English

 

الخميس. أبريل. 15, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الظل

Image

في ذلك الشارع العريض رأيت لأول مرة ظلي، متطاولا غريب الشكل، فيه منحنيات وبوارز عديدة، يتمايل مثل ريشة معلقة في الهواء، كان الشارع معتما إلا من بصيص نور يأتي من الأعماق البعيدة، وكان صمت غريب يخيم على المكان، في ذلك الوقت القلق تعرفت على ظلي الوحيد المرتعش، حاولت أن أصفف شعره المبعثر، وأن أمسح عن خده قطرة تشبه الدمعة، وعن عينيه شحوبا يشبه الغربة، انتابني إحساس غريب ومثير عندما مرت أناملي على تضاريس الظل المرتجف ولامست شعره الحريري البارد، وعينيه الواسعتين الرطبتين، وبشرته الناعمة المشرعة للنسيم، وشفتيه الطريتين اللتين ابتعدتا واقتربتا على شكل تساؤل طرحته عليه أنا: هل أنت حقا ظلي؟؟

اقتربت منه أكثر فرأيت احتقانا في أوداجه ورقة في أجفانه، واختلاجة رقيقة في زوايا شفتيه، وذبذبة ناعمة في كل مساحة جسده.

كيف كبرت فجأة؟ سألته مذهولا، وأنا أتذكر عمري الذي عشته بظل صغير، صغير إلى حد أنه لم يتجاوز قدمي، كنت أدوس عليه في كل الطرقات، وأستند عليه عندما أصعد السلالم أو أهوي في الحفر. كان كثيرا ما يختفي تحت حذائي، وإذا ما برز قليلا أمامي أو خلفي أو إلى جانبي أركله بقدمي لكنه لا ينفصل عني، ثم إنه لا يلبث أن يذوب مثل تمثال من الثلج، كنت أتجاهله في معظم الأوقات حين أنفرد بنفسي، لكن عندما كنت أذهب إلى غابة الظلال كان ظلي يثير سخطي بضآلته بين الظلال العملاقة لشجر السرو والتين والصنوبر، وشجر التوت الذكري الذي لا يثمر، ومع ذلك فظله كبير وواسع، وعندما أمشي في شارع الظلال العملاقة بين ظلال الشخصيات المرموقة والتي تمشي باتزان مرتدية لباسا أنيقا كان ظلي القزم يمشي مترنحا ومتمايلا وقلقا كأنه يبحث عن شيء مفقود، يتحرك بجوار الحائط أبدا، ويمد من خلف الزوايا دائرة صغيرة من الظل فيها بروزان صغيران، ويراقب ظلال محلات البيع وظلال السيارات وظلال السيدات والرجال يسيرون مثنى مثنى.. كل ظلين يتحدان في بعض أجزائهما.

في ليالي السمر، حيث كان يجلس عدد من الرجال على شكل حلقة يسندون ظهورهم "على" الحائط والنور معلق في وسط السقف، كانت ظلالهم تتطاول على الجدار، كلما تكلم أحدهم تمطط ظله عاليا، واتسعت أبعاده حتى يكاد يرتطم بالسقف وتراه "يشرأب" مزهوا، يغير من وضعه، يتنحنح، يتثاءب وأحيانا يقهقه، لكن ظلي كان صغيرا متدليا فوق صدري لا يتحرك فيه إلا البروزان الصغيران يمينا ويسارا، حتى في أثناء النوم كان ظلي الصغير يتكوم في إحدى زوايا الفراش أو يدفن نفسه تحت الغطاء ويحاول أن يطير وهو نائم.

في كل مرة كنت أمتطي فرسا، وأنا اعتدت ركوب الخيل كان ظلي ينتظرني في المكان حتى أترجل.

عندما أصبحت مدرسا، ووقفت أمام التلاميذ في الفصل رأيت ظلالهم الكبيرة فوق المقاعد تصطف مثل فصيلة من الجنود وتستعد للهجوم على ظلي الوحيد المستسلم فوق الطاولة، وبعد أن أحبوا أسلوبي في التدريس عقدوا مع ظلي معاهدة سلام مؤقتة.

كانت علاقتي مع ظلي عدائية منذ الطفولة، تعرفت عليه لأول مرة وهو يحاول أن يقلدني في كل صغيرة وكبيرة، إذا تشاقيت أو سرقت الحلوى، أو كسرت إحدى أدوات المنزل كان يفعل مثلما أفعل ثم إنه كان عنيدا لا يهرب أو يختبئ إلا إذا فعلت قبله. أغضبني مرة فحاولت أن أضربه بالعصا وعندما لم يؤثر فيه ذلك تبولت عليه، صرت أكبر مع الأيام وظلي يتضاءل، لم أفهم السبب لكنني كلما تذكرته ألقيت عليه اللوم والتبكيت، أزعجني ظلي مرة على مائدة أحد الوجهاء في الدولة عندما تطاول رغم قزامته فوق الطاولة وأخذ يشاركني التهام الدجاجة الساخنة الموضوعة أمامي، فغلى الدم في عروقي ورميته بشوكة الطعام مثلما يرمى السهم لكنها أصابت فخذ الدجاجة، ومرة في إحدى مظاهرات الاحتجاج ضد الحكومة رأيت ظلي يتشامخ بين الظلال التي تهتف بحناجر ملتهبة، وعندما انحنيت لأخلع حذائي وأضربه به قبل أن يوقعني في ورطة، توارى فجأة وكاد الحذاء يصيب ظل أحد زعماء الحزب.

وعندما سافرت إلى بلد آخر لا يعرفني فيه أحد كان ظلي أكبر من المعتاد وكان ينافس الظلال الأخرى في الشوارع والنوادي والامتحانات، وفي كل مكان مقدس كان ظلي يذوب مع الظلال الأخرى في ظل كبير مقدس.

أما في ذلك الشارع العريض المعتم حيث لاح من بعيد نبع من النور الشفاف الهادئ كان ظلي ينبض بسرعة، وأوصاله ترتعد، وتتغير حوله أبعاد الزمان والمكان وكأن فيه مجاعة للحب، لأن ذلك النور العذب الذي اجتاح كياني وقلب أحاسيسي كان وهج الحب الساطع الذي سبق موعدك المقدس، وهذا الظل المرتجف ليس إلا ظلي، حجمه يساوي حجمي وأعضاؤه تشبه أعضائي واختلاجته ليست إلا... رجفة قلبي...


النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع

سيظل الإنسان محملا بفكرة تؤرقه منذ بداية الخليفة، تدور حول حدود وجوده وعلاقته بالأشياء، لكن الشيء الأكثر تعقيدا بالنسبة له، هو علاقته بنفسه، وحدود تلك العلاقة التي تعد معبرا لعلاقته بالعالم.

إن نص "الظل" لكاتبه د. ياسر سبسبي، نص يدور في هذا الفلك متخذا من بعض الحيل القصصية أدوات تعينه على هدفه، أو ربما ليصبغ عليه صبغة القصة، ولقد أطلقت عليه مصطلح "نص" لأنه يتأرجح ما بين القصة القصيرة بدفقاتها ولحظاتها المكثفة، وبين اللوحة القصصية بصورها واسترسالها في الوصف الظاهري سعيا وراء فكرة ما بغية توصيلها. إن هذا النص يقترب على استحياء من عالم "تيار الوعي" بكل ما يمور به من كتاب كبار مثل "فيرجينيا وولف"، و"آلان روب جربيه".

الكاتب هنا تخير الظل ربما لأنه انعكاس للذات لكنه لا يعبر عنها بدقة حيث إنه مجرد ظل، يماثل الإنسان في الشكل/ الحجم فقط، لكنه بعيد عن نبضاته ومشاعره، حيث إنه مصمت أجوف، وكان أمام الكاتب فرص كثيرة لأن يجعل عمله كله محملا بهذا الحس الوجودي الراقي، لكننا فوجئنا به في النهاية يكثف هذا كله كمقدمات لموعد مع حبيبته فيقول: "...لأن ذلك النور العذب الذي اجتاح كياني وقلب أحاسيسي كان وهج الحب الساطع الذي سبق موعدك المقدس".

حقيقة إن المستوى الذي كتب به هذا النص يدلل على مستوى موهبة كاتبه وقدرته على كتابة القصة الجيدة، ولا ينقصه سوى قليل من التركيز والوقوف على تيارات ومدارس الكتابة لأنه بالفعل لديه موهبة كبيرة عليه استثمارها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم