|
| مقاتلو حماس ينتشرون في قطاع غزة |
ما الذي يجري في غزة؟ هل هو انقلاب على الشرعية الفلسطينية أم تثبيت لهذه الشرعية؟ هل هو انقلاب عسكري أم إعادة ترتيب الأوراق وتشكيل الخارطة السياسية بما يتوافق على نتائج الانتخابات؟.. الصورة تبدو في كثير من جوانبها تحمل أبعادا مختلفة، ولكن الحقيقة التي نشاهدها على الأرض أن حماس تريد أن تحسم الأمر عسكريا بعد أن أعيتها كل السبل.
منذ أكثر من عام ونصف، أي بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25 يناير العام الماضي وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، وأحداث الاقتتال تتصاعد بين حركتي فتح وحماس بالرغم من أكثر من 13 اتفاق تهدئة بين الجانبين عقدت، إلا أنها بقيت حبرا على ورق، وازدادت حدة الاقتتال ضراوة بعد أقل من شهر من توقيع اتفاق مكة في 8 فبراير 2007، وما أعقبه من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بمشاركة أغلب الفصائل الفلسطينية بما فيها حركتي فتح وحماس.
وبالرغم من موجات الاقتتال بين الطرفين، إلا أن أحدا لم يحسم الأمور، وكذلك برغم كل الاتفاقيات على الشراكة فيما بينهما، إلا أن شيئا لم يطبق على الأرض واستمر الطرفان في تبادل الاتهامات فيما بينهما عن خرق الاتفاقيات.
الإشكالية الأكبر
من أهم الإشكالات التي لم تحل بين حركة حماس والحكومة الفلسطينية من جهة وحركة فتح ومؤسسة الرئاسة من جهة أخرى الصلاحيات الأمنية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وفقا لما تم الاتفاق علية في مكة والقاهرة، وبقيت الحكومة الفلسطينية تشكو من سلب الصلاحيات الأمنية منها، مما اضطر وزير الداخلية هاني القواسمي إلى الاستقالة بعد يأسه من منحه الصلاحيات بالرغم من الوعود الكثيرة التي تلقاها من الرئيس أبومازن، ولم تطبق الخطة الأمنية التي وافقت عليها الحكومة والرئاسة معا.
الخطة الأمنية التي عول عليها الكثير تشمل ضرورة تشكيل قوة أمنية مشتركة تضم قوات من الأجهزة الأمنية الموالية لحركة فتح والقوة التنفيذية التي شكلها سعيد صيام وزير الداخلية السابق والموالية لحركة حماس. وبعد تعين اللواء "سعيد فنونه" قائدا للقوة المشتركة والإعلان عن بدء العمل في المكتب المشترك، حاول قادة الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس محمود عباس استباق هذه الخطوة وقاموا بنشر الحواجز لفرض الأمر الواقع وعدم تنفيذ الخطة، التي تمت بالاتفاق مع أبو مازن. ومع تحديد أي لقاء لقادة هذه القوة للشروع في بدء العمل كانت شرارة الاقتتال تشتعل وتنتشر عناصر من الأجهزة الأمنية الموالية لحركة فتح وتشرع في نشر الحواجز العسكرية ويستمر الاقتتال حتى التوصل إلى تهدئة جديدة سرعان ما تنتهك ليعود الاقتتال من جديد.
الاقتتال الأخير
في الاقتتال الأخير، والذي بدأ مع مطلع هذا الأسبوع، يبدو أن حركة حماس شعرت أن الرئيس أبو مازن فقد السيطرة على هذه القوات الأمنية وأن من يحركها أياد لا سيطرة للرئيس عليها، وفقدت حماس الثقة بالاتفاقيات التي توقع مع حركة فتح، فاتجهت إلى الحسم العسكري.
ورجح الكثير من المتابعين أن باستطاعة حماس الحسم في غزة، وهو ما حدث بالفعل حيث سيطرت على مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
لكن ما الذي يجعل حماس قادرة على الحسم العسكري ويميل ميزان القوة لصالحها بالرغم من أن عتادها العسكري والبشري أقل بكثير من قوات الأجهزة الأمنية المختلفة وبالرغم من شحنات الأسلحة التي وصلت قوات الرئيس عباس في الآونة الأخيرة، ناهيك عن الأذرع العسكرية المختلفة لفتح وتنفيذية فتح التي شكلها القيادي البارز في الحركة محمد دحلان؟.
يمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة من الأسباب:
- فوارق التدريب لكلا الفريقين؛ أفراد الأجهزة الأمنية تلقوا تدريباتهم داخل الدول العربية كقوة شرطية نظامية وتدريبات تشبه تدريبات الجيش النظامي، بينما تركز كتائب القسام على تدريب عناصرها لحرب الشوارع واقتحام المواقع العسكرية الإسرائيلية التي نفذت الكثير منها، وهو ما أدى إلى تفوق نوعي لعناصر حماس والقدرة على المناورة كون المعارك التي تجري بين الجانبين أقرب إلى حرب الشوارع.
- قوة الانتماء لدى أفراد حركة حماس كونهم ينتظمون في الحركة عن قناعة وبعد اجتيازهم العديد من المراحل التربوية التي تؤهلهم للانضمام إلى جناحها العسكري، ومشاركتهم في المعارك عن قناعة عقدية مما يزيد من استبسالهم في المعارك بدون خوف، على أساس أنهم أصحاب حق ويقاتلون "الفئة الباغية"، حسب وصفهم، بينما شريحة كبيرة من أفراد الأجهزة الأمنية لا ولاء لهم ولأجهزتهم، وانتمائهم لهذه الأجهزة لمجرد الحصول على الراتب فلا يصمدون خلال المعارك وهذا ما كان واضحا خلال المعارك الأخيرة واستسلام مواقع عديدة للقسام من دون اقتتال.
- استهداف أفراد الأجهزة الأمنية للمظاهر الدينية خلال المعارك الأخيرة والفظاظة في التعامل مع الناس والاستهزاء بالشعائر والمظاهر الدينية، جعل الكثير من الناس العاديين اللذين لا ينتمون لأي فصيل يتعاطفون مع حركة حماس والتمسك بالمظاهر الدينية نظرا لطبيعة أهالي قطاع غزة المحافظ.
دوافع حماس للحسم
ولكن ما هي مبررات حماس في الإقدام على هذه الخطوة بالرغم من خطورتها، وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات؟. يمكن إجمال عدد من النقاط:
- عدم استقرار أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحركتين حتى وصلت إلى يقين أن المطلوب هو إزاحتها بأي شكل والقضاء عليها، دفعها إلى أن تتجه إلى هذا الخيار، بالإضافة إلى المماطلة في منح الحكومة أي صلاحيات أمنية وتمرد الأجهزة الأمنية على وزير الداخلية، وشعور حماس بأن لا نية لدى قادة الأجهزة الأمنية في إنجاح الخطة الأمنية التي وضعتها الوزارة بدليل أنه وكلما تم الحديث عن قرب الشروع في الخطة عادت أعمال الاقتتال لتشتعل مرة أخرى.
- وربما وجدت الحركة أن تأخرها في الحسم في مقابل زيادة الدعم العسكري لقوات عباس في النهاية سيضعفها بالتالي في وجود تفوق نوعي للقوات الموالية لحركة فتح خاصة إذا استمر تدفق الأسلحة إليها إسرائيليا وعربيا.
- وجدت حركة حماس أن جناحها العسكري يتم استنزافه في كل موجات الاقتتال التي جرت مع حركة فتح. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال سيضعفها أمام خصمها في المواجهات القادمة وكذلك أمام إسرائيل التي تتربص بها وما فتئت عن الحديث عن تعاظم قوة حماس العسكرية.
- التململ الكبير الذي بدا واضحا على قواعد الحركة وبعض قياداتها الوسطى والتي تدعو إلى الرد على استهداف أعضائها وعدم السكوت، وقد أصبحت قيادة الحركة في حرج أمام أعضائها وأمام حتى المتعاطفين معها، لدرجة أنه بدأ يظهر تيار متشدد في قاعدتها ينحو نحو العنف ويتهم قيادته بالوقوف موقف الضعيف فأرادت الحركة أن ترد الاعتبار لقوتها.
جملة أهداف
ولكن ما الذي تهدف إليه حماس من وراء الخطوة؟. من المستبعد أنها تريد أن تقيم كيانا مستقلا في غزة تسيطر عليه وتفصله عن الضفة كما يرى بعض المحللين والمراقبين، ولكن يمكن إجمال أهداف حماس من وراء هذه الخطوة حسب ما يبدو من تصريحات قادة الحركة:
- تهدف إلى فرض معادلة جديدة على الأرض وإجبار الرئيس عباس وحركة فتح على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية على أسس جديدة غير التي قامت عليها.
- كما ترسل حركة حماس بذلك رسالة إلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة وبعض الدول بالمنطقة بشكل خاص بأن دعمهم لفريق بحد ذاته على حساب آخر لن ينجح وأن المبادرة ما زالت بيدها ورهانهم على الحسم العسكري والفوضى الخلاقة لتغيير المعادلة لن تنجح.
- الرسالة الأخرى رسالة داخلية. أولا لأعضائها، فحواها أن الحركة ليست ضعيفة ولا يمكن أن تصمت أكثر على استهداف أفرادها وأعضائها وأنها سترد على ذلك بكل قوة، وكذلك أرادت إرسال رسالة إلى الشعب الفلسطيني أن باستطاعتها ضبط الأمن والقضاء على كل عناصر الفتنة.
- الرسالة الثالثة تبدو أنها موجهة لأعضاء حركة فتح والأجهزة الأمنية بأن قيادتهم لن تحميهم وأنهم ليسوا بمنأى عن عقاب حركة حماس.
مخاطر وتداعيات
ولكن ألا تدرك حماس المخاطر المترتبة على هذه الخطوة الغير مسبوقه بالحسم العسكري؟. بالتأكيد عليها أن تدرك، ولكن يبدو أنها وصلت إلى قناعة أن هذه هي الورقة الأخيرة التي بقيت بيديها. فهي تسيطر على غزة وعينها على الضفة كونها أضعف عسكريا في الضفة لتغول الاحتلال وعدم القدرة على التحرك في الضفة، بينما يتم السماح لأعضاء حركة فتح والأجهزة الأمنية بالتحرك بحرية في الضفة، بالإضافة إلى أن اغلب قادة الصف الأول والثاني في الحركة في السجون الإسرائيلية، فالضفة الغربية تعتبر يد حماس التي تؤلمها. وبمجرد تفوق حماس في غزة بدأت حركة فتح بالانتقام من أفراد حركة حماس في الضفة كضغط على الحركة.
كما أن الخشية تدور حول إعطاء مبرر للجهات الدولية المختلفة لتلبية مطلب إسرائيل واستقدام قوات دولية إلى غزة للفصل بين الفلسطينيين وبعضهم البعض وبين إسرائيل والمقاومة كذلك. ويبدو أن الولايات المتحدة لن تخاطر وترسل قوات إلى غزة وتكرر أخطائها في العراق وأفغانسان والصومال، بل تسهى لأن تكون هذه القوات هي قوات عربية من الرباعية العربية "مصر والأردن والسعودية والإمارات" تعمل على السيطرة على القطاع وتحويله إلى إدارة عربية وإلغاء كل نتائج الانتخابات، وبعد إضعاف حركة حماس يتم تسليم الأمر لقيادة ترضى عنها أمريكا.
أما التخوف الثالث فهو من تصنيف قطاع غزة كالصومال، وأن هناك قوة أصولية بدأت تتكون في القطاع، ما يثير الخشية من تحول قطاع غزة مرتعا لتنظيمات متشدده كالقاعدة، ويكون ذلك مبررا للتدخل العسكري الخارجي في القطاع خاصة من إسرائيل والولايات المتحدة ومهاجمة حركة حماس بشكل أشد قوة وربما بصمت عربي.
على كل حال وبعض النظر عن الأسباب والدوافع لما يجري يبدو أن المشهد المقبل للساحة الفلسطينية سيكون مغايرا للمشاهد السابقة، وبغض النظر عن طبيعة المعادلة القادمة في الساحة الفلسطينية، إلا أنها وبالتأكيد ستشهد تغيرا ومنعطفا كبيرا يختلف عن ذي قبل.
|