|
لا يدري لِمَ قادته قدماه إلى هناك.. كانت روحه تتوق للسكينة والهدوء، لكنه وجد نفسه يتجه إلى أشد الأماكن ازدحاما خاصة في هذا الموسم: محطة القطارات، كان المكان غارقاً في الزحام والضوضاء ورائحة العرق والسجائر.. أخذ يمشي الهوينى واضعاً كفيه في جيبي معطفه الأنيق.. قفز إلى ذهنه لحن مرح فأخذ يصفر بشفتين مضمومتين.. وأمامه، كانت الجموع تتدافع وتتصايح وتتسابق.. الأقدام الغليظة المتربة تدوس على حذائه اللامع، فلا ينتبه.. حقائب السفر الكبيرة ترتطم بجسده الناحل في سباقها المحموم نحو القطار، فلا يلتفت.. الشحاذون بملابسهم الرثة يمدون أيديهم القذرة في وجهه ويستعطفونه، فيمر هو من بينهم وكأنهم لم يكونوا.
جلس على المقعد المخصص للانتظار، انتبه إلى أنه الوحيد ها هنا الذي لا يحمل حقيبة سفر.. من المؤكد أنه يبدو عجيباً وسط كل هذه الجموع.. للحظات شعر بالحرج، ولكنه سرعان ما طرده رافعاً رأسه، شامخاً بأنفه، قائلاً: الناس! لا ناس!! أنا فقط!"
الناس! قالها شاب صغير بطربوش أحمر على رأسه
نحن نعيش بين الناس، نراهم كل يوم، يقاسموننا أيامنا، ترصدنا أعينهم في الغدو والرواح، الناس هم حياتنا، أنا مجرد جزء من الناس
.. فكيف بالله عليكم تريدونني أن أتناساهم؟!
ندت من فمه ضحكة ساخرة خفيضة وهو يتذكر ذلك الشاب الساذج الذي كأنه.. أخرجه من أفكاره صرير القطار العالي وهو يتوقف في المحطة.. دائماً هو نفس القطار الرمادي المتهالك ذو الخط الأحمر العريض على جانبيه، ودائماً هو نفس مقعد الانتظار القديم بطلائه الأخضر المتساقط.
لم تكن إلا لحظة وتدافع الخلق أجمعين نحو أبواب القطار الضيقة.. أصابه غثيان شديد وهو يتأمل تناطحهم وتدافعهم.. علام يتدافعون؟ علام يتركون أهليهم ودفء أحضان أمهاتهم؟ علام يتحملون رؤية دمع أطفالهم عند الفراق؟ أمن أجل زيادة أموالهم قروشا معدودة أخرى؟ مجرد قروش؟!!.. انقلبت شفته السفلى في اشمئزاز وهو يتأمل القطار.. لن يحملهم ذلك الشيء العفن إلى النعيم بأية حال.
أخذ يتسلى بمتابعة امرأة شديدة البدانة تجاهد كي تتسلق القطار، كانت من فرط بدانتها تعجز حتى عن رفع قدمها إلى مستوى الباب.. وفجأة "هوب"! سقطت المرأة على الأرض في جلبة شديدة! حقًّا كانت السقطة مؤلمة، ولكنه وجد نفسه ينفجر ضاحكاً بصوتٍ عالٍ.. لم يستطع منع نفسه عن الضحك، ولم يرد أن يمنع نفسه عن الضحك.. سقطت المرأة على الأرض.. "هاها".. سقطت كتلة الشحم والدهن على الأرض.. "هو هي هي".. أخذ الناس ينظرون له شذراً وهم يعاونون المرأة على النهوض، لكنه مرة أخرى لم يهتم ولم يتوقف، لم توقفه أيضاً نظرات الكراهية في عيني المرأة.
"حيوان"..
هكذا قالت بصوتها الرفيع وهي تصلح من هندامها، وما زاده هذا إلا ضحكاً على ضحكٍ.. ضحك حتى دمعت عيناه.. ضحك حتى آلمته معدته.. طوح رأسه إلى الوراء وهو يكاد ينفجر من شدة الضحك.. لم يوقفه أي شيء.
"إنت أد الكلمة ده؟!!!" قالها نفس الشاب الصغير. صاحب الطربوش الأحمر وهو ينقض على خصمه بالسباب واللكمات. فقط توقف حين تذكر نفسه شابًّا حار الدماء والشرطة تفض تلاحم الأيدي والأرجل الذي قام بينه وبين أحد المارة لمجرد أنه صرخ في وجهه إنت أعمى؟؟ مش تفتح؟ ".. ماتت الضحكة على شفتيه تدريجيًّا لتخلفها دمعة كبيرة أخذت تتجمع في عينيه.
"هييه.. دنيا " نعم دنيا.. وهي نفس الدنيا التي جعلت هذين المراهقين متشابكي الأيدي يأتيان إلى هنا ويتلفتان حولهما في خوف بين لحظة وأخرى.. فارين؟ نعم لا بد أنهما كذلك.. أخذ في استمتاع خبيث يتخيل ما دار بينهما من حديث حتى اتخذا ذلك القرار الطائش بالهرب:
- "يجب أن نهرب يا تهاني.. يجب أن نهرب إلى حيث سينمو حبنا ويصير شجرة باسقة.. يجب أن نهرب من هذا الجحيم.. يجب يجب!"
"نهرب؟! كيف يا محسن؟ لا.. لا أستطيع"
"لا تخافي يا حبيبتي.. سأكون معك.. لن أتركك أبداً.. سأدبر كل شيء.. ثقي فيّ"
"أنا أثق فيك يا محسن.. ما دمت معي لن أخاف"
وربما احتضن كفيها أيضاً وهو يحاول رسم نظرة الهيام في عينيه كما يفعلها عمر الشريف، وربما حاولت هي أيضاً تسبيل رموشها الصناعية كما تفعلها ماجدة..
الأحمقان! يظنان أن القطار سيحملهما إلى جزيرة منعزلة حيث يعيشان حياةً ورديةً مفعمة بالحب والسعادة.. حياةً بلا أحزان.. كان مثلهما يوماً، يسهر الليل ويعد النجوم ويبكي عند سماع قارئة الفنجان، ويمتلئ قلبه بالشجن والحنين كلما قبل نسيم الليل البارد وجهه.. كم كان أحمق صغيراً حينذاك! كم كان.. سمع تلك الصرخة!! اخترق ببصره الزحام، فرأى رجلين أحدهما يقتاد المراهق العاشق من قفاه والآخر يقتاد صاحبته إلى خارج المحطة.. كان العاشقان يلطمان ويولولان ويقاوم كل منهما قيده فيتلقى لطمة على قفاه أو ركلة على مؤخرته.. ابتسم لمنظرهما في خبثٍ وتشف.. لقد نالا جزاءهما سريعاً!!
لا يتذكر ما الذي حدث بعد ذلك.. كأنه غاب في ملكوتٍ آخر خاص به.. تمر القطارات.. تمضي الساعات.. تتبدل الوجوه من حوله وتتناقص في سرعة.. انتبه فجأة إلى كونه أصبح وحيداً.. لا يزال جالساً على نفس المقعد.. المكان من حوله مظلم إلا من ضوء خافت يأتي من مصباحٍ صغير متسخ من خلفه.. شعر أن الكون قد أصبح صامتاً، موحشاً بشدة.. صامتاً ولا يحوي إلاه.. يمر عليه عامل أو اثنان بين الفينة والفينة يحدقان فيه مدهوشين قبل أن يمضيا في طريقهما.. لكنه لم يشعر بمرورهما.. لم يسمع حتى رنين وقع أقدامهما وسط صمت المحطة.. كان قد غرق في أفكاره الخاصة مرة أخرى.. يتذكر ذلك الإعلان التليفزيوني.. كم بدا له سخيفاً وقتها!! لكنه الآن يراه رقيقاً.. حزيناً.. شفافاً: الفتاة تجلس مثله وحدها في المحطة على مقعد الانتظار وتعطس، ليظهر لها شاب يعطيها منديلاً تمسح به دموعها، ثم يمضيان معاً في طريقهما.. انطلقت من صدره آهة ملتهبة.. تمنى لو عطس.. صرخ.. بكى، لتظهر له جنية تمنحه منديلاً يمسح به ذنوبه وخطاياه.. يمسح بها ظلمات قلبه.. يمسح عن وجهه ندوب الزمن ويكون قبلة جديدة لحياته.
يا مسافر وحدك" الآن تذكر الخلفية الموسيقية للإعلان!
"يا مسافر وحدك.. تر لم لم لم.. يا مسافر وحدك"
وجد نفسه يدندنها بصوت خفيض وعينان شاردتان على القضبان
"يا مسافر وحدك.. تر لم لم لم.. يا مسافر وحدك"
بدا صوته غريباً على أذنيه وهو يخترق ظلام الصمت الجاثم على المكان، ويدوي عالياً -رغم خفوته- في أركان المحطة..
"يا مسافر وحدك، وفايتني، ليه تبعد عني وتسيبني.."
"يا مسافر وحدك.. تر لم لم لم.. يا مسا.. .."
-"سيدي.. لن تمر أية قطارات قبل الساعة السادسة صباحاً.. سنغلق المحطة"
لحظة، حملق في وجه رجل الأمن بعينين ميتتين ثم نهض فجأة وتوجه إلى باب الخروج مولياً ظهره لرجل الأمن دون كلمة واحدة.. تابعه رجل الأمن بعينيه.. كفاه في جيبي معطفه.. يمضي وحده ببطء في الشارع الساكن المبتل البارد.. شبحه يمتزج بالظلام رويداً رويداً إذ يبتعد.. لا تزال الريح تنقل بقايا صوته الخفيض مترنماً:
"يا مسافر وحدك.. تر لم لم لم.. يا مسافر وحدك"
"يا مسافر وحدك.. تر لم لم لم.. يا مسافر وحدك"
النقد والتعليق:-
الناقد والسيناريست عماد مطاوع:
"كان المكان غارقا في الزحام والضوضاء ورائحة العرق والسجائر".. بهذه الجملة وبعد أن نمر على المقدمة المنطقية التي أرادت الكاتبة أن تهيئنا لجو العمل من خلالها، نجد "شيماء البكل" تقدم نفسها بقوة من خلال عمل قصصي متكامل إلى درجة جيدة.
إننا أمام رجل بلغ محطة متقدمة من محطات عمره يعاني الوحدة وربما الاغتراب عن مجتمعه الذي يحيط به، ولقد أوردت الكاتبة في ثنايا العمل ما يجعلنا نستنتج سبب هذه الوحدة، وهذا الاغتراب، ولهذا كانت تقوم بعمل تواز بين الخط الرئيسي للقصة متمثلا في جلوس الرجل على مقعد في محطة قطار، يرقب الناس، وبين استرجاعه لشريط حياته من خلال تفاصيل ما يرى أمامه في محطة القطار، مثل "الناس ! أي ناس!! أنا فقط.. أتناساهم".
لنرى بعد ذلك اندفاعه وتمرده ثم رد فعله بعد أن أدرك أن الناموس المجتمعي لا بد سيلفه ويتحكم في مسار تصرفاته.
إن هذه القصة بداية من عنوانها "المحطة" قصة جيدة، ترصد بها الكاتبة وضع مجتمع كامل أصبح الزحام يشكل تطلعاته وتصرفاته، وهي تختار شخصية ذلك الرجل ليكون الواجهة لما تود قوله، وهنا نجد أنفسنا أمام مشكلة كبيرة فهي- الكاتبة- لم تتعد السابعة عشرة من عمرها بعد، ورغم ذلك نجد هذا الكم من العدمية واللاجدوى يسيطران على عملها، وربما يظهر ذلك في المشهد الذي يعلق فيه الرجل على ما يرى من تدافع الناس نحو القطار.
"أصابه غثيان شديد وهو يتأمل تناطحهم وتدافعهم.. علام يتدافعون؟.. لن يحملهم ذلك الشيء العفن إلى النعيم بأية حال".
لكنها راعت الحالة النفسية لبطل قصتها وتعاملت معه بذكاء شديد، خاصة في صراعه الداخلي بين شبابه الغابر بكل ما كان يحمله من طموحات وقيم ومثل جليلة، وبين ما صدم به في واقع الحياة، وهذا يبدو واضحا في رأيه القاسي في الشاب والفتاة، خاصة حالة الرضى لما آل إليه حالهما.. "لقد نالا جزاءهما سريعا".
والسؤال هنا.. عن أي شيء نالا هذا الجزاء؟ وأقصد هنا المنطلق الفني، وليس المنطلق الأخلاقي، خاصة ونحن لم نتعرف جديا على الأسباب والدوافع التي دفعت بهما لهذا المنحى، وذلك لطبيعة القصة، حيث الجميع يلتقون في محطة للسفر وربما يتبادلون النظرات أو الابتسامات وربما يتطور الأمر للحديث أو الحب من الذي يسمونه "حب المطارات/ المحطات" لسرعة نموه وسرعة ذبوله أيضا.
إننا أمام رجل يحمل كراهية شديدة لكل ما يذكره بشبابه، وربما كان هو نفسه قد فعل مثل ما فعله ذلك الشاب "محسن".
ولقد اختتمت القاصة عملها بخاتمة سينمائية جيدة، استخدمت فيها لغة السيناريو، وكانت الصورة الأخيرة بالغة الروعة، والحق أن هذا النص يؤكد براعة القاصة، وتمكنها لولا التكرار الواضح لنفس المعنى في جمل كثيرة بالعمل.. مثل "ولكنه وجد نفسه.. لم يستطع منع نفسه.. ولم يرد أن يمنع نفسه..".
إن التكرار المستمر وأيضا استخدام بعض الكلمات العامية التي وردت، مثل.. "هوب" ربما يكون بها بعض التزيد من قبل الكاتبة.
لكنني أود أن أسجل قدرتها العالية على رسم الصورة وحساسيتها البادية تجاه المشاهد، وربما كان استخدامها "للتقطيع" في الخاتمة يجعلني أقول إنها تمتلك القدرة على كتابة السيناريو، وربما المسرح أيضا، وعلى القاصة أن تقبض على موهبتها هذه بقوة، وأن تسهر عليها وتنميها، وهذا يتطلب الكثير من الجهد عليها أن تبذله؛ لأنها موهوبة، لا ينقصها سوى التحصيل وعدم التعجل، كما أود لو تطرقت للكتابة فيما تمر به في حياتها ومحيطها، وعدم الاندفاع الدائم نحو العموم من القضايا؛ لأنها كلما ركزت على الخاص واليومي في حياتها كانت كتابتها صادقة وبالتالي كانت قريبة لنفس متلقيها.
|