|
إن كنت في عجلة من أمرك فالمترو بالتأكيد ليس الوسيلة المثلى لذلك، أما إن كنت تريد الاستمتاع بالوصول بعد طول انتظار وهو شيء لا يعطلك عن قضاء مأربك فلا بأس، المهم أني في هذا اليوم بالذات كنت أريد الاستمتاع بهواية لي محبوبة، وهي أن أرقب الناس من حولي، أنسج حولهم حكايات طريفة -في نظري-، ولم يكن يؤرق متعتي تلك سوى ذاك الاهتزاز الرتيب الذي كان يعبئني بالخمول.
محطتان كاملتان ولم تتغير الوجوه، وجوه في مجملها كئيبة، ثمة امرأة في النصف الثاني من العقد الخامس عمراً، ترتدي زيًّا في مجمله أسود، تسند رأسها على عمود معدني مجاور لها، عيناها ثابتتان ثبوت الموت، تناجي شخصاً ما، لا أراه، هي تراه قد يكون أبا، أخا، أما، أختًا.
لا أعلم... قد يكون بقالاً تحت الدار رفض إعطاءها مشتريات إلا بعد الدفع فورا، لا أدري، وإلى جوارها كانت أخرى ترتدي ذات الزي الأسود، إلا أنها كانت أكثر نحولا، أكثر شحوباً، أقل حزنا، أصغر عمرا، أشرس شكلاً.
بعيدًا عنهما وعني وفي النصف الآخر من العربة كان رجل يرتدي زي رجل أمن لإحدى الشركات، شاب في العشرين من العمر يرتدي نظارة طبية أنيقة، يحمل في يده حقيبة جلدية أنيقة.
ولد على الباب ينادي بصوت عالٍ لكن واهن، كلمات تخرج مخنوقة:
- "جوارب... سعر الجورب جنيه، جنيه للجورب".
في الجوار فتاتان تطالعان مجلة فنية، ولد يرقب واحدة حسبها ساحرة.
- "تعال يا ولد"..
المرأة النحيلة الشرسة ذات الزي الأسود قالتها بطريقة لا تخلو من قسوة:
- "المدرب... المدرب ضعيف الشخصية تماما"..
- "سيدتي..."..
- "سأرى بنفسي...".
- "إنهم يريدون حربًا".
الأصوات كثرت والمترو ازدحم، وأنا أحاول التركيز مع الفتى مترب الوجه، ممزق البنطال، يبيع جوارب رديئة الصناعة.
ويطوف يطوف..
ثم يعود..
ولا شيء..
-"دعني أرى"..
راقبت المرأة الشرسة وهي تفحص الجوارب، ابتسمت في ظرف، وقالت وهي تشير إلى مزق صغير في أحد الجوارب:
-"انظر وتريد مني ألا أفحص... على أي حال سآخذ هذين".
وأنين مكتوم... لسان لا يبوح... يقول ما لا يقول... يتشبث بالضوء يائساً... وظلام يكاد يسود... هل يسود؟
-"خذ خمسة جنيهات أعطني الباقي".
الولد الضعيف الواهن يكاد يسقط من الإعياء، عمره خمسة عشر عامًا على الأرجح... علامات عدم رضا على وجهه..
- "ليس معي سوى جنيهان...".
- "ابحث مع ركاب المترو عن فكة".
- "صدقني نحن في أزمة حقيقية... أزمة اقتصادية... أزمة أخلاقية... أزمة حياة... أزمة موت".
ذهب الولد الواهن أول ما ذهب إلى المحصل العابس قال في احتقار واضح:
- "لا.. ليس معي فكة".
- "لا"..
- "لا فكة معي...".
- "هل معك ربع جنيه".
- "توم كروز... إنه جيد".
سيعود يطوف
ثم يطوف
ثم يعود
كنت أنتظر قدومه، أعلم أني لن ألبي له طلبًا، ولكني كنت لا أود التخلف عن الركب الرافض لإعطائه فكة، وقد كان ثلاث محطات كاملة والولد يبحث.. ويبحث..
ثم يعود
- "لماذا توقف المترو؟"
ابتسمت فهذا شيء أكثر من عادي لمعت عين الفتى...
- "سأسأل محصل العربة الأخرى".
جذبته الشرسة في ذعر وخوف...
- "لا قد تتحرك العربة...!".
ويتحرك المترو..
وينتظر تقرير المصير..
يمسك بالأمل الأخير..
والحلم قد لا يتبخر..
قد لا يطير..
- "سيدي... يمكنك الجلوس".
- "حمادة يلعب... رشا تلعب".
- "تذاكر... تذاكر".
المرأة غير الشرسة تلقى اقتراحًا جديرًا بالاستماع.
- "اهبط معها... بالتأكيد ستجدون فكة".
الولد يقوم بجولة أخرى...
- "تذاكر... تذاكر".
الشرسة تصبح وديعة تتوسل المحصل في استجداء...
- "فكة... ألا تشفق على هذا الولد المسكين، إنها رزق له... إنك تعطله عن رزقه..."..
يخرج المحصل فكة مسمومة، فرح في وجه عابس، الولد في أعماقه يهتف:
- "وغد...".
تناوله السيدة جنيهين.. ألمح في وجهه رقصة مرحة.. يكاد المترو يتوقف.. يقفز
الولد في حماس ورجل على الباب صاعدًا، يتوقف، ينحني، ينتصب، يقول:
- "هل سقط من أحدكم جنيهان...".
أضحك حتى أسعل..
الحلم تبخر.. الحلم طار..
النقد والتعليق:
الناقد والسيناريست / عماد مطاوع:
إن الولوج داخل منظومة العلاقات الإنسانية هو المعين الأساسي لعمل تراكيب إبداعية في مختلف الأجناس الفنية، خاصة في الأعمال القصصية التي تعتمد الخلفية الاجتماعية الإنسانية في بناء لبناتها الأساسية، ولهذا أجدني متحمسا لنص "فكة خمسة جنيهات" للكاتب محمد الشرقاوي، فباستثناء المقدمة السردية -الفرشة- نجد أنفسنا أمام عمل قصصي يعتمد على أدوات سردية مسرحية، فالراوي/ البطل منذ البداية يوجهنا... "إن كنت في عجلة من أمرك فالمترو منذ البداية بالتأكيد ليس الوسيلة المثلى لذلك..."، ويضعنا دائما في مقاعد المشاهدين منذ استقلاله المترو -المترو القديم الذي يسير على سطح الأرض وهذا غير مترو الأنفاق بالطبع- نتابع النماذج البشرية المختلفة التي تملأ العربة، وتدور حوارات عديدة بين الشخصيات المتواجدة، والحق أن هذه الحوارات، رغم عبثيتها، وعدم ترابطها تم كتابتها بشكل جيد، بما يعكس الحالة النفسية لشخوصها، تلك الشخوص التي لم يسبر غورها جيدا، وقدم لنا الراوي مقتطفات سريعة عنها، وذلك في ثنايا الحوار، مستخدما السيناريو المسرحي بين كل مقطع حواري فنجده يكتب...
"ولد على الباب ينادي بصوت عالٍ لكن واهن...".
- المرأة النحيلة الشرسة ذات الزي الأسود قالتها بطريقة لا تخلو من قسوة...
- الأصوات كثرت والمترو ازدحم..."..
وهي لحظات قصصية جيدة، لو ركز عليها القاص لأخرج لنا نصا مكثفا مكتوبا بجودة، لكنه أراد أن ينسج حالة شجنية ما، حول ذلك الولد الصغير، الذي يبيع حاجياته للركاب، ولتلك العلاقة معهم، وأيضا موقف المحصل -غير المبرر تجاهه- ثم الخاتمة الدرامية، بحيث نزل وسقطت منه حصيلة بيعه، والحق أنها حالة إنسانية جيدة، وتشابك لعلاقات عبثية بقدر ما يحدث حولنا من عبث، وهي تنبئ عن كاتب جيد يمتلك حسا دراميا وإنسانيا عاليا، عليه أن يتوقف مع نفسه ليحدد آليات كتابته وإمكانية تطوير أدواته حتى يتخلص من بعض العيوب التي حفل بها نصه، خاصة وهو يقدم نماذج قصصية قصيرة مكثفة ما بين المقاطع الحوارية، وكان يمكن تكثيف هذا النص في شكل نصوص قصصية مكثفة، إذ ما الداعي لقول معلقة كاملة إذا كان قول بيت واحد يؤدي الغرض.
|