English

 

الاثنين. يونيو. 7, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

شوكولا

Image

يحتفظ دوماً ببعض قطع البسكويت تحسبًا لاستقبال زائر ما، تلك المحشوة بالشوكولا المفضلة لديه، فتح العلبة، رفعها إلى مقربة من وجهه رائحة الشوكولا داعبت ذكرياته، أعادته للوراء، كان في الخامسة من عمره حينها، يرافق والدته إلى الدكان المجاور للمنزل، تبتاع أمه دائماً الأشياء الضرورية فقط (سكر، طحين، أرز...)، زاوية في الدكان كانت دوماً ملأى بالأطفال يحيطون بطاولة ازدحمت عليها أشكال وأنواع من الحلوى، كل طفل يحمل قطعتين ربما ثلاثا ويسعى للحصول على الرابعة، لم يطلب يوماً من والدته أن تشتري له شيئاً منها، لم يكن يقترب من الطاولة حتى، يومها اقترب قليلاً، نظر طفل باتجاهه جاء إليه "طعمك مثل الشوكولا" سأله الطفل، لم يجبه، خرجت أمه، تبعها بسرعة فسألها: "ماما طعمي مثل الشوكولا"؟ فأجابته: "لا حبيبي أطيب"، لم يقل شيئاً، منذ ذلك اليوم أصبح يمص إصبعه كل ليلة.

رتب سريره، استعار غطاءً جديداً من زميله ووسادةً أيضاً، وضع زهريةً على الطاولة بجانب قطع البسكويت، نظر إلى الساعة، استلقى على الكنبة، نهض، أخرج صوراً قديمةً من أحد الأدراج عاد واستلقى مرة أخرى، بدأ ينظر إليها واحدةً واحدة، كان يبتسم، كم اشتاق له، هذه الصورة عندما كان في المدرسة وهذه عندما أنهى دراسته الثانوية، هذه عندما تخرج من الجامعة وهذه عندما تزوج، حفيده الأول، الثاني، لم يحضرهم معه العام الماضي، سيحضرهم اليوم، لقد طلب منه في رسالته أن يحضرهم وأكد عليه، طمأنه بأنه سيفعل.

نظر إلى الساعة مرةً أخرى، نهض وقف في الصالة أمام غرفته... "تعال تغذى الغذاء جاهز" قال له صديقه وهو مسرع لغرفة الطعام... "لا يا خيي جاييني ضيوف بتغذى معهم" أجابه: "ما حدا قدك لا تنس تترك لي حصة من إلي بيجيبولك ياه"... "تكرم تكرم ما بدها توصاية"، عاد إلى غرفته، جلس على الكنبة، تذكر أنه ما زال يحتفظ ببعض البرتقال، نادراً ما يأكل هو الفاكهة التي تقدمها له الممرضات، يجمعها، قد يأتون مرةً دون إخباره، لا يريد أن يغادروا دون أن يقدم لهم شيئاً، أخرج تسع برتقالات من كيس، وضعها في سلة قش، وضع السلة على الطاولة بجانب البسكويت والزهرية، جلس على الكنبة، نظر إلى الساعة "شوي وبكونوا بحضني"... فكر، مضى الوقت ببطء لكنه مضى، وأصبحت الساعة الثانية، الثالثة، غفا على الكنبة، استيقظ الساعة السادسة، ماذا حصل لهم؟ شعر بالخوف، لا بد أن شيئاً ما حدث، قام بسرعة، خرج من غرفته، ذهب ليتصل بهم، نسي رقم هاتفهم، عاد إلى غرفته بحث عنه في الأدراج، وجده، نزل مرةً أخرى، لم يكن يريد أن يتصل بنفسه، كان خائفاً من سماع خبر سيئ، طلب من إحدى الممرضات أن تتصل نيابةً عنه، ناولها بيد مرتعشة الرقم، وقف ينتظر الرد، اغرورقت عيناه بالدموع... "شو صار" سألها... "ما حدا بيرد"... أجابته "بترجاك عمو حاولي حاولي كمان"... يتصبب العرق من جبينه، اقتربت ممرضة أخرى منه "صحيح أبو محمود اتصل ابنك قبل يومين حكى ما راح يقدر يجي عندو شغل"... نظر إليها، لم يقل شيئاً، صعد الدرج ببطء، لقيه صديقه "شو صار بالأكل"... سأله، لم يجبه، تابع سيره، وصل إلى الغرفة، أغلق الباب، جلس على الكنبة قليلاً، نهض توجه إلى الطاولة، أعاد البرتقالات إلى الكيس، حمل علبة البسكويت، شمه مرةً أخرى، سقطت دموعه على قطعة محشوة بالشوكولا...


النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع

إن أهم أداة من أدوات القص هي براعة الاستهلال، أي اختيار البداية الجيدة التي تضع المتلقي في بؤرة الحدث، وتكون مفتاحا هاما من مفاتيح النص، وهو ما برعت فيه فاطمة وليد، فمنذ الكلمات الأولى، نجد أنفسنا أمام عالم إنساني زاخر بالمشاعر والمواقف، فهذا الرجل نشعر منذ البداية أنه مختلف، وأن هناك أمرا ما سنكتشفه في حياته، ومن خلال الاسترجاعات (الفلاش باك) التي قامت بها القاصة استطعنا أن نقف على أزمته الوجودية، فهو أب / جد، يقضي أياما في إحدى المستشفيات، ينتظر أولاده القادمين لزيارته، فيعد البسكويت المحشو بالشوكولا التي كان يحبها وهو صغير، ثم يفاجأ بعدم حضورهم وبعد نوبات قلقة عليهم تخبره إحدى الممرضات أن ابنه اتصل تليفونيا، وقال إنه لن يتمكن من الحضور بسبب انشغاله في عمله، يعود الرجل أدراجه حزينا يمنح الشوكولا دمعته.

إن هذا النص زاخر باللحظات القصصية العالية، كما راعت الكاتبة التكثيف بشكل واضح، ولم تنجرف للثرثرة التي لا طائل من ورائها، واستطاعت الكاتبة إدارة شخصياتها بذكاء شديد، واهتمت بالتفاصيل بشكل واضح ومثال على ذلك قولها: "أخرج تسع برتقالات من كيس، وضعها في سلة قش، وضع السلة على الطاولة بجانب البسكويت والزهرية، جلس على الكنبة، نظر إلى الساعة".

وهناك أيضا تلك المقابلة بين حنان هذا الرجل وما يمثله من جيل وسلوك، وبين جحود الأبناء وما يمثلونه من جيل وثقافة وسلوك جامد، فاقد الحس، وأيضا لعصر مرتبك ملغز، فهذا الرجل في جزء "الفلاش باك" أرانا كيف أنه وهو طفل كان يحب الشوكولا وكان يرى أترابه يتسابقون لشرائها، بينما هو لا يطلبها من أمه، ولهذا وبشكل نفسي أعد لأبنائه وأحفاده بسكويت الشوكولا، وكأنما أراد أن يعوضهم عما حرم منه.

ورغم إعجابي الشديد بالعمل الذي يكاد يكون متكاملا، فإن استحضار الكاتبة للكلمات الدارجة وإقحامها على العمل أفسد الجو العام للقصة، التي لم تكن لتتحمل ذلك، ولو أنها جربت حذف هذه الجمل لما اختل البناء، لكننا نحترم رغبتها بالطبع فهي مبدعة العمل.

وهذه القصة تبشر بقلم جاد عليها أن تحافظ عليه، وأن تقوي من أواصر الحميمية معه، ولعل ميلها لكتابة التفاصيل الصغيرة يؤهلها لإنتاج نصوص أكثر جودة، وأكثر تأثيرا، فعليها أن تخلص للقص وأن تطلع على كافة التيارات الأدبية، وأن تقتحم كل سبل الإبداع، وأن تكون أهلا لامتلاك هذه الموهبة وعليها أيضا أن تقترب من عالمها الخاص، والذي يعد عالمنا جميعا؛ لأن الإنسان عندما يكتب ما يعيشه بشكل فني جيد، ساعتها ينتج نصا مؤثرا متماسا مع الجميع.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم