|
واقفُُ على باب دكاني الوحيد في الشارع الضيق ورأيتُ صبياً يجر عربة فول ويدندن بأغنية شهيرة، كان يتطلع إليّ من أول الشارع حتى اقترب.. لم تكن حالتي التجارية على ما يرام منذ فترة ومع ذلك أكملت معه الأغنية بصوت عالٍ .. وقف بعد محلي بقليل وشرع يدق بجرس أخرجه من العربة وهو ينادي على بضاعته.. لم يأبه به أحد فعاد للدندنة وأنا أرمقه.. لم أتفاعل معه هذه المرة فعاود الدق.
خرج من إحدى الشرفات رجل بملابسه المنزلية ينهر بائع الفول صائحاً:
- كفاك إزعاجاً.. أقلقتَ الحيّ كله.
تطلع إليه الفتى بلا مبالاة وهو يعند بدق الجرس مرة أخرى، بدا الغضب على وجه الرجل فصحتُ ليعلو صوتي على صوت الجرس:
- اتركه يسترزق يا أستاذ.
- اللص أيضاً يسترزق يا أفندي.. المهم أنه يؤذي الآخرين من أجل رزقه هذا، ولتعلم أن هذا حرام بقدر علمك أنه رزق.
- يا أستاذ فليكن قلبك أبيض.
- لو أصبحتْ كل القلوب بيضاء لقصرت أعمار البشر أكثر.. وازداد المرض أكثر.. ولقتلنا بعضنا في لحظة غضب أسرع.
مشى الولد أثناء الحديث الذي بدأتُ أستمتع به مع الرجل قتلاً للفراغ والضيق الذي ينتابني من قلة البيع:
- هل ستصلِح الكون يا أستاذ ؟
- كلا، فأنا في وقت القيلولة الآن.. عن إذنك.
انسحب للداخل بعد أن ألقى نظرة سريعة على مكان البائع الخالي.. ثم عاد وكأنما تذكر شيئاً فقال لي :
- كما أن الكون قد تعدى مرحلة الإصلاح بكثير.
وأسدل وراءه ستار الشرفة.
النقد والتعليق:-
الناقد والسيناريست عماد مطاوع
بداية قصصية مباشرة، استطاع الكاتب أحمد محيي الدين خليل، تصوير موقف حياتي، ربما يراه البعض دوما لكنهم يعبرونه ولا يتوقفون أمام تفاصيله طويلا، لقد تخير الكاتب نموذج البائع المتجول – بائع الفول- الذي يعلن عن بضاعته بشكل معين وهو استخدام الجرس، ذلك الجرس الذي أزعج الرجل فزج به في أوج الأحداث، ومنذ ذلك تحول العمل تماما ليصبح مجرد حوار بين الراوي/ التاجر، وبين الرجل الذي نهر البائع الصغير، كل هذا والبائع لا يتكلم معه، بل يكتفي باستخدام الجرس، أو الدندنة، وهنا دلالة كبيرة على انقطاع خيوط الاتصال بين الرجل الواقف في الشرفة، والبائع في الشارع والتاجر/ الراوي، الذي تمر تجارته بحالة كساد، وانتماءاتهم الطبقية .
ولقد أحالتنا النهاية..."وأسدل وراءه ستار الشرفة" أحالتنا لجو المسرح الذي شاع في العمل، وظهر بقوة، لكن ذلك الحوار كان جدلا لم يستطع الكاتب خلق حالة قصصية ما، إلا بعض الجمل هنا وهناك، كما ينتمي هذا النص للشكل التقليدي للقص، حيث استطاع الكاتب رسم وبناء الشخصيات واتضحت الظروف النفسية والفكرية لكل منهم، والكاتب يمتلك أدواته كما يتضح في القصة، لكنه مطالب بضرورة تطوير هذه الأدوات، والولوج لعوالم إنسانية أخرى، وتركيزه دائما على الحدث/ القص، وعدم الاكتفاء بالحوار؛ لأن القصة حالة مكثفة تحمل بين طياتها عالما بأكمله.
|