|
لم ير أحدهم الباشا قط، حتى قصره المنيف الذي يروون عنه الأساطير محجوب وراء أشجار باسقة بارتفاع عدة أمتار، ولم يره أحد من أهل البلدة على الإطلاق، لكن الجميع يعرفون أنه موجود، وأن الباشا يقطنه. وعلى الرغم من أن أحدهم لم ير باب السور الضخم ذا القفل الصدئ يفتح أبدًا، إلا أن البعض يزعم أنه يفتح عندما يعود رسول الباشا بعد أداء مهمته، حتى الأطفال لم يحاولوا أبدًا تسلق السور، لا خوفًا من قطع الزجاج الحادة المنتصبة كمخالب قطة ترضع صغارها، ولكن لأن "الباشا لا يرحم المتطفلين أبدًا" كما يلقنهم أهلوهم دائمًا ما تلقنوه بدورهم عن آبائهم، ولأن الباشا لا يرحم، فإنه يجب أن يطاع؛ لذلك لا يجرؤ أحدهم على أن ينبس عندما يطرق رسول الباشا الملثم بابه ويطالبه بهمس كالفحيح بخراج الباشا، كلهم يوقن أن الرسول سيطرق بابه يومًا ما، حتى النسوة لا يقوين على رفع أصواتهن بالعويل مع انصراف رسول الباشا حاملا غنيمته، الفتاة ذاتها تعد نفسها للقاء الباشا ككل فتيات البلدة منذ أن زارهن خراط البنات، ولأن الباشا عادل فهو لا يبعث رسوله لدار مرتين أبدًا.
أما الفتاة فإنها دائمًا ما تعود بعد عدة سنوات لزيارة أهلها زيارة خاطفة، تعود كزهرة في أوج تفتحها، لكن هناك هذا الاربداد دائمًا في وجوه من يعدن، والذي لا تستطيع أكوام المساحيق التي تضعها إخفاءه، ولا تزيد زيارتها المسائية تلك عن بضع دقائق تتبادل فيها بعض كلمات المجاملة مع أهلها بلا روح كأنها تعزي في مصاب لا تعرفه، قبل أن تذهب ثانية بإرادتها هذه المرة للأبد، ويطوي أهلها صفحتها نهائيا بعد ذلك.
من أول من اكتشف أن بوابة القصر مفتوحة على مصراعيها وأنها غير قابلة للإغلاق أصلاً؟ لا يعلمون، كل ما يعرفونه أنهم وجدوا أنفسهم ذات يوم يهرولون تجاه قصر الباشا، قبل أن يتشجع أحدهم ويلج البوابة المفتوحة فيتبعه الجميع، ليجدوا أنفسهم في خلاء شاسع على مرمى البصر ولا أثر فيه للقصر، وعلى الرغم من أنهم لم يعرفوا أبداً أين تذهب بناتهم طوال هذه السنين، إلا أنهم ما زالوا يستجيبون لرسول الباشا عندما يطرق دورهم ليلاً.
النقد والتعليق:
الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع
"لم ير أحدهم الباشا قط" بهذه البداية الحادة والمعبرة عن روح العمل يقدم لنا "حامد محمد حامد" قصة قصيرة، تتوافر فيها العديد من شروط القص، "قصر الباشا" شحنة فنية عالية للغاية؛ فظاهرها يحكي عن بلدة ارتضت لنفسها أن تعيش في حالة رعب وخوف دائمين من شبح يرهبهم بالرغم من أنهم لم يروه أبدا، لكنها نزعة الإنسان الدائمة لأن يجد نفسه دائما أسير قوة أعلى منه، لذلك فقد استخدم الكاتب الرمز لإلقاء الضوء على الكثير من القوى التي تعترض مساره الحياتي، وتتعدد مسارات هذه القوى ما بين السياسي والمجتمعي منها.
وعلى مستوى آخر من مستويات التلقي نرى القصة تتناول إنسان هذا العصر بكل ما يمور به من تقلبات واختلالات في علاقة البشر بعضهم ببعض، وربما أشار العمل إلى قوة ما غاشمة تسيطر على العالم، وتوزع عليه الخوف والإرهاب، لكن هناك تلك الرغبة الدفينة لدى القاص للثورة على كل ما هو قبيح وكل ما يقف ضد إنسانية الإنسان، والنهاية التي اختارها للقصة خير معبر عن التيه الذي يدور فيه هذا الإنسان؛ فرغم أنه اكتشف بنفسه وهنا وضعفا، بل وعدم أثر لذلك الباشا المؤرق لهم دائما؛ فإنهم يستمرون في تقديم كل ما يطلبه رسوله الملثم.
ولا أكاد أجد ما آخذه على القاص سوى العنوان؛ حيث كان مطالبا ببذل بعض الجهد في اختياره، والقصة مكثفة استخدم القاص فيها آلية سرد جيدة، واختار قالبا قصصيا استطاع من خلاله توصيل ما أراده، والحق أن القاص حامد محمد حامد يقدم لنا تجارب قصصية بشكل متتابع تؤكد تمكنه من أدواته وسيطرته على ناصية القص، والحق أيضا أنه يعد مكسبا لنادى المبدعين؛ لذلك نطالبه بمزيد من الجهد وطَرْق الجوانب شديدة الخصوصية، شديدة الالتصاق به، حتى تتفجر ينابيع إبداعه أكثر وأكثر، وأيضا عليه أن يختط لنفسه مشروعا إبداعيا وحياتيا يمكنه من ذلك.
|