English

 

الأحد. يونيو. 17, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » بيئة الصراع

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مأزق مصر في غزة.. الحاجة لإستراتيجية جديدة

محمد جمال عرفة

Image
مقاتلو حماس داخل إدارة الجوازات بمعبر رفح

ليس لدى القاهرة شك أن محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي ومستشار الرئيس أبو مازن هو سبب أزمة الاقتتال الداخلية التي استعرت في غزة بين فصيلي فتح وحماس، وأن أنصاره كانوا المبادرين بتفجير اتفاقات وقف الاقتتال لأسباب معروفة، وليس لدى القاهرة شك أيضا أن هناك أمرا واقعا جديدا في غزة فرضته حماس ويصعب تغييره ويجب التعامل معه.

ومع هذا يبدو الموقف المصري من تداعيات ما بعد "موقعة غزة" وكأنه في مأزق، حيث تشير ردود الأفعال الرسمية المصرية المنتقدة لحماس بعنف لاستشعار القاهرة ربما لخطر ما من وجود "دويلة إسلامية" على حدودها يحكمها تيار إسلامي، وربما استشعارها خطرا أمنيا آخرا بسبب مشكلة الحدود الشائكة هناك والمعابر واحتمالات زيادة التهريب للسلع والأسلحة لو تصاعد الحصار على غزة.

ومشكلة الحدود تضع مصر في ورطة أكبر ومشكلة أمنية واقتصادية وسياسية أعمق بحكم كونها هي حارس بوابة غزة المنفذ الوحيد للفلسطينيين هناك، إذ يتوقع أن تنهال عليها المطالب الغربية بتشديد حراسة الحدود ومنع التهريب أو نشر قوات دولية أول رد فعل أمريكي ركز على مطالبة مصر بمنع التهريب عبر الحدود. وبالتالي فهناك توقعات بمشكلات عديدة عبر هذه البوابة التي تعتبر منفذا لمليون ونصف فلسطيني.

وما بين هذه القناعة المصرية بأخطاء فتح التي مهدت الطريق لصعود حماس السياسي والأمني في غزة، وبين الخشية من سيطرة تيار "إسلامي" على حدودها، ومخاطر تسخين حماس مع الاحتلال الإسرائيلي وجره لغزو غزة مرة أخرى أو اشتعال التوتر على حدودها، تبدو القاهرة أشبه بمن يستعد للسير في طريق وعر أو من يحتاج لتوازن دقيق يكفي للسير على شفرة حادة.

البديل الأصعب

فقادة حماس الذين زاروا مصر لحضور جلسات الحوار الوطني الفلسطيني الأخيرة، أكدوا أنهم استشعروا قناعة مصرية بأن المسئول عن استمرار الاقتتال الداخلي وخرق أي اتفاق لوقف القتال هو فريق من فتح محسوب على محمد دحلان، وصفوه بأنه "تيار انقلابي له أجندة إسرائيلية وأمريكية"، وقالوا إنهم قدموا أدلة على هذا لمصر.

وكشفت مصادر فلسطينية لصحيفة "القدس العربي" اللندنية 16 يونيو 2007عن أن الوزير المصري عمر سليمان مدير المخابرات صارح أبرز قيادات فتح في قطاع غزة التقى بهم، بدور "دحلان" المعرقل للخطط المصرية والمصعَّد للأزمة، بل وقيل إنه وبخ هؤلاء القادة وهم: محمد دحلان ورشيد أبو شباك وسمير المشهراوي، واتهمهم بممارسة الخداع، وتقديم معلومات مضللة للحكومة المصرية عن الوضع الميداني في قطاع غزة.

أيضا "مصدر أمني" مقرب من رئيس الوفد الأمني المصري العائد من غزة اللواء برهان حماد، قال لصحيفة المصري اليوم 17 يونيو 2007 أن "أسباب الصراع بغزة،حسبما تابع الوفد، هي مجموعة محمد دحلان التي تسيطر على كل الأجهزة الأمنية، وتقاتل في القطاع بأوامره، فيظهر الصراع على أنه اقتتال بين فتح وحماس، وهو في الواقع صراع بين مجموعة دحلان و70% من الشعب الفلسطيني"، ولفت إلى أن مصر "لا تملك قرار إبعاد هذه المجموعة عن الحكم".

وقال: "إن حركة حماس واللجنة المركزية لحركة فتح، لا تريد هذه المجموعة، لكن للأسف فإن مجموعة دحلان مفروضة بالقوة من إسرائيل وأمريكا"، وأن "حماس وصلت إلى الحكم لأن الشعب الفلسطيني- الذي يشعر بأن هذه المجموعة لها أياد خفية واتصالات مع إسرائيل وأمريكا - لم يكن يريد دحلان ومجموعته التي تسيطر على حركة فتح ومؤسسة الرئاسة".

وبالمقابل قال المصدر المصري رفيع المستوى: إن "هذا لا يعني أن حماس بريئة، ولكنها ارتكبت أخطاء فادحة، منها إصرارها على ربط الدين بالسياسة"، مشيراً إلى أنها لا تزال تحتاج إلى أن تتعلم كثيراً، وتمتلك مرونة سياسية أكبر"، وتابع أن " ما يشغل تفكير مصر حالياً هو كيفية التعامل مع دولة إسلامية على حدودها."

ويبدو أنه مع هذا الأمر الواقع الذي فرضته حماس لم يصبح أمام القاهرة بديل سوى الحوار مع حماس، بحيث باتت حماس هي "البديل الأصعب" الذي ستضطر مصر للتعامل معه مستقبلا ونصحه بالاعتدال والتوازن كي يسهل تسيير شئون القطاع بلا أزمات لحين هدوء الأحوال وعودة الحوار الفلسطيني للبحث عن مخرج شامل من الأزمة.

بيد أن رد الفعل المصري السريع بتبني موقف محدد ضد حماس بوصف ما جرى بأنه "استيلاء على السلطة"، وسحب الوفد الأمني والبعثة الدبلوماسية، وتأكيد أن الوضع في غزة "غير شرعي" والاعتراف بحكومة الضفة الغربية وسحب الاعتراف عمليا من"حكومة غزة"، كلها علامات سلبية على حيادية دور الوساطة المصري بين فتح وحماس،وربما يدفع ذلك حماس لمزيد من التشدد.

فقد وصف وزير الخارجية المصري "أحمد أبو الغيط" الوضع في غزة عقب سيطرة حركة حماس على المدينة عسكريا، بأنه "غير شرعي"،وقال صراحة إن: "سحب الوفد الأمني والدبلوماسي المصري من غزة رسالة مصرية بأن الوضع هناك لا يمثل الشرعية الفلسطينية".

ومع أن أبو الغيط قال: إن "مصر لن تتخلى عن دورها في مساندة الشعب الفلسطيني وستواصل مساعيها من أجل احتواء الوضع المتدهور في الوقت المناسب"، فمن غير المفهوم كيف ستتعامل مصر مع حكومة هنية التي تحكم القطاع المجاور لها، وهي لمتعد تعترف بشرعيتها؟ ولا كيف ستستأنف وساطتها بعدما سحبت وفدها الأمني، وصدرت تصريحات رسمية ترجح كفة فريق (فتح) ضد فريق (حماس)؟!

والملفت هنا أن رد فعل حماس على الموقف المصري المندد والرافض للاعتراف بشرعية سيطرتها على غزة جاء هادئا، حيث قال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الدكتور "موسى أبو مرزوق" أن استدعاء الوفد الأمني المصري من غزة "أمر مؤقت"، وأن غياب هذا الوفد "لن يدوم طويلا"، وأن "ضرورات استدعاء الوفد كانت واضحة وضرورات عودته واضحة أيضا"، في إشارة لضرورة التعامل مع الأمر الواقع.

القوات الدولية مشكلة

والحقيقة أنه مقابل هذا الغضب المصري من حماس، أظهرت القاهرة نوعا من الالتقاء مع حركة حماس فيما يخص رفض فرض أي وصاية دولية على غزة أو نشر قوات دولية على الحدود مع مصر، حيث أكد مصدر مسئول - في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية- أن مصر لا تقر مبدأ فرض أي وصاية على قطاع غزة، وأنها لا ترغب فيفرض وصايتها على غزة وترفض هذا المبدأ رفضا قاطعا.

وأوضح المصدر أن هذا الأمر (الوصاية) كان قد سبق أن أثير أثناء مباحثات السلام بين الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلى "مناحم بيجين" وأن مصر رفضت وقتها مبدأ الوصاية المصرية على قطاع غزة رفضا مطلقا.

أيضا أرجأت القاهرة الحديث عن فكرة نشر قوات دولية لوقت آخر، وقال وزير الخارجية المصري "إن مصر سوف تتعامل مع فكرة نشر قوات دولية في غزة عندما تبزغ ويبدأ الحديث الجدي عنها"، وأضاف :"إن نشر قوات دولية يحتاج إلى التراضي فلسطينيا وإسرائيليا والتوافق حول إرسال هذه القوة"، وذلك لأن حماس بدورها هددت باعتبار هذه القوات أعداء في حالة نشرها، وهناك صعوبة أصلا في نشرها على الجانب الفلسطيني بعد سيطرة حماس.

ولا شك أن مسالة نشر قوة دولية على الحدود المصرية-الإسرائيلية فقط أمر يصعب قبوله فلسطينيا وعربيا، لأن العرب طالبوا أكثر من مرة بنشر قوات دولية على حدود الرابع من يونيو بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ولكن الولايات المتحدة كانت تستخدم في كل مرة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد هذا المطلب العربي.

ولكن المشكلة الآن أنه أصبح من يطالب بنشر هذه القوات هم الفلسطينيون أنفسهم، جناح "الضفة الغربية"، وبالتوافق مع المطلب الذي سبق أن تقدم به رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت، ربما كنوع من العناد مع حكام غزة الجدد وحصارهم. فقد أكد "عزام الأحمد" القيادي في فتح أن رئيس السلطة "محمود عباس" شرع في الأيام القليلة الماضية في إجراء اتصالات عربية ودولية من أجل الإسراع في استجلاب قوات دولية إلى قطاع غزة سيكون هدفها الأساسي حفظ الأمن على حدود غزة، في حين ترى حماس أنها لحصارها ومنع المقاومة.

وهذا الاقتراح كان من الممكن أن تناقشه القاهرة قبل سيطرة حماس على غزة بهدوء، أما بعد فرض سيطرة حماس والتهديد بقتال هذه القوات الدولية لو نشرت على الحدود مع مصر، فقد أصبح موقف القاهرة أكثر صعوبة. ولهذا ربما يميل الموقف المصري للرفض؛ لأن نشر هذه القوات سيكون عامل إشعال للوضع على الحدود في حين أن الهدف المصري هو التهدئة وتبريد الحدود مع غزة تماما حفاظا على الأمن القومي المصري.

المأزق المصري في التعامل مع الوضع الجديد في غزة، ربما يتطلب بالتالي إستراتيجية مصرية مختلفة للتعامل مع هذا الوضع. وجزء من هذه الإستراتيجية يبدو ثابتا لأنه يتعلق بالأمن القومي المصري، والبعض الآخر متغير أو متوافق مع معطيات هذا الوضع الجديد وما قد يستجد. فالقاهرة سترفض بلا شك أي محاولات لإرباك الوضع الحدودي كعمليات التهريب أو الفوضى الأمنية، وضمنها نشر قوات دولية إلا فيحالة موافقة حماس، كما ستعمل على منع حدوث كارثة إنسانية في القطاع نتيجة استمرار الحصار الاقتصادي لأن هذا سينعكس على نزوح كثيف تجاه الحدود واضطرابها.

أما الورقة الرئيسية المرجح أن تلعب مصر بها فهي العودة مرة أخرى لدور الوساطة بين الفرقاء الفلسطينيين، واستئناف الحوار والتعجيل به لمنع ترسيخ دويلتي "غزة" و"الضفة" المنفصلتين، خصوصا بعدما تلقى التيار "الانقلابي" في فتح بزعامة دحلان هزيمة ثقيلة في غزة أضعفت دوره نسبيا، كما أن شروط الحوار التي أعلنتها فتح وحماس غير مستعصية، إذ أعلنت فتح ضرورة عودة الوضع لما كان عليه في غزة وسيطرة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، وأعلنت حماس استعدادها لاستقبال قوات الرئاسة بصورة عادية وأنها تعترف بشرعية عباس وأن مشكلتها فقط مع التيار الانقلابي.

الخطورة الحقيقية بالتالي هي تسارع التدهور واتساع شقة الخلافات بين الطرفين بما يعرقل تضميد الجراح، وهو دور شرعت في لعبه تل أبيب وواشنطن لترسيخ الانقسام الفلسطيني، ما قد يسبب مشكلات للقاهرة، خصوصا لو تأخر دورها ووساطتها أوظهرت منحازة لصالح طرف ضد الآخر أو انشغلت فقط بالتفكير بكيفية "التعامل مع دولة إسلامية" على حدودها!.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات