English

 

الخميس. أغسطس. 26, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الوجه البريء

علا عطا الله

Image

نظر إلى وجهه في المرآة، زمّ شفتيه، ثم فجأة بصق على الصورة المنعكسة أمامه وأخذ يصرخ بحنق ومرارة: أكرهك أكرهك، لا أريد هذا الوجه ولا هذه الابتسامة، ثم أمسك بقلم ملون وأخذت أصابعه ترسم على المرآة وجهًا بملامح قاسية وشريرة، أخذ نفساً عميقاً وتنهد قائلاً: هذا الوجه الذي أريد آه لماذا يبدو وجهي وكأنه وجه طفل صغير لماذا لا أشبه أبي بملامحه الصارمة القوية، ولما شعر بالتعب يسري في أنحاء جسده رمى بنفسه على الأريكة، وأخذت عيونه تذرف الدموع بغزارة فلقد اكتشف اليوم أن وجهه البريء كان سببًا في وأد أحلامه وبدأ عقله يعيد ذكرى ما حدث معه هذا الصباح، لقد جهز نفسه وارتدى أجمل ثيابه وذهب إلى بيت خاله ليطلب يد ابنته منى كانت الفرحة تملأ قلبه فهو على وشك تحقيق أمنية حياته وهي الارتباط بمن يحب ويهوى، لقد كان واثقاً أن لا شيء يقف في وجهه فلديه شقة فاخرة ووظيفة محترمة، والأهم أن منى تبادله نفس الشعور، ولكن حدث ما لم يكن يتوقعه رفض خاله أن يزوجه منى وجاء صوته حاسماً: سامي أنت شاب ممتاز ولا يعيبك شيء ولكن مشكلتك في هذه الحياة أنك طيب وأنا أريد لابنتي زوجاً يحميها من العواصف والأخطار التي قد تعترض حياتها لا أريد لها زوجاً يبدو، وكأنه طفل يريد الحماية أنا آسف لا يمكنني أن أقبل بك زوجاً لابنتي.

تململ جسد سامي على الأريكة وأصابعه تعصر وجهه وأخذ يحدث نفسه بألم: آه لقد أراد خالي أن يقول لي أنتَ غبي بدلاً من طيب نعم أنا غبي بل مغفل كما قال لي الشرطي الذي وبخني حين ذهبت لأشكو صديقي الذي أنكر أنني أقرضته مبلغاً كبيراً من المال ولم أكن قد كتبت سند دين يثبت ذلك آه أتمنى لو كنت قوياً ظالماً أه.

وفجأة قام ووقف أمام المرآة مرة ثانية وأخذ ينظر إلى وجهه طويلاً وبعد لحظات تنهد قائلاً: غدا سأذهب للطبيب وسأطلب منه أن يجري لي جراحة تجميلية في وجهي وسأطلب وجهاً قاسياً شريراً يتناسب مع ما تريده هذه الحياة! ولكن لو نجح الطبيب في تغيير ملامح وجهي هل سينجح في تغيير قلبي؟؟


النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

ماذا يحدث عندما يجد المرء نفسه مطالبًا بأن يكون مخادعًا ومتنمرًا كي يتمكن من الحياة وسط عالمنا المعاصر؟ بالطبع ستكون هناك رغبة جامحة في مواءمة هذا النسق الوحشي الجامد الذي ظلل منظومة الحياة والعلاقات داخل مجتمعنا المعاصر، حتى صار الفرد المسالم -الذي يراعي الآخرين في تعامله معهم- منبوذًا ومضطهدًا، وينظر إليه كونه ضعيفًا خائر العزيمة، وأصبح ملمحًا أن يكون المرء باطشًا، قاسي القلب.

إن قصة "الوجه البريء" للقاصة علا رباح عاشور تقدم لنا هذه الإشكالية الفنية التي آل إليها حالنا، إنها ترصد لبطل يتصف بالهدوء ويمتلك وجهًا بريئًا مسالمًا في عالم وحشي جامد، والقاصة بذلك تعري المجتمع ونظرته لمن يمتلكون قيمًا إنسانية، أما على مستوى آخر من مستويات التلقي، يمكننا التعامل مع البطل/ الشعب، والحبيبة/ الوطن، وبهذا تتسع رؤيتنا في تناول النص، وستتغير وجهة نظرنا بحيث نجد أنفسنا مطالبين بالتعاطف مع الأب -وما يمثله من رمز بشري- ونطالب البطل/ الشعب، بضرورة التنمر حتى يحرك مياه حياته الراكدة.

ولقد ولجت بنا القاصة داخل عالمها ببداية مكثفة محددة الاتجاه، ولم تنحرف للبدايات السردية الطويلة خاصة والقصة قصيرة للغاية، لا تحتمل ذلك وتتطلب التكثيف ولقد نجحت القاصة في ذلك إلا في مناطق قليلة، حيث أرادت إضفاء جو درامي في عملها، فلجأت لبعض الحوارات المسرحية مثل.. "أكرهك أكرهك لا أريد هذا الوجه".

وأيضًا خاتمة القصة أعاقت تمام وصولها الفني، خاصة أن طبيعة السؤال المباشر السطحي هذا، غير محببة في القص، لا سيما في عمل كهذا، كما أن استخدامها لخاصية الاسترجاع (الفلاش باك)، عندما أراد البطل استرجاع صدمته التي حدثت له، لم يضف لعمل قصير كهذا العمل، ووجدتني أتعامل مع القصة بالبداية ممثلة في السطر الأول فقط، ثم الجزء الذي يلي الفلاش باك، ويحسب للقاصة تلك الدرامية التي كللت عملها، وأيضًا رسمها البارع للشخصيات، وإدارتها الحوار بشكل جيد اعتمد على البساطة والتكثيف، لكنه كان محدد الهدف مناسبًا لتركيبة شخصياته وبنائها النفسي.

والقصة تبشر بقلم قصصي واعد، وتؤكد امتلاك "علا رباح عاشور" ناصية القص، واتساع رؤيتها للعالم من حولها.

وعليها أن تلتفت للشخصي والحميمي في حياتها، حتى تستطيع التعبير عنه بصدق ينعكس على ما تكتب، وبالتالي ينعكس على متلقي هذا الإبداع.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم