English

 

الثلاثاء. يونيو. 19, 2007

تزكية » قلوب جريحة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية

حينما تتحول حياتنا إلى سوق كبيرة

د. مجدي سعيد

Image

(خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق)، هكذا أخبرنا رسول الله في حديثه الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما[1].. حين يقرأ المسلم هذا الحديث يقفز إلى ذهنه سؤال بديهي، هل الخير والشر هنا يتعلقان بتلك البقاع من جغرافية الأرض، أم أنهما يتعلقان بشيء آخر يقع من البشر وللبشر فوقها؟ وما هو هذا الشيء؟

ماذا يحدث إذا لم تبق الأسواق محصورة في بعض البقاع وتحولت الأرض كلها إلى سوق كبيرة؟ وماذا يحدث إذا تحولت السوق إلى "ديانة" يجري التعبد بها في دماء الناس مجرى العقائد الراسخة؟! ألا يدعونا ذلك الأمر إلى الانتباه، بل والانتفاض من أجل أن نتخلص من رق تلك الديانة، وأن نحرر نفوسنا وحيواتنا خالصة لله؟! في محاولة للإجابة على تلك الأسئلة نتجول في بعض ما كتبه المفكر الفرنسي المسلم "جارودي"[2].  

الأسواق بين القديم والجديد

السوق - كما يقول جارودي - مكان التبادل لكل المجتمعات الممارسة لتقسيم العمل، منذ فجر التاريخ، لكن الفرق بين السوق في صورتيه القديمة والحديثة هو الوسيط الجديد وهو النقود، والتي كانت في البداية أداة قياس لرد المنتجات جميعها والأعمال المختلفة كما وكيفا إلى وحدة قياس واحدة، وأصبحت هذه السوق وسيلة للاتصال والتبادل، لكن القيم والغايات النهائية للحياة كانت تتحدد خارج هذه السوق، فلم تكن السوق منظمة للمجتمع لأن نظام المجتمع كان يحدد عبر التسلسل الاجتماعي وعبر القيم الأخلاقية الواضحة أو الضمنية للأفراد والمجتمعات، وعبر الأديان التي لم تكن السوق محركا لنشأتها أو أصولها.

وقد شكل اقتصاد السوق في مرحلته الأخيرة - التي نعيشها الآن - ديانة سيطرت على كل شيء، تلك الديانة لا تجرؤ على التصريح بأن اسمها "وحدانية السوق"، ولا يحدث أن تتحول السوق إلى ديانة إلا عندما يصبح المحرك الوحيد في العلاقات الاجتماعية، الشخصية أو القومية، والمصدر الوحيد للسلطة والتسلسل الاجتماعي، وأصبحت كل القيم الإنسانية قيما تجارية بما فيها قيم الفكر والفن، بل وقيم الضمير. 

نهاية إنسانية الإنسان

يروج بعض المنظرون الأمريكيون في مختلف أنحاء العالم لما أسماه فوكوياما بـ "نهاية التاريخ" أو ما يمكن أن نسميه بنهاية إنسانية الإنسان، وتجريده من أخص خصوصياته، أي تناسي المشروع الإنساني والاستسلام لحتميات اقتصادية كأنها قوانين طبيعية، إنه هبوط بالإنسان ليعيش في غابة للحيوان، حيث ينهش القوي الضعيف، إن ما يميز "وحدانية السوق" في الواقع هو تلك "الليبرالية الشاملة" وهذا الاحتقار للإنسان حين تجرده هي ذاتها من أبعاده الخصوصية، وهي أن يكون فاعلا ومنفذا لمشروعاته وتطلعاته وإمكاناته الخاصة التي تتجاوز الغرائز الحيوانية والأهداف المادية النفعية الشخصية.

وفي ظل نظام كـ "وحدانية السوق" حيث "كل شيء فيه يباع ويشترى" لا يكون الفساد أو الدعارة شذوذا شخصيا عن قواعد المجتمع، بل يصبحان من القوانين البانية للنظام. كما نجد أن الركيزتين الأساسيتين والأكثر صلابة وقوة في توسع السوق هما المخدرات والسلاح، فالتعاطي المتزايد للمخدرات يعد من أحد توابع "وحدانية السوق".

ومن ثم تصبح المخدرات بخور الكنيسة للديانة الجديدة لوحدانية السوق، حيث يتساوى حجم تجارة المخدرات ماليا مع حجم تجارة السيارات والصلب في الولايات المتحدة، كما يتزايد الاستهلاك يوميا مع افتقاد معنى للحياة وتفشي البطالة والإقصاء، ولأسباب أخرى عديدة، وهكذا فمما له مغزى كبير: أن انتحار المراهقين ترتفع معدلاته في البلدان الأغنى كما في الولايات المتحدة والسويد: ومن ثم ينتحر الشماليون لغياب الغايات، بينما يموت الجنوبيون لنقص الوسائل. 

بخور آخر لوحدانية السوق هو الفساد، فعندما تسمح المعلومة بتكوين ثروة في بضع دقائق لا يمكن جمعها حتى بعد سنوات من العمل الشاق والمتعب أو طوال عمر كامل، فإن إغراء شراء أو بيع هذه المعلومة لا يقاوم. وفي ظل هذا النظام يجني الإنسان من المضاربات أكثر مما يجنيه الاستثمار الجاد في الإنتاج والخدمات.. انتهى كلام جارودي.

أنبياء السوق .. دعاة حمى الاستهلاك

إذا كان جارودي يرى أن السوق قد تحولت في حياتنا إلى ديانة ووحدانية، فإن لكل ديانة أنبياء ودعاة، وأنبياء ديانة السوق الآلات الضخمة للإعلان التي تزين للناس بالليل والنهار، وأينما يولون وجوههم شراء واقتناء للأشياء حتى يصاب الجميع بـ "حمى الاستهلاك"، والمشكلة في الأمر أن المساحة في ظل تلك الحمى تضيق بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات - بتعبير الأصوليين - حتى تختفي لتصبح جميعا وكأنها من الضروريات التي لا يستغني الإنسان عنها، ويصبح شعار الجميع "نعم..كلما اشتهينا اشترينا" وكأنه جواب لسؤال أمير المؤمنين عمر لأحد الصحابة رآه يشتري لحما من السوق.

ومن ثم فإن المحمول - مثلا - الذي أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا يتطور مع الإعلان ليصبح "في يد الجميع" صغيرهم وكبيرهم، ولا يهم ماذا يفعلون به، وليجر من ورائه طابورا من "الاشتغالات" التجارية كتجارة النغمات والرسائل القصيرة وليصبح تغيير موديلاته من لوازم الوجاهة الاجتماعية، وهكذا في كل أمر من الأمور حتى يصبح الاستهلاك نوعا من "السفه" يزين للإنسان أن يستهلك دائما وأبدا بأكثر من إمكاناته وقدراته، بل وحتى بأكثر من احتياجاته، في ظل مغريات مثل التقسيط والجوائز وغيرها من حيل حواة الإعلان، إنه سفه يمارسه الجميع حبا وكرامة، وصدق الله العظيم القائل في كتابه العزيز: "وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا"(النساء/5).

ولا يلبث التكالب على الاستهلاك وتلبسه بلباس الضرورة واشتعال عقول أصحابه بالحمى حتى يحول الأمر بينهم إلى سعار يتنافس الناس في مضماره سعيا وراء مستويات أعلى من الاستهلاك وصولا إلى الأنموذج المثالي، وهو دائما أنموذج "ديناميكي" متحرك دائما إلى الأمام، وفي ظل هذا السعار يتساءل الناس محتارين لماذا صار الزواج - على سبيل المثال - صعب المنال؟! ولماذا نجد أناسا ممن يفتقرون لبعض الضروريات يحرصون على اقتناء التحسينيات؟!

حتى البشر .. يباع ويشترى!

وكما نجد ضحايا لحمى وسعار الاستهلاك نجد "جناة" له، إنهم أولئك الذين يتنافسون ويتصارعون في مضمار آخر وهو مضمار التهام موارد الضحايا وهم في تنافسهم ذلك لا يبالون بقيم وأخلاق تحكم تنافسهم فيما بينهم، فيكسر بعضهم عظام بعض لإخراجهم من المضمار حتى يستأثروا بجيوب الضحايا ومدخراتهم، ولا يبالون إلا بتحقيق الربح مهما كانت "السلعة" ولو كانت البشر أنفسهم، فيتاجرون في اللحم الرخيص إعلاما داعرا أو دعارة، ويتاجرون في عقول الناس فيذهبون بها تخديرا، أو يتاجرون في دين الناس فيزينون لهم إنفاق أموالهم بذخا وترفا وسفها من خلال دغدغة مشاعرهم الدينية.    

كما يتاجرون في تنمية بلادهم ونهضتها فإنهم يحاربون تصنيع بلادهم حتى يظلوا سادرين في ترويج سلعهم المستوردة فهم كما وصفهم أستاذنا الدكتور سيد دسوقي بـ "الثموديين الجدد" عاقري ناقة الإنتاج، أو هم يبيعون ثروات بلادهم ويسمسرون فيها بزعم خصخصتها ومصمصتها و"لصلصتها" غير مبالين إذا بخسوا أثمانها أو شردوا عمالها طالما أنهم لعمولاتهم قابضون، أو يبيعون صحفهم وصفحاتهم ومؤسساتهم الإعلامية لقاء أموال المعلنين خادعين قرائهم موهميهم بأنهم من رجال الإعلام وهم في حقيقتهم رجال إعلان.

وبين الضحايا والجناة أو المستهلكين والتجار نجد أناسا آخرين لم يبالوا بأن يكونوا سلعة تباع وتشترى، وللأسف فإن بعض النساء اللائي أردن تحرير أنفسهن وقعن أسرى تسليع أنفسهن على شاشات الإعلان أو ما يسمى بالفن الرخيص، فأوبقن أنفسهن من حيث أردن تحريرها "كل الناس يغدو فبايع نفسه، فمعتقها أو موبقها"[3].

كما لم يبال بعض الناس، رجالا ونساء، بأن يجعل من ضميره وذمته ودينه "سلعة" أيضا، فلا يبالي في سبيل تحصيل بعض مكاسب الدنيا أن يقول زورا، وكما عبر أحد الكتاب ساخرا[4] : "أي ماسورة ضربت في مجال الوطن فأنتجت أشباه الرجال الذين يرضون بالدنية في دينهم (...) تأمل تلاق الرجل طولا وعرضا وشاربا ببدلة ونظارة ولقب وفخامة وليس بحاجة إلى أن يكون أراجوزا أو طرطورا.. ومع ذلك تجده مخلصا حين يكذب، متحمسا جدا وهو يضلل، منفعلا تماما وهو يزور.

البقاع .. خيرها وشرها معلق بالقلوب

في ظل هذه السوق الكبيرة التي أحاطت بالعالم أجمع، لا نبرئ أنفسنا من الوقوع على الأقل ضحايا لحمى الاستهلاك أو تحولنا في لحظة ما أو موقف ما إلى سلعة، فلم تعد المشكلة إذن في كون الأسواق بضع بقاع من جغرافية الأرض، بل المشكلة أنها صارت تحتل بقاعا في قلوبنا، بل وتتربع فيها، وحينما تصبح قلوبنا مستعبدة في الأسواق وللأسواق، فلا نجاة لها إلا إذا تحررت باللجوء إلى خير بقاع الأرض، والتي ليست هي أيضا بقاعا من جغرافية الأرض فقط، بل هي تلك البقاع التي تتحرر فيها نفوسنا من العبودية لغير الله، ففي المساجد تتعلق القلوب ببارئها، أو هكذا ينبغي .. "ورجل قلبه معلق بالمساجد"، وبتعلقها هناك تنعتق من ربقة العبودية لأي شيء وكل شيء سواه، فالحرية في الله وبالله، ثورة بلا دماء على كل ألوان الاستعباد، وإذا تحررت قلوبنا سهل علينا تحرير حياتنا من أسر "وحدانية السوق".


كاتب ومحرر بشبكة إسلام أون لاين يمكنكم التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة  tazkia@iolteam.com

[1] بضع من حديث ورد في الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، وأخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك (راجع موقع المحدث).
[2]روجيه جارودي، أمريكا طليعة الانحطاط، تعريب عمرو زهيري، تقديم كامل زهيري، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1420هـ، 1999م، الفصل الثاني بعنوان "وحدانية السوق" من صـ 39 إلى صـ 45، اقتباسات بتصرف
[3] بضع من حديث رواه أبو مالك الأشعري، صحيح مسلم، وسنن الترمذي، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان (راجع برنامج المحدث).
[4] طالع مقال إبراهيم عيسى في عاموده اليومي "من أول السطر" بعنوان "طراطير"، الدستور العدد 69-الإصدار الثاني- 17 يونيو 2007، الصفحة الأولى.

 

«

ابحث

بحث متقدم