English

 

الاثنين. يوليو. 15, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

بصيص نور في نفق فلسطيني

 
دمـعٌ وآهـاتٌ وجـرحٌ غائرٌ *** فعلى رُبايَ اليـومَ دارت دائره

الكلُّ جاء اليومَ ينهَـش أرضَنـا *** من كل ناحيةٍ، بأيـدٍ فاجـره

فتُداسُ في وَضَـح النهار رؤوسُنا *** وتُحاك في جُنـح الظلام مؤامره

القدسُ دنسهـا الكلابُ ببغيهم *** ويلٌ لهم وطِئوا البقـاعَ الطاهره

قد أكثروا فيها الفسـادَ فيا لهم *** من عصبـةٍ شريـرةٍ وجبابـره

قد أُرضعوا حقـدًا على إسلامِنا *** حقـدًا دفينـًا في قلوبٍ فائره

صَبـّوا لهيـبَ عدائِهم في دارنا *** في ظهرنا غرز العـدو خناجرَه

تبكـي منابرُنا وتذرف دمعَهـا *** كمدًا على الأقصى وتلعن آسرَه

سفكوا الدماءَ وأرخصوا أعراضَنا *** ويلٌ لهم إن النفـوسَ لثائـره

 لن يُرجعَ الأقصـى سلامٌ زائفٌ *** كلا ولا جِلساتُ بـذخٍ فاخره

بل بالجهاد المستمـرِّ لفتحهـا *** بل بالوجـوه  الباسمات الناضره

بل بالنفـوس لربهـا مشتاقـةٌ *** بل بالأيادي  الغُــبر والمتآزره

تكبيرهم دوّى يثبّـت عزمَنـا *** ويهـزَّ قلبَ قُوى العدو الخائره

الله أكـبر تستثـير حماسَنـا *** نحو الجهاد بأنفـسٍ متصابـره

فستنسج الفجـرَ البهيَّ دماؤنـا *** وستشعلُ الأنوارَ وهْيَ العاطـره

أملي شبابٌ صار يخـدم دينَـه *** يمشي ويوصِلُ بالجنان مشاعرَه

أملي بصيصُ النورِ يُشعِله فـتى *** أشـلاؤه فوق الرُّبـا متناثـره


النقد والتعليق:

الشاعر مدحت العراقي: صديقي حسن أنت شاعر مجيد، لا يعييك الوزن، ولا التقفية، ولا المعنى، ولا تعوزك الأفكار، وكل ما ينقصك الاهتمام بالصورة، وتنقيح العمل بعد تمامه، وتأمّل معي بعض الملاحظات، التي آمل أن تستفيد منها.

أولاً : الوزن العروضي:

القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته (متفاعلن ///5//5)، ولا يدخله إلا زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك، لتصير التفعيلة (مستفعلن /5/5//5)..

قصيدتك (17) بيتًا، أي (102 تفعيلة)، منها (43 متفاعلن)، (59 مستفعلن)، ولا بأس بهذا مطلقًا، فعادة ما تكون القصيدة من بحر الكامل إذا وردت فيها (متفاعلن) مرة واحدة، وهنا يحدث بعض الخلط بين بحري الكامل والرجز..

فتفعيلة الرجز (مستفعلن) يدخلها مجموعة من الزحافات، فإذا كانت القصيدة من الرجز ووردت فيها تفعيلة واحدة من الكامل (متفاعلن)، صارت القصيدة كلها من الكامل، شريطة ألا يدخلها غير الزحاف الوحيد الذي ذكرناه -تسكين الثاني المتحرك-..

وقد أحكمت قبضتك على البحر، غير موضع وحيد في الشطر الثاني من البيت العاشر، إذ تقول : كَلا ولا ( /5/5//5 ) جِلْسَاتُ بَذَ ( /5/5/// ) خٍ فَاخِرَهْ (/5/5//5)، فالتفعيلة الثانية هنا لم تنته بسكون، وأربأ بك أن تقع في خطأ تسكين ذال ( بَذَخ)، فهذا غير جائز، ولا توجد كلمة ( بذْخ ) -بتسكين الذال- في العربية، والموجود ( بَذْح ) -بالحاء- ومعناها: الشق..

وأفضل ما في القصيدة -عروضيًّا- الشطر الثاني من البيت الخامس، والشطر الأول من البيت السادس؛ إذ تنتهي التفعيلة -في كل منهما- بنهاية كلمة..

وكان الأفضل أن تجعل البيت الأول مُصرَّعًا، فتكون قافية الشطرين متماثلة: (غائره ، دائره)..

ثانيًا : التجربة والأفكار:

الكلمات الثلاث الأُوَلُ في القصيدة (دمع وآهات وجرح) ترسم الخط الأول في تجربة الشاعر، وتجسد حاله (مظلوم)..

ثم يأتي الشطر الأول من البيت الثاني ليؤكد هذا الخط، فيجسد الاضطهاد الذي يلاقيه الشاعر..

ثم يبدأ البيت العاشر في رسم الخط الثاني والأخير في هذه التجربة، والذي يمثل بصيص الأمل (النور) في قلب الشاعر..

إذن فالقصيدة تتمحور حول فكرة الصراع (ظلم ومقاومة)..

فالظلم يبعث على اليأس والقعود، والمقاومة تحفز على التقدم والنهوض، وهنا الصراع بين الشاعر (العربي) وأعدائه (اليهود)..

ثالثًا: الألفاظ  والمعاني:

لما كانت فكرة الظلم والاضطهاد تسيطر على الشاعر؛ كان لا بد من حشد الألفاظ التي تعبر عن هذا الشعور، والتي تنوعت بين حزن (مشاعر)، والظلم الذي يلاقيه (الحال)، وما يريده (الأمل)..

فجاءت ألفاظ (المشاعر): دمع، آهات، جرح، الظلام، تبكي، تذرف، كمدًا، تلعن..

وألفاظ (الحال): ينهش، تداس، دنسها، ببغيهم، وطئوا، الفساد، عصبة، شريرة، جبابرة، حقدًا، خناجر، سفكوا، أرخصوا..

وألفاظ (الأمل): الجهاد، فتح، الباسمات، الناضرة، مشتاقة، المتآزرة، عزمنا، حماسنا، متصابرة، الفجر، البهي، الأنوار، العاطرة، أملي، شباب، الجنان..

وألمح ملمحًا لطيفًا: فالقصيدة يمكن شطرها طولاً وعرضًا..

فإذا انشطرت طولاً (رأسيًّا) صارت عمودين، الأول -وهو ما نعني هنا- هو الشطرات الأولى من الأبيات، ولن يجد القارئ كبير عناء في قراءة هذا العمود منفردًا، فهو القصيدة..

أما العمود الثاني فمجرد تابع (تكملة يمكن حذفها)، وكل ما على القارئ أن يضع بعض أدوات الربط اليسيرة -إن لزم الأمر- في مقدمة العمود الأول، مثل الفاء أو الواو..

أما إذا انشطرت عرضًا، صارت جزأين: الأول (الأبيات 1 - 9): تعبر عن الظلم الواقع على الشاعر وأمته، والثاني: (الأبيات 10 - 17): تعبر عن أمل الشاعر في الخلاص المنشود، وترسم طريق ذلك..

وفي البلاغة العربية قاعدة عظيمة النفع، تقول: "زيادة المبنى دليل زيادة المعنى"، وكما أسلفت فإن (75%) تقريبًا -حوالي 13 شطرة- من الشطرات الثانية في أبيات القصيدة، مزيدة يمكن حذفها؛ لأنها لا تضيف جديدًا، باستثناء الشطرات الثانية في الأبيات (8 ، 14 ، 16 ، 17) فقط..

هناك ألفاظ اجتلبت للقافية، مثل: ( وجبابره، / فائره ، / إن النفوس لثائره ، / والمتآزره ، / وهي العاطره ).

كما استخدمت -دون داعٍ- حرف العطف (بل) أربع مرات متتالية، ولو فعله صحفي -يكتب اللغة الثالثة- لما قُبِلَت منه، فكيف بالشاعر.

رابعًا: الصور والتعبيرات الفنية:

في عام 1996م كتبت بحثًا أسميته "الأدب الإسلامي بين تطرف الناقد وجحود المتلقي"؛ ظنًّا مني وقتها أن الأدب الإسلامي الذي يكتبه أصحاب النظرة الإسلامية، مغبون ومهضوم من الناقد والمتلقي، وكاد يدخل تحت الطبع، إلا أن الله هداني وأمعنت النظر؛ فرأيته بالفعل أضعف من أن ينافس غيره..

والمشكلة أخي الفاضل تكمن بالأساس في الصورة الفنية التي يرسمها الشاعر منا، فالفكرة عظيمة، والألفاظ طيبة، والمعاني كذلك، لكن ماذا فعل الشاعر بهذه الجزئيات المفردة الجميلة؟! كيف ركبها؟! ماذا أضاف؟! تلك هي قضية الشعر..

قد توجد لوحة بيضاء، وألوان، ومجموعة فرش، وفكرة عظيمة في ذهن الفنان، ولكن.. أترى ذلك مجديًّا؟! لا..؛ لأن المتلقي لم يرَ شيئًا..

وعلى الفنان أن يجهد نفسه في تخطيط العمل (قبل الشروع فيه)، ثم عليه بالأناة (عند البدء فيه)، ثم عليه بالتجويد والتنقيح (عند الانتهاء منه)، عند ذلك فقط يكون عملاً عظيمًا يتقدم غيره من الأعمال..

تسيطر النبرة الخطابية العالية على القصيدة بشكل عام..

وهناك تعبيرات نثرية كثيرة، مثل: الكل جاء اليوم ينهش أرضنا، يا لهم من عصبة شريرة، والأبيات 9 - 12 كلها..

قصيدتك خلت من الصور عدا ست، فقدت بريقها لكثرة ترديدها على ألسنة الناس، وهي: ( بيت2 / ينهش أرضنا ، ب3 / تحاك مؤامرة ، ب6 / أرضعوا حقداً ، ب8 / تبكي منابرنا ـ تلعن آسره ، ب13/ تكبيرهم دوى ـ يهز قلب .. ، ب 15/ فستنسج الفجر دماؤنا - ستشعل الأنوار).

كنت تستطيع جعل الدمعة -على سبيل المثال- تحكي لنا ما حدث..

أو تجعل ربوة من روابي القدس تصور ما جرى عليها..

فهذه صورة كلية، ثم تأتي بعشرات الصور الجزئية التي تثري العمل وترفعه إلى سماء الشعر، وأراك تقدر على هذا..

أرى لزامًا علي -في الختام- أن أقول: احفز همتك، واستفزز طاقتك، وفجر بركان الشعر بداخلك، وتواصل معنا..

وننتظر منك المزيد..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم