها زهرة كان من الممكن أن تعمق أكثر لو أنها روت القصة من خلالها تاركة لعينيها رصد المحيط بها، وأيضًا أعجبت القاصة بشخصياتها المساعدة في البناء الدرامي فجعلها ذلك تكثر من الخطوط المتوازية، مما حدا بها إلى الاقتراب من الثرثرة السردية التي تفسد تدفق الحدث، كما أن انتهاجها أسلوبًا تقليديًّا في السرد جعلها تغفل خاصية هامة من أهم خواص القصة القصيرة وهي "التكثيف"، إلا أن هذه التجربة بالنسبة للقاصة -18 عامًا- تبرهن على امتلاكها وبجدارة ناصية القص، وتدعونا إلى تحيتها ومطالبتها بالمزيد من الاجتهاد فامتلاكها الموهبة يحملها أمانة الجد والاطلاع الدائم والبحث عن كل أسلوب من شأنه أن يطور أدواتها وأدعوها للوقوف على كافة أشكال القص والإبداع عمومًا، خاصة أنها تمتلك القدرة على بناء عمل درامي متكامل -ربما تكتب رواية فيما بعد- وهو ما اتضح من تعدد الشخصيات في القصة وتشابك العلاقات فيما بينها، وعلى القاصة أن تسعى لتشكيل عالم إبداعي خاص بها تستفيد فيه من مرحلتها العمرية، وأيضًا مكان إقامتها؛ لأن الفنان الكاتب يكون صادقًا عندما يكتب عما يعرف وأيضًا عندما يكتب ما يحياه بالفعل.
|