|
تزوجا عن حب تناقلته ألسنة كل من عرف قصتهما، مرت أيام زواجهما الأولى في سعادة حسدهما عليها الآخرون.. كانت تسرع إلى إسعاده سرعته إلى إرضائها.. أحبها مثل أنفاسه، وأحبته مثل شهيقها.. ولكن دوام الحال من المحال.
حيث هاتفته يوماً فسمعت ضحكات سكرتيرته في التليفون، فساورها الشك في أمر زوجها، ولكنها لم تصارحه بشكوكها، فهي لا تتخيل الحياة وهي على خلاف معه، لكن نار الغيرة و"النيران الصديقة" جرت في قلبها وأوصالها مجرى الدم، فقد كان يتأخر في عمله يومياً.. فطلبت منه أن يستبدل بسكرتيرته "اللعوب" رجلا.. فرفض وتضايق بشدة وأصر على موقفه، فحزنت وزادت حدة غيرتها.
أخذ خيالها ينسج أطراف ثوب (خيانة زوجها لها)، أما هو فأحس بمراقبتها له في كل خطوة: في الشارع.. في العمل.. وأحس أنها تفتش ملابسه.. وهي بالفعل كانت تفعل ذلك، فزادت هوة الخلاف بينهما، أخذ هو يتأخر خارج المنزل كثيراً.. بل أصبح يبيت في مكتبه ولا يعود للمنزل إلا بعد غروب شمس اليوم التالي..
طلبت منه الطلاق فرفض.. طلب منها حقه فأبت..
لجأت إلى الإنترنت.. دخلت غرف الدردشة.. وجدت مجتمعاً آخر.. مجتمعاً افتراضياً جميلاً.. حكت قصتها إلى صديقها على الماسينجر.. أخذ بيدها وطيب خاطرها.. أسمعها كلاماً جميلاً.. ذكرها بكلام زوجها يوم كان خطيبها.. لكن شتان الفارق بين زوجها "الخائن" وحبيبها "الهائم" الذي أكد لها أنها حبه الأول والأخير، فخافت أن تخبره أنه حبها الثاني..!
لامها ضميرها فترة ولكنها أخذت تؤكد لنفسها أنه مجرد صديق وليس عشيقاً حتى تخاف على نفسها من "الحرام"!
زاد غياب الزوج عن البيت فزاد انغماسها في الواقع الإلكتروني كيداً في زوجها.. واتفقت مع حبيبها الافتراضي على لقاء "أخوي" يتبادلان فيه الحديث عن بعضهما.. فقط!
جاء يوم اللقاء.. ارتدت أجمل ثيابها.. تزينت.. ركبت سيارتها التي أهداها لها زوجها بعد زواجهما لتقابل بها "صديقها" أو "أخوها" كما أكدت لنفسها في هذا اليوم.. دخلت المطعم.. جلست على المائدة المتفق عليها.. جاء صديقها من ورائها.. وسوسها في أذنها قائلاً: "لقد جئت".. فالتفت وكلها شوق لترى حبيبها الإلكتروني.. واعتدل هو باسماً ليرى رفيقة الإنترنت الشقراء.. وكانت الفاجعة: لقد كان هو زوجها.. لقد كانت هي زوجته!!
* ملحوظة: أود التنويه إلى أن القصة تتشابه (يعلم الله بطريقة غير مقصودة) مع أحد الأفلام الأجنبية!!
النقد والتعليق:
السيناريست والناقد: عماد مطاوع
للعلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة طبيعة خاصة كانت محط أنظار المبدعين من مختلف المشارب الفنية، وفي قصة "الخيانة أون لاين" لعلي عبد المنعم، نجد الكاتب يمسك بقيمة حياتية خاصة جدا ونجده يلقي الضوء على نموذج يتكرر كثيرا فى حياتنا ويمثل نواة صغيرة لمجتمع بأكمله فى ظل عصر جامد معقد.
فنحن أمام زوجين جمع بينهما الحب الشديد كما يقول الكاتب فى بداية قصته.. "تزوجا عن حب تناقلته ألسنة كل من عرفهما، مرت أيام زواجهما الأولى في سعادة حسدهما عليها الآخرون.. كانت تسرع إلى إسعاده سرعته إلى إرضائها.. أحبها مثل أنفاسه، وأحبته مثل شهيقها"، لكن آلية الحياة وتعقدها أفسدت هذا الحب وحولت مسار هذه العاطفة وأصيبت حياتهما بالجمود، فلم تجد الزوجة غير غرف المحادثة عبر الإنترنت لتفرغ ما بها من مشاعر خاصة، وقد وجدت ضالتها المنشودة في صديقها الجديد الذي.. "أخذ بيدها وطيب خاطرها.. أسمعها كلاما جميلا ذكرها بكلام زوجها يوم كان خطيبها" حتى تطور الأمر فاتفقا على موعد وكانت المفاجأة لكليهما أن الحبيب "الإلكتروني" ما هو إلا الزوج نفسه.
واستخدم الكاتب تكنيكا تقليديا ذا بداية ووسط ونهاية، وفجر مفاجأة لم تكن متوقعة بالفعل، وكان استخدامه للراوي الخارجي حائلا أمام اكتمال الصورة أو الحالة الإنسانية لمثل هذه النصوص، فلو أنه جعل القص على لسانها هي أو لسان الزوج، وغاص قليلا فى التركيبة النفسية لكل منهما، لكانت الصورة أكثر صدقا واكتمالا.
كما نجح الكاتب فى الإمساك بزمام القص، ولم يفلت منه لولا بعض الكلمات التقريرية الخطابية التى تقترب من الكتابات المسرحية، الميلودرامية القديمة مثل "النيران الصديقة.. دوام الحال من المحال.. وكانت الفاجعة".
وأيضا كانت النهاية مسرحية للغاية؛ ولهذا ذيل الكاتب قصته بتنويه إلى أنها تتشابه مع قصة فيلم سينمائي.
وعند الحديث عن اللقطات القصصية أو تلك اللحظات القصصية الخاطفة التى توضح براعة الكاتب وتمكنه من أدواته جيدا، نجد أن علي عبد المنعم لم يكن مهتما برصد مثل هذه اللحظات، وربما يرجع ذلك لتركيزه الشديد على الحكاية أو المغزى الإنساني الذي حشد قصته فى سبيله رغم أنه تناول شخصياته من القشرة الخارجية فقط ولم يكلف نفسه عناء الغوص فى عالمهم الداخلي الدفين.
أما اختياره للعنوان فكان موفقا.
والحق أن الكاتب يمتلك موهبة حقيقية وقدرة على خلق عمل فني متكامل؛ ولهذا عليه أن يقف على تقنيات الكتابة القصصية الآنية، وعليه أيضا محاولة تحديد وجهة نظر خاصة للعالم اليومي، والمعيش منه، وأيضا أن يكون مؤمنا بما يكتب؛ لأن الملاحظة التى ذيل بها القصة تنبئ عن عدم إيمانه الكامل بما يكتب.
وأخيرا أهلا بعلي عبد المنعم فى عالم القصة الجميل المراوغ، وعليه أن يتزود لهذا الطريق بما يتطلبه من زاد.
|