English

 

الثلاثاء. يونيو. 19, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » بيئة الصراع

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بعد أحداث غزة ووجود حكومتين

حذارِ من "ريجيم" غزاوي و"انتفاخ" ضفاوي!!

إبراهيم أبو الهيجاء

Image
فتح وحماس لا تزال كلتاهما بحاجة للأخرى

ماذا بعد؟ سؤال سيبقى ماثلا، حمساويا.. وفتحاويا.. وبالتالي فلسطينيا، ومن ثم عربيا وإسلاميا. فانتصار "حماس" في قطاع غزة كان سهلا كما هو متوقع، لكن امتلاك قدرة الحسم العسكري لا تعني بالضرورة القدرة على الحسم السياسي أيضا، وإن كان هذا يصدق على أي قوة فإنه أصدق على حركة مقاومة ما زال أعداؤها يحيطون بها من كل جانب، أما جيرانها العرب فإنهم يخشون انتقال عدواها الإسلامية إليهم.

ماذا "حمساويا"؟

ولذا فإن مشهد غزة الذي اتخذ بشرعية الضرورة واستنفاذ كل الوسائل، رافقه أخطاء الانفعال ومشاعر الثأر وسرعة الحسم، صحيح أن طموح حماس لم يكن إنشاء خلافة إسلامية في قطاع غزة ولا السيطرة على زمام أمرها، ولا الانقلاب على معطيات واقعها السياسي والاجتماعي، لكن إيضاح هذه الرسائل لم يكن كافيا سياسيا وإعلاميا؛ حيث كان يجب أن يمارس الإعلام فلسفة أخرى في تغطية المشاهد فيبتعد عن إثارة المشاعر ويقلل من استعراض مشاهد القوة.

وسياسيا كان يجب أن تكون الاتصالات كافية مع الدول العربية والأوروبية في تقديم الأعذار الكافية، بل كان يجب أن يكون الفرقاء الآخرون في حركة فتح المناكفون لتيارات الإفشال لتجربة "حماس" جزءا من الخطة.

طبعا كل ذلك لا يعني أن ما جرى لحماس في غزة كان محتملا أو هينا، فقد تحملت الحركة الكثير، وقتل العشرات من أبنائها وعلمائها وقادتها وأمام عيون أطفالهم، وكان واضحا أن كل محاولات الحركة السياسية للتقدم في إنجاح تجربتها السياسية يواجه بتآمر بيّن ومنسق مع أعدائها الكثر في الداخل والخارج، بل مصر على إسقاطها مهما بلغت المجازفة بالعلاقات الفلسطينية الداخلية.

ولكن مع كل ذلك كان يجب أن يكون الصبر أوسع وإدارة المعركة مع هذا التيار أكثر هدوءًا وذكاءً، وصحيح أن قيادة "حماس" في غزة كان خطابها متزنا لدى مشاهد السيطرة، بيد أنه لا يجب التقليل من تأثير بعض التصرفات الانفعالية والثأرية التي قللت من فاعلية الخطاب الحمساوي، وأدت لنتائج عكسية في مراحل السيطرة على مقرات الأجهزة الأمنية.

ماذا "فتحاويا"؟

أحداث غزة الدامية يجب أن تشكل هي الأخرى عظة لحركة فتح بحيث لا تسلم قرارها لمجموعات ومراكز قوى نطقت باسمها واتخذت من تاريخها النضالي غطاءً لأفعالها، كما أن الأغلبية "الفتحاوية" الصامتة التي بقيت بعيدة عن أحداث غزة ستبقى ضعيفة إن لم تشكل "لوبي" ضاغطا على أطر حركة فتح في الضفة لاستبعاد بعض المقربين من الرئيس الفلسطيني، والذين كان لهم دور فاعل في استمرار الحصار وإفشال تجربة حكومة الوحدة الوطنية، وصولا إلى لحظة الافتراق وحالة الطوارئ، ولهذا فقوة هؤلاء الفتحاويين مهمة في تعزيز حالة وطنية قاعدتها المقاومة والسلم الأهلي.

في كل الأحوال.. الأحداث في قطاع غزة أكبر من قراءة العقل؛ لأن المشاعر كانت جد ملتهبة في القطاع، ولم تكن السيطرة على فصولها متوفرة باليد وبالشرعية اللازمة، ولكن نظرا لمفصلية الأحداث وتوابعها فمن المهم بقاء استحضارها وتقليب أوراقها في إطار التقييم وقراءة المستقبل؛ حيث تحاول إسرائيل والولايات المتحدة إيجاد فرصتهما في استكمال ما خططتا له من تفتيت للجبهة الفلسطينية وخلق ديمومة للفتنة الفلسطينية؛ فعمدت أمريكا للضغط على الرئيس الفلسطيني ليأخذ خطوات متسارعة وأكثر خطرا من أحداث قطاع غزة، فأعلن حالة الطوارئ متعسفا باستخدام حقه الرئاسي، ثم عمد إلى تجاوز ذات القانون الذي استخدمه في حقه الأول فشكل حكومة فلسطينية طارئة ثم ألغى موادَّ في القانون الأساسي الذي استخدمه؛ في مقدمة لإلغاء بنود ربما تنهي صلاحية التشريعي وتفقد النظام السياسي الفلسطيني أي معنى ويصبح الانقلاب عليه شرعيا والشرعي هو المنقلب.

والدليل على ذلك أن الرئيس الفلسطيني أخرج الجناح العسكري لحماس والقوة التنفيذية عن القانون، ثم أتبع ذلك بإلغاء شرعية بلديات محلية فازت بها حماس، وهو الأمر الذي لم يخطر ببال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يفعله بالرغم من كاريزميته وبالرغم من تعرضه للضغوط لإخراج الحركة من القانون الفلسطيني.. كل ذلك يفسر أن قرارات الرئيس ليست فقط متسرعة، بل هي مؤشر على عجز الأطراف الخارجية الضاغطة عليه عن إبعاد بصماتها عن التمزق الحاصل في المشهد الفلسطيني.

بالعموم خيار تثبيت الانقلاب على الوضعية الفلسطينية السابقة بدعاوى الحالة الطارئة سيواجه بعقبة مصادقة التشريعي على تمديدها بعد الـ"30" يوما، وظني أن الأمور تتجه لتثبيتها بأشكال أخرى غير قانونية، لأن معادلة مصادقة ثلثي البرلمان الفلسطيني على استمرارها مطعون فيه من الآن في ضوء أن أكثر من 40 نائبا جلهم من حماس معتقلين لدى الاحتلال الإسرائيلي، وتجاوز الرئيس الفلسطيني لصلاحياتهم يعد إشكالا أخلاقيا، كما لا يقل تجاوز اتفاق استحقاقات اتفاق مكة وحل حكومة الوحدة عن تجاوز الحالة الوطنية الفلسطينية، حتى لو تحدثنا عن واقع حكومة ما سمي "إنفاذ الطوارئ" التي تعد الفلسطينيين بالرفاهية.

صحيح أن تدفق الأموال بعد هذا الحصار الشديد سيشعر القليل من الناس بانفراج على يد حكومة الطوارئ، ولكن بعد قليل سيسأل الناس عن الحقوق الفلسطينية، وهذا هو أصل القضية؛ فمشكلتنا لم تكن أبدا بجلب وزير فلسطيني يشرف على نزاهتنا ومدى مصداقيتنا المالية، بل الأهم هو البرنامج الوطني الذي يحمله لتحرير الأرض والحفاظ على السلم الأهلي، وكل ذلك كان غائبا في خطاب رئيس حكومة الطوارئ الدكتور "سلام فياض" الذي لا أعتقد أنه يعتبر وضعه نزيها، في ظل رفض بيِّن لحماس صاحبة الأغلبية البرلمانية، وفي ظل حكومة بعيدة عن الإجماع الوطني وعن الشكل الشرعي.. والسؤال سيكون كبيرا بعد أن تنتهي الـ"30" يوما لحالة الطوارئ، هذا إن افترضنا أنها حالة سليمة في إجراءاتها ومبرراتها.

ماذا "إسرائيليا"؟

في أوقات الشد والجذب وجدت إسرائيل لأقدامها موطئا، وبدأت باستخدام أوراقها (القوة العسكرية، والتحكم بالحاجات الإنسانية لقطاع غزة، ومد يدها للتنسيق الأمني، وموافقتها على رفع الحصار وإعادة أموال الضرائب الفلسطينية...).

فإسرائيل اليوم تجد فرصتها الكبيرة، من جهة، تريد استخدام العصا والجزرة مع حكم غزة دون السماح بانهياره كليًّا، حيث ستهدد حماس تارة بالسحق وتارة بالتضييق على متطلبات أهل غزة الإنسانية لكي تثبت للفلسطينيين الثمن الكبير لمراهنتهم على حركة حماس، ومن جهة أخرى، تريد أن تجرّ حماس لحوار حول القضايا "الإنسانية" على أمل توريطها بالحوار السياسي وإغراء بالتجزئة المفروضة بين الضفة وغزة.

لن تقع حماس بهذا الفخ، ولذا سنشهد على مدار الأيام القادمة تأثيرات على الأوضاع الإنسانية في غزة، واعتداءات عسكرية على تخومها ضمن لعبة العصا والجزرة التي ستكون مستمرة، وستكون اللعبة الإعلامية جاهزة في تصوير غزة وكأنها "أفغانستان" جديدة، وسيجري خلال ذلك تخويف المجتمع الدولي من وجود "حماسستان" كـ"قاعدة فلسطينية" تهدد الأمن والسلم العالمي، حتى يتخذ بحقها إجراءات قسرية تجبر قوات عربية وتحديدا مصرية بأشكال دولية على التورط فيها، بحيث تتحمل مصر إشكاليات قطاع غزة الإنسانية، بينما الاحتلال ما زال يسيطر على مقدراتها وأرضها ومائها وسمائها، وبذلك تنهي إسرائيل علاقتها الإشكالية مع قطاع غزة بأيد عربية.

أما في الضفة فستوهم إسرائيل الرئيس الفلسطيني أنها ستعمل على تقوية نفوذه وستخوفه خلال ذلك من تكرار نموذج حماس في غزة؛ ولذا ستخلي له الساحة أمنيا للعمل ضد حماس وستقوم خلال ذلك بإغداق الأموال (الفلسطينية أصلا) على حكومته الجديدة، ولكنها في كل الأحوال لن تثق فيه ولن تعطيه كل شيء، وسيبقى مركز العلاقة معه على أسس أمنية لضرب المقاومة وآليات مالية لحل مشاكل اقتصادية آنية.

ومع ضجيج الخوف الداخلي وإغراء التعسف باستخدام القوة وحالة الطوارئ ومع إلهاء الناس بانتخابات فلسطينية جديدة ستفقد القضايا الفلسطينية المركزية أهميتها؛ حيث ما زال العدوان الإسرائيلي مستمرا على الأرض وفي تهويد القدس واعتقال الآمنين واغتيال المقاومين.

على أن سكوت الشارع والمقاومة الفلسطيني لن يستمر طويلا، وسيضطر الرئيس الفلسطيني لإيضاح خطته السياسية للشعب الفلسطيني وردوده العملية على الاعتداءات الإسرائيلية، وستبقى مراكز الاحتكاك بين الجهتين كبيرة، وستساعد الأحداث الملتهبة في العراق وإيران وسوريا ولبنان على تعزيزها.

وفي كل الأحوال لن تسمح إسرائيل بتقوية السلطة وحركة فتح؛ لأن مشاهد غزة ما زالت عالقة في أذهانها، وهي لا تريد أن تسيطر حماس على هذا السلاح أو أن يوجه إلى صدورها من قبل بعض مقاومي حركة فتح كما حدث في انتفاضة الأقصى، لذا فالإجراءات الإسرائيلية على الصُعُد الأمنية والاقتصادية ستبقى في الحدود الدنيا؛ لأن إسرائيل لا تريد إنعاش الخيار الفلسطيني الواحد والموحد أو القوي، فجل ما تبتغيه إسرائيل من خلال نموذج "الريجيم" الغزاوي ونموذج "الانتفاخ" الضفاوي هو إبقاء الموقف الفلسطيني مرتبكا والقرار مشتتا والجغرافيا مجزأة والحقوق ضائعة.

وفي أقرب حرب ستدور في المنطقة ستعمد إسرائيل إلى توريط الأردن في مشاكل الضفة الغربية على شاكلة غزة؛ لأن إسرائيل لا تؤمن بقدرة حركة فتح على النهوض، ولا تريد بالمقابل لهيمنة حماس أن تتمدد، وبين ذلك الخوف وذاك العجز تسبح إسرائيل في الساحة الفلسطينية تلاعبا ومكرا وتحريضا.

ماذا "عربيا"؟

الموقف العربي الرسمي على ضعف فاعليته كان نسبيا متوازنا، وبرأيي أن عدم انحيازه بشكل متطرف لصالح طرف دون آخر له ما يبرره؛ حيث إنه لا مصلحة عربية في تشتت القرار الفلسطيني وتحمل تبعات ذلك، وقد رأينا الجهود الحثيثة التي يبذلها الوفد الأمني المصري لمنع تطور الاقتتال، وتابعنا من قبل الجهد السعودي في إقرار اتفاق مكة، ولاحظنا الحث الأردني المتكرر على إقامة الدولة الفلسطينية في أقرب وقت.. كل ذلك يؤكد الاستشعار العربي لحجم المشكلة ولمحاولات التوريط الإسرائيلية الهادفة.

لقد فعلت الدول العربية خيرا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ولكن على الدول العربية أن تتوقع الكثير من الضغوط الأمريكية لعرقلة مساعيها، وعليها أن تتماسك وتصر على إعادة اللحمة الفلسطينية إلى مواقعها وبأسرع وقت؛ لأنه بدون التدخل العربي فإن الكل خاسر، وسيبقى الملعب فارغًا للإسرائيلي يملي فيه السيناريوهات، وسيكون عندها المشهد الفلسطيني قريبًا من الفوضى العراقية ويلامس الأزمة اللبنانية المستمرة، وكل هذه الملفات كما نلاحظ تنفجر بوجه الدول العربية القريبة.

وبرأيي، على الدول العربية ألا تخشى تجربة حماس "الإسلامية"؛ لأنها بالأساس حركة وطنية تريد العون مع الجميع وهي تدرك إشكاليات الدول المجاورة وحساسياتها وعلاقاتها؛ لذا حافظت على علاقات متمايزة معها ولم تتدخل بشئونها، وبظني لا تريد حماس إقامة خلافة إسلامية في قطاع غزة، هي تدرك تعقيدات واقعها وتعلم أنها في مرحلة تحرر، ولذا نراها تسعى ما أمكنها لخلق مقاربات مع كل الدول العربية؛ لأن همها إيجاد عوامل ضغط لصالح القضية الفلسطينية ككل وليس لبرنامجها الإسلامي.

ضرورات الاتفاق

مع مرور الوقت -وأتمنى أن يكون ذلك سريعًا- ستكتشف الحركتان، فتح وحماس، أن كلتيهما بحاجة شديدة للأخرى، فكما أن حركة فتح تملك عناصر قوة على صعيد علاقاتها الدولية وتاريخها النضالي، فإن حماس قوة وطنية وشعبية وتنظيمية لا يستهان بها، وقدرتها على توظيف ورقة المقاومة بالغة التأثير على عدوان الاحتلال.

وبالتالي فالمغامرة حمساويا أو فتحاويا سيكون لها تبعات خطيرة على واقع القضية الفلسطينية برمتها، ومحاولات الانفراد بالقرار احتكارًا أو تعسفًا أو تغييبًا، سيبقي المشهد الفلسطيني متأزمًا ومتوترًا، ولن تنجح عندها اليد الأمنية في استئصال أحد، كما لن يستتب الرخاء بينما غزة تتلوى تحت الجوع.. إذن لا يوهمن أحد نفسه ولا يغترن بقوته أو بعلاقاته، فلا أحد يمتلك الحل السحري، والإجابة الشافية على الوضعية الفلسطينية هي أن حماس مضطرة للحديث مع فتح، وفتح مضطرة للحديث مع حماس.. هذا واقع.

بيد أنه يجب أن يؤخذ من أحداث غزة الكثير من العبر، على رأسها إصلاح الأجهزة الأمنية على أسس وطنية، ولاحقا المضي في إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وقبل ذلك احترام الأسس الشرعية الفلسطينية والقانون الأساسي.

ولعل هذا المطلب الأخير بات يتفق معه العديد من قيادات حركة فتح، وإذا ما تردد الرئيس الفلسطيني باتخاذ مثل هذا القرار فإنه سيجد نفسه في مأزق مع حماس؛ لأن دفع الأخيرة نحو ضائقة أمنية -توظيف سيناريو غزة في الضفة- سيؤدي إلى اضطرارها للدفاع عن نفسها أو توجيه غضبها نحو إسرائيل، وعلى الرغم من تركز قوتها في غزة بشكل واضح فإن قوتها الخفية في الضفة هي الأخرى لا يستهان بها، ونتائج الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة تؤكد ذلك.

وبالمقابل، فإن المراهنة على الرخاء الإسرائيلي والتعاون الدولي مع حكومة الطوارئ يفتقد لقراءة سياسية حكيمة جيدة للتاريخ الفلسطيني، فقد كانت السلطة في أوج علاقاتها الحميمة مع إسرائيل، ولكن عندما رفضت القيادة الفلسطينية التوقيع على إملاءات سياسية واجهتها إسرائيل فورا بالحصار والنار والقتل، ولعل رحيل الرئيس ياسر عرفات بشكل مفاجئ ومريب سيبقى مؤشرا على مدى التنكر الإسرائيلي لأي حالة فلسطينية تحاول الممانعة أو التمرد عن الخطوط المرسومة.

إنها مرحلة الانتقال

بالعموم، المأزق الفلسطيني كبير، أسهم فيه الولايات المتحدة وإسرائيل والعجز الأوروبي، والتردد العربي هو المسئول الرئيس عن تفاعل الأحداث إلى هذه الدرجة، إذ كان بالإمكان مد اتفاق مكة بالحياة واستغلال الفرصة التاريخية لدخول حماس معترك السلطة وتطوير علاقات طبيعية معها وتوظيف مقاومتها في مشروع التحرير العام؛ لأنه لا بديل عن ذلك سوى الوهم بأوسلو جديدة تعيد القضية الفلسطينية للحضيض، وهذا لن يمرر فلسطينيا مهما كانت الإغراءات والضغوط.

وبالمقابل، على حماس أن تبذل جهدا مضاعفا في توضيح مقاصدها وترميم علاقتها الداخلية وتبديد المخاوف من قوتها وحكمها لأن الفرصة متاحة؛ فهوامش العلاقات الدولية والمخاوف العربية ما زالت تعمل لبقائها والاعتراف بها كقوة لا يمكن تجاوزها على الرغم من تضييق هذه الهوامش، ولكن في العلاقة مع إسرائيل فالامتحان أصعب.. لا أقصد امتحان الجوع؛ فحكومة حماس (الفلسطينية العاشرة) استطاعت أن تخترق الحصار وتصمد.. ولكن الامتحان السياسي أشد وأنكى، حيث تريد إسرائيل إنجازًا ليس فقط فصل الضفة عن غزة.. بل إنها ترمي إلى هدوء ضد قوتها الاحتلالية بتوقيع حمساوي، أي مبادلة القمح بالهدوء.

إن مراهنة إسرائيل خائبة سواء على فتح -حيث لن تعطيهم شيئا- أو على حماس؛ حيث إن الشهور الماضية قد زادت من خبرتها وقوة عزيمتها، لكن ما ينقصها إدارة هادئة لمعاركها، وخطاب سياسي لمقاومتها، وسعة أكبر في علاقتها الداخلية.

وعلى الرغم من الألم الذي يعتصر قلوبنا، فإن ما يحدث يأتي في إطار التدافع وولادة نظام فلسطيني جديد، وبين موت شرعية أوسلو وولادة الوحدة الوطنية لا يمكننا الادعاء أن نسف أكثر من 10 سنوات بهذه البساطة، والانتخابات التشريعية التي أفرزت هذا التدافع لم يقل أحد إنها ستكون كافية لاستلام وتسليم الشرعية الجديدة وإعلان نعي أوسلو وما ارتبط معها من أزلام وفساد ومصالح مركبة ومتداخلة ومتقاطعة مع الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يريد الخير لا لحركة فتح ولا لحركة حماس.

أخيرا وليس آخِرًا، فإن المراهنات الإسرائيلية فاشلة، والمقاومة الفلسطينية يمكنها إعادة خلط الأوراق، وهذا ما ستدركه الأطراف الفلسطينية آجلا أم عاجلا، وعلى الحريصين على القضية الفلسطينية ألا ييأسوا تجاه معطياتها، لأن ما جرى هو صراع على نموذجين وصراع بين شرعيتين، وهو انتقال من موت إلى حياة جديدة سيرافقها مخاض عسير شئنا أم أبينا، على الرغم من حجم الدم والوجع الذي يعتصر في قلوبنا ويحبس مدامعنا.


كاتب وباحث فلسطيني، مدير مركز القدس للدراسات والبحوث.  

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات