English

 

الاثنين. يناير. 17, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

التلاشـــي

Image

استيقظت متعبا وملابسي كأنها غسلت بعرق. الجو حارّ، والاستيقاظ في غير الموعد أمرًا مزعجاً رفعت رأسي عن الوسادة بثقل أحرك يدي ببطء شديد محاولاً بذلك النهوض، صوت مزعج يصدر عن فتحة موجودة في النافذة والريح لا يرحم ضعف النافذة وكأن له ثأرا قديما. لا بد أنني لم أنم بما فيه الكفاية فما زلت أشعر بالإرهاق أشمل الغرفة بنظرة خاطفة محاولاً لمح ساعتي القديمة لا أدري آخر مرة أين وضعتها فأنا منذ زمن لم أهتم بالزمن.

إنها فوق مكتبي الذي تغطيه غيوم من الأوراق المبعثرة وكوب من الشاي كنت قد تناولته قبل يومين أنهض إليها بشيء من الفضول هامًّا بذلك معرفة كم ساعة مضت على نومي تفاجئني بأنها متوقفة ألقي بها على الأرض ثم أدوسها بقدمي حركات صغيرة فعلتها جعلتني ألهث أتمتم بنفسي هذا؛ لأنني لم أمارس الرياضة منذ فترة طويلة.

أشعر بضيق وجفاف في حلقي وصدري كأنه صحراء قاحلة، وأضلعي كأن الإسمنت صب بها أفتح باب الغرفة وأتوجه إلى الحمام بخطىً ثقيلة أنظر إلى المرآة أصرخ بقوة: يا إلهي ما الذي أراه؟ أنكب على الماء لأغسل وجهي، أعلل ما رأيت بأنني ما زلت تحت تأثير النوم، ثم أنظر في المرآة: يا إلهي لست تحت تأثير النوم أنا أتقلص، وجهي بات أصغر، وعيني صغيرتان تشبهان عين مولد جديد، وإذني كخاتم معلق بأطراف الشعر. أصرخ بأعلى صوت: ما الذي يحدث؟!

أفتح نافذة المنزل أخمن بأن الوقت ما قبل أذان الفجر بقليل أخرج مسرعا، المدينة بأَسرها صامتة إجلالا لقدسية الظلام، صوت ما سألني: ما الذي أخرجك في مثل هذا الوقت؟ فأجيبه أريد أن أعرف ما الذي يحدث لي قال لي -وتخلل كلامه ضحكة ساخرة-: دائماً تريد من الآخرين تفسيراً للذي يحدث لك ما زلت تعيش في قوقعتك الصغيرة وتتهم الآخرين بضيق الفهم.

أحرك رأسي محاولاً تلاشي هذا الحوار المزعج، وأبدأ بالركض إلى أين سأتجه؟ تتربع صورته في مخيلتي عملاق محفورة في وجهه ابتسامة تتسع بقدر حبه للذي أمامه ترن في أذني عبارته: (سيكون لك شأن عظيم إن أحسنت البداية). تحمل معها صدىً كثيرا أرددها فتطفي عليَ شعورا بالاستئناس، أكمل الركض لكن السماء الغالب عليها اللون الداكن تعيدني إلى شعور الاغتراب.

لا أدري شيئا ما يشدني إلى الماضي يوم كنت أقف أمام مئات من زملائي لألقي عليهم خطاباً ارتجاليا وبكل ثقة، بينما كان يتعثر من يحاول تقليدي. آلام التقلص تمزق ذكرياتي الجميلة وتجعلني أصارح نفسي بما أنا عليه الآن لماذا تفر إلى ماضيك كلما ضقت ذرعاً بحاضرك. استئناسا بذكرياتك؟!

لا تبالغ كثيراً فماضيك هو من صنع حاضرك، وإنها ضريبة يدفعها كل شخص يعطي نفسه أكثر مما هي عليه، لست آبه إن كان كبراً أو طموحاً، لكنه غالباً ما يقود إلى الاندثار.

ها أنا قد اقتربت من المسجد الذي يصلي فيه لا بد أنه سيكون هنا، لكن أحداً من المصلين لم يلمحني أبعثر نظراتي في المسجد فأرى (أبو البراء) "صديق قديم" فأسرع نحوه، وأنكب عليه بحرارة ممزوجة بدمع رقراق، لكنه لم يرني ولم يشعر بوجودي فأمسكه من كتفه لكنه لم يشعر ويسير دون أن يلتفت فأصرخ مندهشاً وأبدأ أتخبط في أنحاء المسجد لا أحد يراني ولا حتى يشعر بوجودي أين أنت؟.

أعيد النظر في أوجه المصلين فلا أراه معهم ثوان تفصلنا عن إقامة الصلاة، ولم يأت بعد. أخرج من المسجد متجهاً نحو بيته تعثرت أكثر من مرة ربما لهشاشة قدمي المقلصة أو هي رغبة في أن أصل بسرعة لا أدري لماذا أهيب إليك في كل روع، وأقصدك دائماً عند كل ضيق.

لم تكن بداية علاقتنا صدفة بل كل منا كان يبحث عن روح الآخر وهو لا يدري؛ ففي لقاء أرواحنا إشباع عميق لجوع قديم اعتادته أرواحنا ولذة عقلية سامية إذا ما طافت في عالم الرمزية لتدغدغ أحاسيسنا وأفكارنا فنتكلم الشعر، ونحن لا نتقنه ونتجنب السجع خوفاً من أن نميل إلى التكلف فتتجرد صورتك البهية فلا أعود قادر على أن أرى سواك.

عتمة المدخل تخرجني من زحم الأفكار المتطايرة لتجعل الدنيا منحصرة في نظري على بابه المقفل الذي لامسه شيء من النور ابتسم ابتسامة صفراء؛ فكون الباب مقفلا وتظلله العتمة أمر مثير للقلق أتقدم بخطواتي المرتجفة أطرق الباب بيدي التي تتأرجح يمنة ويسرة. والخوف والأرق لم يرفقا بحالي فلقد اجتاحا أنحاء جسمي وسريا فيه سريان الدم أكرر قرع الباب بضربة عنيفة متجاهلا أدب الاستئذان، أكرر بضربات متعاقبة كل واحدة أعنف من أختها، ولكن لم تكن ثمة أصوات تسمع أو همهمات للنهوض.

أفكار تتلاطم كأمواج عنيفة وأسئلة تتزاحم كل منها يريد إجابة تقارع الأسنان واللسان من شدتها، وأنا لم أجد إلا أن أكذب على نفسي، وأقول سأجده، أخرج مسرعاً وأنادي في الطرقات، لكن جدران المدينة المرعبة ترد إلي صدى صوتي خائباً، أستمر في الركض لم يبقَ إلا فتات من أمل يحاول أن يتشبث، جاهداً أركض بقوة، وأنا أصارع رغبة عارمة في البكاء، تمرر مخيلتي شريطاً سريعاً للماضي تهب رياح خفيفة والضباب يلف المدينة (إنها حرب سرمدية دائمة كدوام الشمس أزلية بدأت منذ ولادتنا ذواتنا هي حربنا الأولى ليست كأي حرب فلا حسم بها، ولكنها دوام التأرجح بين انتصار واندثار كمية ما نحمل من عنفوان وشموخ هي التي تحدد مدة الانتصار وساعة الاندثار).

بدأت الشمس بالظهور والضباب بدأ يهرب ببطء كلص مبتدئ ويرتفع إلى الأعلى وأنا لم أجد سوى أن أسلم فالضباب حمل ما بقي من حبيبات لصورتي المرئية، وأخذها معه لأرى نفسي أبتعد برفقة الضباب نحو السماء أوجه نظري نحو الأرض، وأصرخ: سأعود، انتظرني سأعود مع أول نزول للمطر، لكن أرجو أن لا يطول الشتاء.


النقد والتعليق:

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

"إنها حرب سرمدية دائمة كدوام الشمس، أزلية بدأت منذ ولادتنا، ذواتنا هي حربنا الأولى ليست كأي حرب فلا حسم بها، ولكنها دوام التأرجح بين انتصار واندثار...".

جاءت هذه الجملة /المفتاح في نهاية العمل الرائع "التلاشي" للقاص طارق خميس الذي أدهشني لبرهة كونُه ما زال في السادسة عشرة من عمره، ويتبنى أفكارًا فلسفية عميقة كهذه، لكن زالت دهشتي تلك عندما علمت أنه فلسطيني من طولكرم، نعم.. فإن الأزمة/ المحنة عادة ما تصنع الرجال الأشداء، وتجعل وجهات نظرهم أكثر نضجًا، وأكثر رهافة في آنٍ واحد.

إن هذه القصة تدور في جو "كافكاوي/ سوداوي" حيث العدمية والتشيُّـؤ؛ فالبطل/ الراوي يقوم من نومه غير مدرك للوقت الذي مر عليه حيث يقول: "منذ زمن لم أهتم بالزمن"، وبعد أن ينظر إلى المرآة يصدم لما طرأ على وجهه وملامحه من تحولات -لعلنا نتذكر بطل "الدودة الهائلة" لـ"فرانز كافكا"- ويبدأ رحلته للبحث عن سبب للتحولات، وأيضًا البحث عن ذاته، كمقدمة لفعل التلاشي الذي توهمنا النهاية أنه أصبح يدور في مداراته، لكن الكاتب لا يلبث أن يغذينا بالأمل عندما يقول: "أبتعد برفقة الضباب نحو السماء، أوجه نظري نحو الأرض وأصرخ: سأعود! انتظرني، سأعود مع أول نزول للمطر، لكن أرجو أن لا يطول الشتاء". وبالطبع ستكون الرغبة في الحياة وحتمية الوجود باعثًا على التشبث بالأمل ومن ثم العودة.

لقد وُفق الكاتب في نسج حالة فنية جيدة، وقام ببناء لحظات قصصية عالية الجودة محكمة البناء، إلا أن استخدامه للجُمل كان يحتاج إلى بعض التروّي والتفكير في كيفية بدايتها ونهايتها، كما يحتاج القاصُّ العزيز أيضًا إلى مزيد من البحث عن ضرورة استخدام العلامات كالنقطة والفاصلة... إلخ وما إلى ذلك، لتساعده على بناء هذه الجمل القصصية.

كما لجأ الكاتب إلى استخدام بعض الجمل الخطابية الزاعقة في تعبيره عن الصدمة التي حدثت له عقب تحولاته تلك مثل: "يا إلهي ما الذي حدث لي؟". ولو أراد الكاتب لاستعاض عن ذلك ببيان رد الفعل بشكل فني لا خطابة فيه، وربما يعود ذلك إلى حداثة عهده بالقص، وأعتقد أنه بالمران والتجربة سوف نكسب قلمًا قصصيًّا جيدًا.. فطارق خميس لديه رؤية إنسانية ناضجة -رغم صغر سنه- كما أن لديه مخيلة فنية خصبة، والأهم من ذلك كله أنه يمتلك أدوات لا بأس بها لكتابة القصة، وعليه أن يقف على كافة أشكال الكتابة وعلى مدارسها المختلفة حتى يستطيع إيجاد خطه المميز، وأن ينفرد بشخصيته المستقلة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم