|
أقبع هنا بعد أن انفضّ الجميع، تقتلني الوحدة، كان للمنصب هيبته وسلطانه، أجوب أنحاء المدينة المترامية، أعود بعد إنهاك الجسد؛ لأستطيع النوم بهدوء.
صحوت على حركة غير عادية؛ فوجئت به جالسًا على حافة الفراش، ظهره لي كعادته، متأكد أنا من إغلاق باب الشقة من الداخل بالترباس، ثيابه الداكنة والظلام السائد يخفيان شرًّا مستطيرًا، لولا الشعاع الساقط من شيش الشباك لما تبينت وجوده.
- ألم يكفك مطاردتك لي في كل مكان؟ ماذا تريد منى؟
ظل صامتا كدأبه، كم تلصص واتبع خطواتي، خلفي دائما، أحسست مرة بدبيب خطواته، الصوت يعلو يصيبني بالتوتر بل بالجنون، توقفت لمواجهته، توقف واستدار أعطاني ظهره، شعر بخطواتي نحوه ففر هاربًا، بكل غيظي جريت خلفه، دفع بابًا ودلف، قاعة فسيحة مزدحمة بالناس، ثلاثة طوابير تنتهي بنوافذ عليها لافتات بأسماء مدن ساحلية، صفوف من مقاعد المنتظرين لمواعيد قيام الحافلات. ظللت أتفرس في الوجوه، كيف أتعرف عليه؟ لم يسبق لي رؤية ملامحه، التقطيب يملأ أغلب الوجوه، لا أعتقد أن من بين تلك الوجوه المكدودة من يستمرئ ملاحقة الآخرين، أمام نافذة الاستعلامات وقف هناك وحيدًا.. نفس الظهر بثيابه الداكنة، تقدمت نحوه بتؤدة وعلى وجهي ابتسامة ظافرة، ربتُ على كتفه، استدار بهدوء، اندهاش على وجه يحمل شبه ابتسامة غامضة:
- تأمرني بأي خدمة؟
بُهتُ من لهجته الهادئة الواثقة، تراجعت للخلف، تبخرت ابتسامتي، لم يتبق على وجهي إلا تعبيرات آسفة.
- اعتذر حسبتك شخصًا أعرفه
تقلب بصري في المكان، ذاب وسط الزحام.
ترك حافة الفِراش، أخذ يذرع الغرفة، صوت حذائه يدق الأرضية
- من أنت؟
- ليس من مصلحتك أن تعرف
الصوت ليس غريبًا، ربما سمعته عبر الهاتف أو من خلال تسجيلات.. واصل حركته الدائبة في الغرفة، سقط شعاع الضوء المتسلل من الشباك على وجهه، فزعت بشدة، وجهه يحمل ملامحي، لكنه اكتسب بشاعة لم أعهدها في كل المرايا التي مررت بها!
الكنز
تداهمني الرؤى مسربلة بضباب كثيف، تجيء على استحياء ثم تذهب، هذه المرة ظلت تراوغ إلى أن تمكنت، تفرض نفسها بلا هوادة، تلح برغبات عارمة، تدفعني في اتجاهها بوحشية، تطلب المزيد، تحصل عليه عنوة، لا تحيد عن طريقها، تقتفي أثر الشوارد، تضخمها، تحولها لوحوش مرعبة تنهش كل شيء، ضج الجميع، قدراتهم على الاحتمال بدأت تنفد، تختلط الحواس وتتشظى، تتبعثر المشاهد والأصوات والروائح، لا أستطيع لملمتها، أسمع الروائح وأرى الأصوات وأشم شذا الضوء والظلال، بدأت أُدفع لارتياد عوالم غريبة، يردد الهاتف فيها نداءه الغامض، في واحات الصحراء ترك الأجداد سرهم، خشوا عليه من أنواء الوادي، ظل نقيا دون دنس، أسعى إليه بلا إبطاء، طهر ثيابك في نبع الضياء، لن تتفجر عيون العطاء إلا إذا صفت نفسك، واقتربت من أسرار خروج الوجود من رحم العدم بقوة كن فيكون
حاولت مقاومة هذا النداء، أصر على تأكيد نفسه، تحول إلى وساوس قهرية شديدة الوطأة، لم أجد مفرا إلا تلبيته، صارحت أهلي بما انتويت، عارضوا بشدة قالوا:
- انقطعت أسباب اتصالنا بتراث الأجداد، لماذا تذكرهم الآن، بادوا ونضبت ينابيع عطائهم، لن تجد هناك إلا الجفاف والعطش والموت، لم توهن معارضتهم عزيمتي، في الخفاء رحت أعد العدة إلى أن أُمرت بالرحيل، تسللت متوشحا بجنح الظلام، حملت راحلتي بالزاد، قرب مياه وأطعمة مقددة، بعد سبع ليال بدت أولى الواحات، جفت آبارها فأقفرت، لا تسمع فيها حتى نعيق الغربان، انقبضت نفسي من هول صمتها، غادرتها زائغ النظرات، كثبان الرمال غطت معالم الطريق، رحت أتحسس طريق الواحة الكبيرة، ثلاثة أيام في التيه أتت على ما تبقى من زاد، في أصيل اليوم الرابع ظهرت أسراب الطير متجهة لأوكارها، أمضيت ليلتي وأنياب الجوع والظمأ تمزق أحشائي، عجبت لقوة احتمال الراحلة، مع تباشير الصباح بدت الواحة، صروح الأجداد قائمة، تتحدى عوادي الزمن،على وجهها تجاعيد غائرة رسمتها رياح الصحراء المحملة بالرمال المسننة، تعرف الراحلة طريقها، في أدنى منخفض بالواحة توقفت، شاركتها في التهام النباتات الخشنة، التهبت قروح فمي، امتلأ جوفي فانبطحت في ظل جدار نخر، خدر يدغدغ حواسي، بين الصحو والمنام يصلني حوار غريب:
- اقتربت الشمس من الغروب، لم يعد في حاجة لظلنا.
- ننتظر قليلاً.
- أخشى أن يرانا.
- آجلاً أو عاجلاً سيرانا.
تململت قليلاً ففر المتحدثان، تتبعتهما، لم أعثر على أي أثر، تسربا مثل شربة ماء في تلك البيداء العطشى، خلت الواحة من البشر فأصبحت مرتعا للشياطين، رحت أجوس خلال الأطلال، عثرت على بضع نخلات، على مقربة منها بئر غار ماؤها، تسلقت إحدى النخلات، ملأت جوفي وجيوبي بالرطب، على البعد بدت الناقة تتقوت على الكلأ، انتزعت كَمًّا من الألياف، فتلت منه حبلا طويلاً، رتقت ثقوب الدلو القديم، نهلت من الماء إلى أن ارتويت، تمددت على الرمال الناعمة فغفوت، انتبهت على أصوات ليست مألوفة، كلام مفهوم لكن له طبيعة خاصة، كأن أفواه المتكلمين لا تحصل على كفايتها من الطعام، فتأخذ من حواف الحروف فتبدو متآكلة، حاولت تبين شخوص الحوار دون أن يشعروا، أزحت الجفون قليلا، واجهت مفاجأة غريبة، ربما مازلت نائما أو أحلام يقظة سمجة، لم يكن المتكلمون إلا مجموعة من الجحوش الفتية، فرت حين هممت بالنهوض، رحت أتتبع خطاها، دخلت دغلا من النباتات الغريبة، فوجئت بتجمع كبير من الحمير، الكل صامت بشكل يدعو للريبة، تقدمت نحو مكان مرتفع، يقف عليه بضعة حمير، بينهم حمار كبير تبدو عليه سمات النجابة، صاح بصوت جهير:
- مرحبا بك في واحة الراحة، واحة أجدادك الأقدمين.
حرت فلم يفتح الله علي بكلمة، لاحظ حيرتي وارتباكي فاستأنف حديثه
- لا تعجب للصورة التي نحن عليها، نحن ننتمي لنفس قبيلتك لكن للقدر تصاريف
لم أستطع كبح جماح نفسي فصحت:
- كيف؟
- لا تستعجل الأمور، ستعرف كل شيء في حينه
انصرفت مهموما، كيف أنتمي أنا والحمير لقبيلة واحدة أي فصيلة واحدة، ربما غدا أكتشف أقرباء لي من الخيول والبغال، والفصائل الأخرى من الحيوانات ذات الظلف الواحد
في الصباح استيقظت على حوارات الجحوش الصغار، لم يفروا هذه المرة، صاح أحدهم:
- نعرف لماذا جئت للواحة؟
- تفضل أيها الجحش الصغير.
- في لهجتك شيء من السخرية، وهذا لا أقبله.
- ليس هناك سخرية، كل ما في الأمر أنني لا أعرف اسمك حتى أناديك به
- اسمي سالم، ألم يقل الزعيم إننا بشر مثلكم ولنا نفس التقاليد بل اكتسبنا فضائل تفوق فضائل الذين ظلوا على صورة البشر.
- تفضل يا سيد سالم
- جئت تبحث عن الكنـز
- هل في الواحة كنـز؟!
صاح أحد الجحوش الآخرين:
- تجاوزت الحدود يا سالم، ربما ينالك عقاب الزعيم
صمت سالم متوجسا، توجهت لدغل الزعيم، سألته:
- دُفعت لحافة الجنون لأرضخ للقيام بهذه الرحلة الغريبة.
- قلت لك لا تستعجل الأمور، دائما تبدؤون الأعمال بهمة هائلة، تستعجلون النتائج، فإذا تأخرت قليلا تسربت همتكم، وانصرفتم عنها، ليس لكم صبر الحمير.
- لم أفهم!
- أتتهمون الحمير بالغباء وعدم الفهم؟
صمت على مضض، راح يسرد ما غمض عليَّ: منذ آلاف السنين كانت الواحة تعج بالبشر لوفرة المياه واتساع زراعاتها التي كانت تفيض عن حاجة سكانها فتتدفق غلاتها لأقاصي المعمورة، لكن حدثا جللا ضرب هذه الجنة منذ ألف عام، هزات أرضية عنيفة، بدأت بعدها مياه الواحة في النضوب هجرها السكان للوادي، بقي بضع مئات من أجدادنا، اكتشف بعضهم مصادر للمياه فاحتكروها، ساموا بقية السكان سوء العذاب، انتشرت المفاسد، من أجل شربة ماء لطفلها تفرط الأم في شرفها، مر على الواحة رجل صالح فلم يسقه أحد، فدعا على أهلها بأن يصيروا على صورة تصلح فيها أحوالهم، بعدها بدأت تظهر التحولات الجسدية على الناس، بعد أربعين ليلة صاروا حميرا، لم يرضوا عن صورتهم الجديدة، انتظروا مئات السنين قدوم من يخلصهم مما هم فيه، خلال هذه الفترة تبدلت أخلاقهم، اكتسبوا فضائل الحمير، صبرها وعملها الدؤوب الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، أصبح لديهم كنوز معرفية هائلة تحفظها ذاكرة الحمير الهائلة.
ختم حديثه بقوله:
- لم نعد في حاجة للعودة لهيئة البشر، بل هم في حاجة إلى حكمتنا، لهذا دعوناك.
النقد والتعليق:
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
عندما تتعقد تفاصيل الحياة المحيطة، ويسيطر العبث على التصرفات، ويصبح الفرد جزيرة وحده؛ ساعتئذٍ تصبح الكتابة ورصد الواقع فعلا أكثر عبثية..
هنا كان الخروج إلى فضاءات إبداعية مغايرة، وهذا ما نجده في هذا النص ذي القصتين: "لقاء حميم"، و"الكنز" للقاص محمد عباس الروبي. وقصة "لقاء حميم" تدور في جو كابوسي يبحث فيه البطل عن شخص يلاحقه في كل مكان، حتى إنه يراه جالسا على حافة فراشه، ويظل يبحث عنه في كل مكان، وفي كل الوجوه، ولكنه لا يوفق في الاهتداء إليه ثم نجده في النهاية يبحث عن نفسه فلا يجدها!.
إن هذه القصة متلاحقة الأحداث، إيقاعها القصصي سريع ومحبوك، الحالة هنا تم التعبير عنها بصدق ومقدرة فنية عالية، كما أن البعد الفلسفي ظل كامنا في الخلفية دون أن يفسد روعة العمل رغم أننا نستشعر ذلك، وفي الجزء الثاني أو في قصة الكنز يبدأ القاص بالولوج إلى النص مباشرة.. "تداهمني الرؤى مسربلة بضباب كثيف تجيء على استحياء ثم تذهب هذه المرة ظلت تراوغ إلى أن تمكنت..."، وكأنه بهذا يدخل دخولا مراوغا إلى عالم أكثر مراوغة وهو عالم القصة القصيرة. إن البطل هنا ظل يقاوم نداء خفيا يدعوه إلى الارتحال لواحة ما، ثم لم يستطع المقاومة فيتبع النداء أخيرا حتى يصل إلى تلك الواحة، وهناك يجد مجموعة من الحمير عندما اقترب منها فوجئ بهم يحادثونه، واكتشف أنهم كانوا بشرا مثله يعيشون في هذه الواحة، ثم مر بهم رجل صالح رفضوا أن يعطوه ما طلبه من زاد، فدعا عليهم أن يعودوا لأساس تركيبتهم فصاروا حميرا. وهذه المفارقة بما فيها من سخرية لاذعة تحمل دلالة مهمة لما يود الكاتب توصيله.
ومن خلال هذين النصين نقف على كاتب لديه مقدرة عالية على إقامة عالم قصصي جديد، كما أن لديه رؤية ناقدة لكل ما يحيط به، وهذا الكاتب يقدم عالما بأكمله في قصصه تلك.
لكن عليه أن يراعي التكثيف في أعماله خاصة في قصة الكنز؛ حيث اهتم فيها ببعض البلاغة التي أثقلت كاهل العمل، كما أن الاستطراد في الوصف والسرد عادة ما يفسد متعة التلقي.
|