|
بينما كنت أشق طريق العودة إلى منزلي.. وفي وسط الزحام، أخذت دقات قلبي تتسارع، أتراه هنا.. في وسط هذا الزحام؟! آه محال.. كيف لقلبي أن يحس بوجوده دون أن تقع عيناي على مرآه!! ويحي هاأنذا بدأت أهذي..
ولجت إحدى المكتبات؛ علِّي أروِّح عن نفسي بالاطلاع على جديد ما قيل عن الحب والمحبين.. أي شيء: قصة، رواية، خاطرة، قصيدة.. أي شيء يطفئ تلك النار التي أجَّجَتها ضربات قلبي على أبواب روحي..
وجدت سلْواي في [إحدى] إصدارات عبد الله باجبير الأخيرة، كلمات راقية، هدهدت روحي.. وأرجعتها لمرقدها.. شكرًا باجبير..
شيء ما عاود إيقاظ روحي من تلك الإغفاءة، آه لِمَ؟! ما لبثت أن هدأتها! من أيقظها؟! ولكن.. مهلا.. هو وحده القادر على ذلك! محال أن يعاود الظهور دون أن أراه..
التفت حولي في استجابة عشوائية لمشاعر انتابتني! هل أخطأت عيناي ما أصابه قلبي؟ آه قلبي.. إياك وسلبي ما بقي لي من عقلي! فلتخطئ هذه المرة فقط.. أعدك بأن تكون آخر مرة أرجوك فيها.. لطالما استجبت لرغباتك.. فلتنل رغبتي اليتيمة هذه استحسانك.. ولكن!
"آه نـــدى.. ما زلت تقرئين هذه التفاهات؟" حانت مني التفاتة صوب مصدر الصوت.. إنه صوته.. مشوباً بنبرة السخرية ذاتها التي طالما اعتدت عليها، رباه رحمتك لم عاد؟ ألم [تنهي] السنون صلاحية انتقاداته اللاذعة لِفعالي؟
بقيت عيناي مسمرتان على وجهه بصمت.. دقائق طويلة لم أنبس خلالها ببنت شفة!! بيد أن نحنحته قطعت علي حبل أفكاري وأعادتني لأرض الواقع..
"أعلم أنها مفاجأة.. ولكن أهي سارة أم أنها...؟"، ودون وعي مني قاطعته بابتسامة أرفقتها بحركة اهتزاز طفيفة من رأسي وكأني أنكر عليه أن يتابع جملته إياها.. لوهلة ظننت بأنه لن يدرك ما قصدته بابتسامتي! ولكن ما حدث قد أهالني..، (غسان فياض) بجبروته وقوته.. بخشونته وعناده، امتلك ما يكفي اليوم من الشفافية التي مكنته من قراءة.. ما وراء ابتسامتي..، وعاد لصمته الغامض، لم أقوَ بدوري على كسر حاجز الصمت الذي سَوّرَ به نفسه، في ذات الوقت الذي أخذت به عيناي تلتفتان صوب كل.. وارد وخارج من المكتبة، كنت كمن يلتمس طريقه للفرار.. ولكن مم؟ لم أكــن أعلم.. بل للأسف كنت أعلم!!
لطالما رأيت طيف الحزن يخيم على نظرته كلما وقعت عيناه عليّ، ولكني لم أعرف يوماً السبب! لسانه يتلفظ بسيل من النكات والانتقادات حالما يراني.. ولكنه لم يضحك يومًا على أيٍّ من نكاته؟! لماذا! .."آه عدت للهذيان!".. هذا ما خاطبت به نفسي قبل أن يقطع عليّ خلوتي تلك بــ"سنون طوال.. كيف حالك؟! هل وجدت من تقرئينه في كتبك؟ هل التقيت بفارس أحلامك الوردية.. أم ما زلت تحلقين بلا قيود في دنيا الحرية ؟؟!!"
"آه كيف له أن يسألني عن فارسي وقد وجدته منذ رأيته!".. داعبت روحي المتألمة بهذه الجملة قبل أن أهم بالرد عليه قائلة:
"آه ..! لا ما زلت كما تقول!" إجابتي لم تشفِ غليله كما قرأت في عينيه..، ران صمت قصير قبل أن يقول بهمس استَغْرَبتُه: "لأنه لم يوجد بعد من يستحقك!".
لأول مرة أضحك على إحدى نكاته، أو هكذا ظننتها..
"لم تكن نكتة!! إنها حقيقة" قالها بمرارة.. لم أدرك كنهها!
أدار ظهره لي منصرفاً بعد أن تراءت لي دمعة ترقرقت في عينيه، حاولت أن أستوقفه.. بيد أنه لم يستجب لي، اختفى لدقائق، لم أعلم أين قضاها! كل ما رأيته هو كتاب مغلف يقذفه بيمناه لتتلقاها يسراه في حركة رياضية، ناولني إياه.. ثم أدار ظهره..، حاولت اللحاق به.. ، ولكن ولأول مرة تخذلني قدميّ لأتعثر وأقع أرضاً، سارعت بالنهوض بيد أني استغرقت من الوقت ما يكفي ليغيب عن أنظاري مرة أخرى!
كشفت الغموض عن عنوان الكتاب.. علي أجد به حلاً لما اعتمل في رأسي من أفكار وتساؤلات، وما إن انتزعت غلافه حتى رأيت ما أهالني.."أحبك حب الصمت الراقي، لغسان فياض".. إنه هو.. هو من كتب هذا الكتاب.. أخذت أقلب الكتاب بسرعة كادت تودي بأوراقه، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تهدأ نفسي المضطربة، غادرت المكتبة وتوجهت لشرب فنجان من القهوة لأتصفح هذا الكتاب على مهل، فأنا أحتاج لتصفحه رويدًا.. رويدًا.
توقفت عند الورقة الأولى.. ورقة الإهداء.. فقرأته، وحتى هذه اللحظة لم أدرك من تكون؟ أو حري بي القول بأني أخاف أن تكون...! كان الإهداء:
"كما تداعب قطرات الندى أوراق الشجر، داعبت تلك الــ ندى روحي.. ولكن شتان ما بين قطرات ندى الشجر وندى روحي.. لطالما خلتها طيفاً سرعان ما سيطلق سراحي.. فابتعدت عنها علها ترأف بحالي.. ولكن ازداد حزني.. ولم تطلق هي سراحي..
لم أصدق! استهجنت أسرها لي.. رغم ابتعادي، فوجدت بأنها قد غدت روحي فكيف لي عنها بابتعاد! عذابات شتى.. حتى بدأت أشعر أني ومن دونها أفنى..عدت أدراجي.. عدت لها.. ومن أجل عينيها؟ لا! لم أعد من أجلها.. بل من أجلي..، عدت أهديها [أولى] إصدارات حبي لها..
أحببتك حب الصمت الراقي! فاعذري صمتي حبيبتي.. فقد آثرت البقاء قربك صديقاً، خوفاً من أن ينقصني بوحي بحبي شيئاً من قدري لديك، حتى وإن لم تدركي قدر ذلك الحب.. حتى وإن لم أعنِ لك شيئاً يوماً، لا يهم! فلطالما استحققت أكثر من "غــسان فــياض".. ، حبي.. أهديك قصتي معك! اقرئيها بحرص.. فقلبي ينبض بين جنباتها..
احترامي للجميع.. وعميق حبي لك
عاشق صامت
لم ألحظ تلك الدموع التي بللت الورقة، تساءلت: "ألهذا كان قلبي يدلني على مكانه!.. أَوَ كان يستجيب لنبضات خفية يرسلها قلبه لقلبي! أكان يحس بوجودي هو أيضاً؟ هل أدرك قلبي ما لم أدركه أنا بدوري! هل استطاع أن يفك طلاسم ذلك الصمت! دموعي لا تزال تنساب بلا هوادة.. وحده بمقدوره إيقافها..
يَدٌ امتدت لتربت على كتفي.. إنه هو.. ما زال هنا بقربي كما وعدني.. لن يتركني أعرف ذلك.. كما يعرفه هو تماماً.. أَوَتفارقُ الروح جسدها؟!
النقد والتعليق:
الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع
يظل الإنسان في حاجة ماسة لدفقة مشاعر دافئة وحانية، تساعده على مواصلة رحلته الحياتية في سهولة ويسر، وليس ثمة شعور أهم من شعور الحب الذي يربط بين رجل وامرأة، خاصة إذا كان محاطا بقدر من الاحترام المتبادل ومراعاة الشروط الاجتماعية المحيطة، ولهذا كان للكتابات الرومانسية رواج كبير في المجتمعات ذات الطبيعة المحافظة نوعًا ما والتي تظل المرأة فيها قابعة في خندق التلقي دائمًا، ولا تقدم على الإفصاح عما يعتمل بفؤادها إلا عند بلوغ مرحلة متقدمة من الوجد، يستحيل فيها الصمت، ويصبح لا مناص من البوح.
وهذه الكلمات تُعَد ملخصًا لمجمل قصة "لا يزال ينبض" للقاصة "حليمة محسن" التي تقدم لنا حالة شديدة الشفافية والرهافة، تدور في جو من السمو والترفع، والحق أن البداية الحقيقية من وجهة نظري لهذه القصة منذ قول القاصة: "آه ندى.. ما زلت تقرئين..".
ولقد نسجت الكاتبة قصتها في إطار تقليدي متعارف عليه، إلا أنها أعطت هذا الإطار الكثير من أدواته؛ فجاءت التجربة جيدة إلى درجة معقولة؛ فلقد استخدمت القاصة لغة بسيطة يغلب عليها الجنوح نحو الشعرية، الخافتة كأنها الهمس، كما كان اهتمامها بالانفعالات الداخلية لبطلة القصة وإلقاء الضوء على حالتها النفسية دور كبير في تماس قلوبنا مع هذه القصة، إلا أن الاستعانة ببعض أدوات المسرح في الحوار أفسد ذلك قليلا، كما كان استخدام بعض الكلمات الخطابية غير موفق، وأبرز هذه الكلمات "ويحي، آلم، آه قلبي، رباه رحمتك لم عاد.. إلخ".
وأيضًا اعتماد الكاتبة على الصدفة أوقعها في مأزق شديد؛ حيث تُعَد الصدفة العدو الأكبر للعمل الأدبي الجيد، ويُعَدّ استخدامها من قبل الكاتب سقطة تفسد عليه عمله، كما أن تلك الغلالة المثالية التي لفت العمل جعلتنا نتململ قليلا أمام تفاعلنا وتصديقنا للحالة، والحق أن حليمة محسن تمتلك أدوات القص بشكل واضح، لكن عليها أن تجرب كتابة أشكال أكثر تطورًا وأكثر حداثة، كما يجب عليها الخروج من تلك الدائرة الرومانتيكية في الكتابة، وليس معنى ذلك أن تتوقف عن تناول مثل هذه القضية، لكن عليها أن تلبسها ثوبها الملائم لعصرنا هذا، ويبقى شيء آخر هام للغاية، وهو أن التكثيف من أهم الشروط التي تضمن سلامة بناء العمل القصصي، وهذا ما لم تفعله الكاتبة في هذا العمل، ونرجو أن تراعيه في تجاربها القادمة إن شاء الله..
|