English

 

الثلاثاء. مارس. 8, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

خمسة ريالات

Image

دمعة العين تجري على خد ذلك الصبي الجالس على رصيف المشهد المبارك.. ينتظر من يتكرم عليه بريال أو ريالين على الأكثر..

لعله نسي أن يسألني السؤال المحرج له دومًا.. تحاشيت النظر إليه فقد كرهت تشبث الأطفال على الثياب.. دخلت المسجد وفرغت من صلاتي وزيارتي للمعصوم.. فوجدت أني بحركة لا إرادية أمد يدي إلى جيبي وأخرج خمس ريالات وأعطيها الكاشواني*.. أخذت حذائي وأنا ما زلت أهرب من النظر إلى الصبي الصغير..

انتعلته وانطلقت بسرعة كبيرة.. ما إن ابتعدت حتى حانت مني التفاتة إلى ذلك الكاشواني وهو يعطي الخمس ريالات إلى الصبي.. لم تفارق الصبيَّ تلك البسمةُ، وكذا يديه ارتفعتا إلى السماء ينطق بأدعية لم أسمعها..


النقد والتعليق

تقول لمياء يس~ منسقة نادي المبدعين:

رغم قصر القصة في ظاهرها فإن لها عمقًا وثقلا يجعلان حجمها في ذهن القارئ يتضاعف عشرات المرات بعد قراءتها. ولعل ذلك من أجمل آثار التكثيف إذا أجاد القاص استخدامه بعمله.

ولقد نلمس هذه الإجادة في قصة الأخ "وسيم المحسن" منذ مقدمتها التي تدلف مباشرة إلى المشهد المقصود بالرصد، بل ونرى بؤرة العدسة تركز على الصبي الذي نستطيع أن نسميه هنا "موضوع الصورة"، وترسم بقية المقدمة الجو المحيط بهذا الصبي في سرعة وإجادة بالغيْن مع إضفاء بعض العمق على نفسية الصبي بالإلماح إلى وضعه ودافعه لهذا المجلس.. وتمضي السطور من بعدُ لتنتقل بالعدسة إلى الأطراف الأخرى التي منها البطل الثاني أو الراوي، إذ يتنازع هو والصبي بطولة القصة.. حتى ينتهي المشهد بالصبي مرة أخرى، وهي طريقة من طرق السرد تعتمد على العودة إلى بؤرة المشهد في النهاية لتسلط عليه الضوء بعد طروء التغيير عليه. وهي فنيةٌ جيدة كذلك إن أُحسن توظيفها في القصص والشعر على حدٍ سواء.

وعلى جودة استخدامك للتكثيف فإنه زاد منك في هذه الجملة "حانت مني التفاتة إلى ذلك الكاشواني وهو يعطي الخمس ريالات إلى الصبي".. حتى حادت اللقطة قليلاً ففقدت عنصر المفاجأة الذي أردتَ أن تختم به قصتك، ولعلك بذائقتك الأدبية تعلم أن الكلمة الواحدة، بل وربما الحرف قد يؤثر في معنى ومبنى وجمال النص. وسأشرح لك كيف زاد التكثيف منك حتى حجب بعض إحساس المفاجأة عن القارئ.

فالجملة "وهو يعطي.." حاليـّّة، أي تدل على أن الراوي/البطل نظر إلى الكاشواني وهو في هذه الحال.. وكأن البطل يعلم مُسبقًا أنه سيجد الكاشواني في هذا المشهد، فلهذا لم تصل المفاجأة إلى القارئ. أما لو كانت الجملة من نحو ".. حتى حانت مني التفاتة إلى ذلك الكاشواني لأجده يعطي.. أو فوجدته يعطي.." لكانت المفاجأة التي أرادها القاص لتحدث بها مفارقة النهاية.

نأتي إلى لغة القصة، وهي سهلة متسقة مع موضوع وسياق المشهد، وحجم القصة. ولقد أضفى اللفظ المحلّي الذي استخدمته بالقصة "الكاشواني" جوًا محببًا يسهم في استحضار الصورة بجوانب مكتملة في ذهن القارئ، رغم أن هناك من ينادي بإبدال الفصحى بالعامية في الأعمال الأدبية جميعًا لكي تكتسب العالمية، إلا أنه يبقى للصور المحلية من مختلف البيئات العربية مذاق خاص يماثل مذاق الصور السياحية التي ترصد مظاهر مختلفة من شتى بقاع العالم!.

 لكن آسفني أن أرى بعض الهنات التي ربما تفسد على البعض متعته بالعمل. وهي هنات قليلة سأحصرها لك:

"تشبث الأطفال على الثياب".. الفعل "تشبث" يتعدى بالباء وليس بـ"على"، فكان الصواب "بالثياب".

"وأخرجُ خمس ريالات".. مع أنك وافقت قاعدة العدد والمعدود في عنوان القصة إلا أنك خالفتها هنا، فالصوابُ "خمسة ريالات" لأن العدد يخالف مفرد المعدود في التذكير والتأنيث من الثلاثة إلى التسعة، ولما كان الريال مذكرًا فوجب أن يؤنث العدد المسند إليه لا أن يُذكّر.

"يعطي الخمس ريالات إلى الصبي".. إضافة إلى قاعدة تذكير وتأنيث العدد السابقة، ففي هذه الجملة مسألتان:

- أولاهما أن "أل" التعريف لا تدخل على العدد دون المعدود، ولكنها يمكن أن تدخل على المعدود، كما يمكنها أن تدخل على كليهما وعندئذٍ يُقدم المعدود على العدد. وعلى هذا فالصواب في جملتك: إما "يعطي خمسة الريالات.." وإما "يعطي الريالات الخمسة".

- والأخرى أن الفعل "أعطى" لا يتعدى بـ"إلى"، وإنما يتعدى بنفسه دون وساطة من حروف، وينصب مفعولين، فتقول "يعطي خمسةَ الريالاتِ الصبيَّ.." والأفصح بالطبع تقديم المُعطَى العاقل على ما سواه، فتصبح الجملة الصائبة: "يعطي الصبيَّ خمسة الريالات/ الريالات الخمسة".

ختامًا.. أعود فأؤكد أن القصة ذات مستوى يفوق الجيد، سيرفعه إلى التميز والحرفية إن شاء الله مزيدٌ من التنقيح للعمل بعد الكتابة، وقليل من العناية بقواعد النحو واللغة حتى تحوز كتاباتك الإعجاب والتميز في جميع الجوانب. وإنا لنرجو لك التوفيق.


* الكاشواني هو الرجل الذي يحتفظ بالأحذية خارج باب المسجد (في بعض لهجات الخليج).

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم