English

 

الخميس. يونيو. 17, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

رجال درجة ثالثة

Image

في عربة قطار الدرجة الثالثة..

وقفت هدى تهتز وتميل على من حولها بصورة عشوائية مضحكة، دعاها رجل يتجاوز الخمسين من عمره لتجلس بجواره وتشاركه جزءا صغيرا من مقعده.

مرت المحطة الأولى بسلام، وقبل الوصول إلى المحطة التالية، لم تشعر هدى باهتزاز القطار، ولكنها بدأت تشعر بحركة بطيئة ليد رجل تحاول أن تتلمسها، هبت بسرعة واقفة هاربة من المقعد إلى الزحام... إلى مكانها الذي كانت تقف فيه.

نظرات ونظرات من رجال ونساء تعاتبها وتؤنبها وتتهمها لأنها تركت الجلوس لتقف بين الزحام مرة أخرى، فرجل واحد أرحم من جيش رجال.

ذهبت إلى عربة أخرى...

ها هو شاب يبدو ناضجًا فعمره يقترب من الخامسة والثلاثين تقريبًا، ووسامته تعني أنه وقور محترم، دعاها بعينيه السوداء البراقة لتأتي بعيدا عن الزحام الذي يتزايد عند الأبواب، ذهبت لتقف بجوار مقعده، مرت محطة ومحطة، تدفق فيها الكلام من لسانه، أعطاها رقم محموله، وحددا موعدا للمقابلة والتحدث غدا، ترك لها المقعد لتستريح.

وصل القطار إلى المحطة التالية، فتحركت السيدة التي تجاورها في المقعد المجاور مستيقظة من نومها، باحثة عن زوجها الذي كان يجلس بجوارها، فتبسمت هدى وهي تكتم دموعها لتجيب على السيدة بأن زوجها ذهب إلى الحمام، فجلست مكانه لأستريح وتعتذر للسيدة.

أسرعت هدى لتترك العربة بأكملها، وتذهب لعربة أخرى.

في المكان المؤدي للعربة التالية وقفت هدي تبكي بشدة وبصوت مرتفع فهنا لا يوجد ركاب، فهذا المكان يؤدي إلى ركاب الدرجة الثانية في القطار ولا يقف أحد الآن.

جاءت المحطة التالية... ليتوقف القطار عن الاهتزاز دقائق، وقتها شعرت هدى بيد تلمس كتفها بصوت رقيق يهمس لها يقول: لا تبكي لا شيء في هذه الدنيا يستحق البكاء.

وأخذها من يدها لتجلس بجواره، استجابت له وأخذت تحكي له ما حدث في العربات الأخرى والمحطات السابقة.

وبعد قليل هدأت، وضحكا الاثنان من سخرية ما حدث، وعندما وصل القطار إلى محطة الوصول.

نزلت هدى ومعها الرجل، حيث قرر أن يوصلها بعربته الفاخرة، تجنبًا للمضايقات والمعاكسات، ركبت هدى العربة، ومر بعض الوقت.

.......

استيقظت هدى فوجدت نفسها في غرفة فاخرة مع هذا الرجل الذي يشرب الخمر والسيجار ويتحدث في الموبايل، دهشت وأخذت تصرخ وتصرخ فيه، وهو جالس في هدوء، لا يرد عليها، وبعد دقائق من ثورتها المستمرة، هب واقفًا وضربها بشدة، انهارت هدى وظلت تبكي وتبكي.

همس لها بصوته العذب الرقيق قائلاً: لا تبكي لا شيء في هذه الدنيا يستحق البكاء.

وأخذها من يدها لتجلس في غرفة أخرى مجاورة له في انتظار رجل آخر، من رجال الدرجة الثالثة.


النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

ترى ماذا سيحدث لو أن كاتبًا أراد أن يضمن نصه كل شيء واستخدم رموزًا عدة ليفجر قضايا كثيرة متشابكة؟

إن النص وحده هو الذي سيدفع الثمن... نعم، فلا يمكن لنص واحد أن يقول كل شيء، ولا يمكن لأي كاتب مهما بلغت عبقريته أو امتلاكه لأدواته أن يقول كل شيء في نص واحد.

وهذا ما حدث في قصة "رجال درجة ثالثة" لقاصتها ناهد جنيدي، فلقد اختارت القاصة قالبًا تقليديًّا، وضعت فيه بطلتها في عدة مواضع لتستطيع من خلالها نقد واقع المرأة في عالم لا ينظر إلا لجسدها فقط، وأيضًا الزحام الشديد بكل سلبياته وثقافته الكارثية، والانخداع بالمظهر، والتعويل عليه كثيرًا والذي غالبًا ما يؤدي للصدمات.

إن البطلة "هدى" تستقل عربة درجة ثالثة بقطار، وتتعرض للكثير من المضايقات، من رجال في مختلف الأعمار، بداية من الرجل الذي تجاوز الخمسين، حتى الشاب في عقده الثالث، وغيرهما الكثيرين، وعندما تترك عربة الدرجة الثالثة -كمعادل موضوعي لشريحة اجتماعية بعينها، تحمل تراثًا ثقافيًّا ونظرة معينة تجاه المرأة/ الأنثى- وتنتقل للدرجة الثانية، بكل رمزيتها أيضًا، تفاجأ أن الأمر لم يختلف كثيرًا؛ إذ تتعرض للخداع على يد أحد الوجهاء بعد أن عرض عليها توصيلها بعربته عندما وصلا لمحطة النزول، ثم غابت عن الوعي لتصحو على مأساتها فتنهار... "وأخذت تصرخ وتصرخ فيه، وهو جالس في هدوء، لا يرد عليها، وبعد دقائق، من ثورتها المستمرة، هبّ واقفًا وضربها بشدة".

وتستكمل المأساة بشكل ميلودرامي، بأن يسلمها هو لرجال آخرين وصفتهم القاصة بأنهم رجال الدرجة الثالثة، دلالة السقوط والتفريط.

ولقد اعتمدت القاصة على السرد كعنصر فاعل في زمن القص، ولم تركز على رسم صورة قصصية أو اصطياد لحظة بعينها، بل تعاملت مع نصها ببعض السطحية، مركزة على المأساة، أو الأزمة -من وجهة نظرها- فهي تتبع المصير -المعد سلفًا- لبطلتها والذي يمكن للقارئ أن يستشعره منذ السطور الأولى.

ويحسب للقاصة قدرتها على بناء شخصياتها بنجاح وعمل حالة نفسية داكنة خيمت على النص متماشية مع جوه العام، كما يحسب لها أيضًا الانتقال الدرامي الجيد في أحداث قصتها، واستخدامها للرمز بنجاح، بداية من القطار كمعادل للحياة، والدرجة الثانية والثالثة، كمعادل لشرائح المجتمع وعناصره.

ومما يؤخذ عليها تكرارها للكثير من المعاني، بل وعدم توفيقها في بناء بعض الجمل الأخرى، وانسياقها وراء كلمات تقريرية، متداولة الاستخدام.

أما عن النهاية، فهي وإن كانت مقبولة في سياق الخط الدرامي للبطلة، إلا أنها -القاصة- مطالبة بالتمرد على الشكل التقليدي، خاصة ومساراتنا الحياتية ذاتها لا تغلق بهذا الشكل "الميلودرامي".

وهذا المستوى من الكتابة يؤكد امتلاك الكاتبة لأدواتها، وأطالبها بالتركيز على الخاص والحميمي في الحياة؛ لأننا عندما نكتب ما نحياه ونتعامل معه تكون الكتابة صادقة، ومن ثَم تجد صداها لدى المتلقي بسهولة ويسر.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم