|
يحاول الفيلم الأمريكي "بيرل هاربور" إقناع العالم بأن الولايات المتحدة لم تكن جانية على اليابان، عندما ألقت القنبلتين الذريتين فوق هيروشيما ونجازاكي، أواخر الحرب العالمية الثانية، والتي حسمت الحرب لصالح دول الحلفاء، ومعها الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب كقوة كبرى.
والفيلم نموذج للأسلوب السينمائي الأمريكي في تناول القضايا التاريخية، ومعالجتها بالطريقة التي تبهر المشاهد بدرجة عالية من الإتقان التقني، وبتقديم مشاهد بالغة التأثير في عيون وقلوب المشاهدين من خلال الدمج في نسيج حي واحد يجمع بين جزأين؛ الأول منهما هو مفردات الحرب الرهيبة التي لا تعرف الرحمة، والتي تسعى إلى تحقيق أقصى درجات الخسائر في جانب العدو، وهو ما تحقق من خلال تتابع المشاهد التي عبرت عن القصف الياباني المباغت والجيد الإعداد للأسطول الأمريكي في "بيرل هاربور"؛ لنشر 300 طائرة على غير توقع الأمريكيين الذين كانوا في حالة استرخاء شديد، يرصدون رسائل وهمية مضللة بثتها اليابان؛ لتشويش فكر الأمريكان قبل القصف بساعات.
غزل الحب في الحرب
الجزء الآخر من هذا النسيج الذي صُنع منه الفيلم هو قصة رومانسية حالمة بين ممرضة - أدت دورها الممثلة الإنجليزية "كيت بيكنسال" - وطيار أمريكي متطوع لخدمة سلاح الجو البريطاني في الحرب - وأدى دوره "بن أفليك" - ينتقل إلى "بيرل هاربور" فوق الأسطول الأمريكي مع صديق طفولته، وتسقط طائرة البطل في المحيط خلال إحدى العمليات شبه الانتحارية ضد اليابان، فتنشأ علاقة حب أخرى بين الممرضة وصديق البطل - "جو هارتنت" - لكن البطل يظهر بعد ثلاثة أشهر؛ ليحيِّر المشاهدين معه، ويضع أبطال الفيلم الثلاثة في موقف مربك، وتفسد العلاقة مؤقتًا بين الثلاثة، لكن كاتب القصة يتدخل؛ لينهي هذه الحيرة دراميًّا بموت الصديق في نهاية الفيلم، بعد موقف رومانسي مشحون بالألم.
وقد تمكن السينارست "راندال والاس" من الإمساك بخيوط القصة بمهارة كبيرة، خاصة في مشاهد الحرب بما تحمله من دمار وقتل، والذي بدا في كثير من المشاهد، خصوصًا عند تصوير اليابانيين بأنهم أشخاص جامدو القلوب والعقول، ولا يفكرون إلا في قتل أعدائهم دون تفرقة بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية؛ حيث نرى في أحد المشاهد الطائرات اليابانية، بعد أن دكَّت الأسطول الأمريكي، وقضت على جميع الطائرات تقريبًا دون خسائر كبيرة في الجانب الياباني – جاءت لتقصف المستشفى الذي كان يُعالج فيه المصابون، وتقتل الممرضات والمدنيين، وهم يفرُّون مذعورين في شوارع المدينة، والطائرات اليابانية تحلق فوق رؤوسهم وتمطرهم بالنيران.
تبرير لحفظ ماء الوجه
ربما كان هذا الفيلم محاولة أمريكية لتغيير كتب التاريخ، وما ورد فيها من أن القنبلتين الذريتين فوق هيروشيما وناجازاكي قد غيَّرتا مجرى التاريخ الحديث، وأدخلت العالم في عصر جديد يتسم بالكراهية والعنف، وإن ادعت الدول فيه رغبتها في السلام.
فمن المعروف ما فعلته هاتان القنبلتان من إفناء المدنيين بصورة لا إنسانية، اتسم العقاب الأمريكي فيها لليابان بالعنف الشديد أو المجزرة؛ لهذا حاول الفيلم إيجاد العذر المناسب لاستخدام هاتين القنبلتين، مع تزيين الحالة بقصة حب رومانسية لطيفة، تحوطها هالة من مشاعر التضحية والوفاء؛ لإضفاء الطابع الإنساني على الموقف المشحون بالدم والعنف.
وقد احتجت اليابان على وصفها بأنها المعتدية والخائنة، وأن ما فعلته إنما كان ردًّا على المساعدات الأمريكية لأعدائها في تلك الفترة، وهو ما يمثل انتهاكًا أيضًا من جانب أمريكا لوعودها، لكن أمريكا هي أمريكا؛ تتجاهل دائمًا أصوات الآخرين، وتشوش عليهم بإمكاناتها، طالما أن حديثهم لا يخدم صالحها.
ومع الأخذ في الاعتبار أن عرض الفيلم جاء بعد 60 عامًا من حدوث القصف الياباني، فربما يبدو الفيلم أيضًا محاولة للتخلص من بعض العقد الأمريكية التي لم يستطع قادة أمريكا مَحْوها من أذهان شعبه، ولا من أذهان العالم، ومنها: عقدة حرب "فيتنام" الشهيرة، وأيضًا عقدة هيروشيما وناجازاكي التي تطارد أمريكا في يقظتها ومنامها وكلما مرّت الذكرى السنوية لها.
وكأن الفيلم جاء ردًّا على ما تعانيه اليابان من فظائع بسبب القنبلتين، وكأن واشنطن تعلن لطوكيو وللعالم أنه لا ينبغي عليها أن تعتذر عما فعلته؛ لأن القصف في "بيرل هاربور" كان بمثابة الإبرة التي شكت قدم العملاق النائم، فاستيقظ ضاربًا كل ما في طريقه دون تمييز.
وقد دلَّل الفيلم على أن موقف أمريكا من اليابان كان ردَّ فعل على خيانة يابانية، وهو ما اتضح عندما ظهر الرئيس الأمريكي "تيودور روزفلت"- أدى دوره بإتقان "جون فويت" الحاصل على جائزة أوسكار - الذي كان يقود بلاده إبان الحرب من فوق كرسيه المتحرك، وهو يعطي درسًا لقادته بعد قصف "بيرل هاربور"، وقد تعمد الوقوف دون مساعدة في حركة من الطراز الأمريكي لإعطاء العبرة بأنه ينبغي المحاولة المستميتة مهما كانت الظروف؛ لمواجهة المعتدي، ولتحديد مصير بلاده في عالم الأقوياء.
ومن هنا كانت عملية "دوليتيل" التي وصفها الفيلم بأنها كانت نقطة تحول، انتقلت بعدها الولايات المتحدة من الهزيمة إلى النصر، بينما انتقلت بعدها اليابان من النصر إلى الهزيمة.
الإبهار يعمي العيون
ويسير هذا الفيلم - مع بعض الاختلاف - في سياق اللغة التي يفضلها المخرج "مايكل باي" والمعروف في هوليوود بأنه من مخرجي أفلام الحركة، وبدا ذلك في فيلميه "الصخرة" 1996، و"أرماجيدون" 1998. أما الاختلاف؛ فهو أنه لا يقدم مشاهد حركة وعنف لتحقيق متعة الفرجة الأمريكية الصنع فحسب – فليست هناك رشاشات ليزر تحصد أرواح أفراد عصابات تسقط من السماء أو تخرج من الأرض فجأة - بل هي حرب بلغة الأربعينيات، وصلت لدرجة الحقيقة، رغم تنفيذها بالكمبيوتر؛ فجاءت مقنعة للمشاهد.
وقد ساقها في أسلوب ملحمي بطولي يحقق له الاحترام السينمائي، وبدا ذلك الانتشار الجماهيري العالمي للفيلم الذي تكلف 140 مليون دولار، حقَّق منها بعد عشرة أيام من عرضه عالميًّا 119 مليونًا في رقم قياسي، تفوّق على أفلام أخرى عُرضت في الفترة ذاتها. وكان هذا الفيلم أيضًا من إنتاج "جيري براكهايمر" الذي قدم مع "مايكل باي" فيلميه السابقين.
اتسمت عناصر الفيلم من إخراج بالإبهار الشديد في تصوير عمليات القصف بالطائرات اليابانية التي انتشرت في سماء "بيرل هاربور"، فضلاً عن التصوير لجون شوارتزمان، والموسيقى التصويرية لكاتي نيلسون، والأزياء التي كانت بالغة الدقة؛ للتعبير عن كل مفردات عصر أوائل الأربعينيات في الولايات المتحدة.
وقد حاول الفيلم أن يقرأ العقل الياباني في تلك الفترة، عندما ساق على لسان القائد الياباني - الذي أدى دوره ببراعة أيضًا الممثل الياباني "ماكو ماكو"، الحاصل على جائزة أوسكار - القول بأنه سيلغي الحملة الثالثة؛ لأن اليابان عنصر المفاجأة، بعد الحملتين الأولى والثانية، وقال أخشى أن نكون قد أيقظنا عملاقًا نائمًا.
مشكلة الآخر
ويتعرض الفيلم لحياة الجنود الأمريكيين في ظروف الحرب، ويظهر البطل - "بن أفليك" - على أنه نموذج للمحارب الأمريكي المستعد للتضحية دائمًا من أجل وطنه، ومن أجل محبوبته، ومن أجل صديقه الحميم أيضًا، في منظومة أمريكية واحدة، تجعلنا نحترم هذا المحارب، ونتضامن معه في مواقفه.
كانت السينما الغربية عامة - وسينما هوليوود خاصة، فيما تقدمه من أفلام عن الحرب العالمية الثانية - تحاول إظهار جمود العقلية الألمانية النازية وشهوتها للانتقام من الدول الأخرى. وها هي في هذا الفيلم تحقق نقلة أخرى تتعلق باليابان وما فعلته بالأمريكيين في "بيرل هاربور"، بالصورة التي تحقق التعاطف العالمي مع الأمريكيين، وتجعلنا نقول إن أمريكا كانت على حق حتى لو ألقت على اليابان ألف قنبلة ذرية؛ جزاء ما فعلته في "بيرل هاربور". لكن يظل السؤال: هل يمكن للسينما أن تعيد كتابة التاريخ، أو حتى قراءته على نحو مختلف أو مغاير للحقائق؟! ذلك هو السؤال.
|