|
بين بحر النيل الممتد من المدينة حتى قريتي أو بساتين النخيل كان طريقي..
الشمس تميل نحو الغروب باسطة رداء أحمر على المدينة والنخيل وشاطئ النيل أو البحر كما نسميه في بلادنا.. مددت خطواتي لاهثا خلف خيوط النهار، لأصحبها وأستنير، لم تسعفني رجلاي الناحلتان.. فالمسافة لم تزل طويلة.. اقتربت من شاطئ البحر.. وبللت رجلي بالماء وواصلت المسير.
تذكرت جدتي التي كانت تجمعنا نحن الصغار حولها كل مساء.
من البحر يخرج بجسمه الضخم، يعتلي "وابور" البحر.. يسحب البحارة من أعناقهم إلى القاع -المارد- يخرج في أي وقت وفي أي مكان في البحر!
"حسان صياد من القرية التي بجوارنا شاهد خشبة طويلة تلعب بها الأمواج على الشاطئ عند المساء.. سحبها فانتصب شبح أسود امتد إلى السماء.. فسقط مغشيا عليه.
أيضا "أم أحمد" امرأة جميلة لم تكمل عقدها الثالث.. خرجت عند الفجر لتملأ جرة الماء كباقي النسوة، لكن المارد جذبها للماء ولم يُعثر على جثة.
ارتعدت مفاصلي.. انتابني رعب شديد.. تلفت في جميع الجهات فأسرعت مبتعدا عن الشاطئ إلى الطريق الترابية.
مسحت نهر العرق المتدفق من جبهتي وواصلت السير. اقتربت من الجانب الآخر.. حيث أشجار النخيل المثمرة.. مددت الخطوات واسعة –هرولة- تداعيات عديدة طافت بي جدتي مرة أخرى..
بين نخلتين وضعت ولدها وذهبت تبحث عن طعام.. رأته يسير بين النخيل ويحمل سمكا، لامست رجليه وهزت ذيلها وكان مواؤها عاليا.. طاردها، وعندما سقط الحجر الذي رماه بين النخلتين صرخت لقد قتلت ولدي فخر مغشيا عليه.
- اقشعر بدني.. أحسست أن شعر رأسي قد انتصب، وأن رجلي ترتعشان، فهذه الوحدة وهذا الظلام يبعثان على الخوف والرعب.
ابتعدت عدوا عن النخيل وجعلت مسيرتي بين النيل والنخيل.. في الطريق الترابية أحسست بصعوبة في السير في هذا الطريق المرهق إلا أنني حاولت استعادة رباطة جأشي.. فأنا الآن في مأمن من مفاجآت بحر النيل، وبساتين النخيل.
اقتربت من موقع أعرفه جيدا، على اليسار نحو بساتين النخيل، شجرة عتيقة يحيط بها بعض أشجار النخيل على شكل دائرة.. هنا قبة ضريح سيدي الولي الذي أعرفه جيدا. لا يمر عام إلا وأزوره مع جدتي أو مع الجيران عندما أصاب أو أحد إخوتي بأي مرض، تنذر جدتي علي للشفاء وتطوف حول القبة ثلاث أو سبع مرات ثم تمسح جبيني أو موضع الألم بتراب الضريح.. ثم تنثر الحلوى والحمص والفول السوداني حوله.
بدأت تنتظم خطواتي، وهدأ روعي فسيدي الولي يحرسني. إنه يعرفني جيدا فأنا المتمسك بتلابيب الأعلام والبيارق التي تحيط به.. وأنا من نثر تراب الضريح على رأسي وعنقي.. وأنا من صلى عليه كثيرا.. هذه يدي اليمنى تحمل الكتاب الذي وضعه الشيخ والذي يقيم في كوخه الصغير بجوار الضريح تهللت أساريري وانتشيت في مشيتي.
نهيق حمار يقترب.. لا شك أنه يخص الشيخ، ولكنه ما يزال يسير بجوار دون أن يكف عن النهيق.. لا شك أنه جائع مثلي.. قبضت قبضة من العشب القريب من وسط النخيل لأعطيه إياها.. لكن.. الحمار له أذنان كبيران بصوت عال صرخت:
- ما أكبر أذنيك
- ليسا بأكبر من أذنيك
أحسست بسحابة سوداء تجتاحني ثم سقط مغشيا علي. كانت أصوات عالية.. أنغام صاخبة (زار)؟ لا أعرف.. خيزرانة تلهب ظهري لأصرخ وأستغيث وتنفرج الشفاه.. لقد حضروا.. لقد حضروا!
جدتي تدهن ظهري وتسقيني وعود الشفاء. أطوف بمولاي وسيدي الولي كل خميس.. أعانق الشيخ أتبارك به. تمد جدتي يدها ببعض الجنيهات.. يقبض عليها.. فتنصرف.. هرعت بكل قواي نحو الجرافة بعد أن شاهدته يجرف كوخ الشيخ ويرميه بعيدا.. ثم يعود موجها جرافته إلى قبة سيدي الولي.
أمسكت بتلابيبه.. بيده الضخمة القوية أبعد يدي الناحلتين ثم ابتسم!
لقد قبضوا على الشيخ بعد أن وجدوا أطنانا من الحشيش والأفيون يخبئها أسفل قبة الولي.
تصبب مني العرق غزيرا.. نزعت الحجاب من يدي اليمنى رميته أرضا بصقت عليه.. ثم دسته بقدمي.. هذبت شاربي.. بدلت ملابسي.. قصدت مجلسا مع فتيان القرية، ضحكنا كثيرا.. قال أحدهم: وجدوه ممدودا على ضفة النيل وفي عنقه أحجبة ومسابح وقدح، وبعد أن قبروه أصبح مزارا..!
النقد والتعليق
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
سيظل لكل شعب سمته الخاص الذي تحدده عاداته وتقاليده ومخزون التراث الذي يحصده، خاصة أن للميثيولوجيا الشعبية –المعتقدات– مكانا مهما في إبداعات المبدعين على مر العصور.
وهذا ما نجده في قصة "قبة سيد الولي" للقاصة "أحلام أحمد" فنحن أمام راوٍ بطل يقص علينا ما يحدث في قرية ما، وما ينسج من أساطير حول كائنات تحيا في النيل.
وكيف أن هذا البطل/ الراوي، قرر أن يسير في طريق تكثر حوله الأحاديث التي تؤكد وجود كائنات ومردة، تخرج على الناس وتؤذيهم وتختطف بعضهم كما تقول القصة عن الصياد الذي رأى قطعة حشب في المياه، وعندما أمسكها وجدها شبحا أسود، والمرأة التي خرجت عند الفجر لتملأ الجرة فاختطفها المارد ولم تعد، ورغم هذا كله يقرر البطل أن يسير في الطريق، وكأنها رغبة الإنسان الدائمة في سبر أغوار المخاطر والمجهول، ثم يصادف ما كان يخشى منه ويغشى عليه، ولا يفيق إلا على صوت طبول "الزار"، ثم تختتم القصة بخاتمة مفاجأة فنجد أن خادم ضريح الولي يستخدم الضريح في إخفاء المخدرات، ثم تتفجر مفاجأة أخرى أن صاحب الضريح نفسه "سيدي الولي" وجد مطروحا على شاطئ، أو كما تقول.. "وجدوه ممددا على ضفة النيل وفي عنقه أحجبة ومسابح وقدح، وبعد أن قبروه أصبح مزارا"، وكأنها نفس الدائرة بحيث يصنع الإنسان دائما آلهة بيده ثم يقدسها، فما الفارق بين من كانوا يضعون أصناما من حجارة ويقدسونها وبين من يضعون هالات أسطورية حول أشخاص عاديين ويقدسونهم أيضا.
إن هذا النص يعد نقدا اجتماعيا فنيا لظاهرة تعتري المجتمع، وتؤثر في سلوكيات قطاع من أعضاء هذا المجتمع، والقاصة استخدمت بناء تقليديا، وحافظت على إيقاع قصصي جيد، لكن العمل تنقصه "الروح الفنية" التي تجعله ينبض بالحياة، فنحن أمام مجموعة لقطات متتابعة يجمعها جو عام، لكن ثمة شيء ما نفتقده هنا، وهو الحس القصصي الذي يجعلنا في حالة تيقظ دائم، ليس لمجرد التشويق والجو الغريب الذي حاولت القاصة عمله، لكن يجب توافر هذه الروح التي كانت متوارية شيئا ما في هذا النص الذي يبشر بقاصة جيدة لا ينقصها سوى التجريب وتخير اللحظات الخاصة والحميمية للكتابة عنها، والابتعاد قدر المستطاع عن الموضوعات الشمولية التي عادة ما تفسد العمل القصصي.
|