English

 

السبت. يوليو. 20, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

تقرير سري عن زمن مشبوه

Image
هذا أواننا

في زمن تبصق فيه أرضا

فينبت الشوك:

في زمن تقول فيه للشمس

 - صباح الخير

- فتجيبك:

صباح الويلات

وتمشي وحيدا

فتمشي وراءك جيوش من الهموم

تنسى العيش

فتعيش النسيان

هذا أواننا

ضع على ظهرك رقما مميزا

وامض شاهقا فلن تضيع

في شفتيك تحمل مدخنة

وتسير كقطار هرم

تبدد أوهامك وهمومك

أتحسب أن هذا الزمن

يصلح ليوم واحد من الهدوء

هذا أواننا

في زمن تحزن فيه

فتبحث في طيات جيوبك

عن دمعات سخيات

فلا تجد غير ابتسامات بلهاء

تمضي شاحبا

يمر ماسح أحذية

تطلب منه أن يلمع ابتسامتك

ويرفع الغبار عن وجهك الكئيب

يمر بائع الجرائد

يبيعني مأساة جديدة

أبحث عن صفحة الأحياء

فلا أجد غير صفحة الوفيات

أستقل سيارة أجرة

وأترك فيها عن قصد أو عن غير قصد

حقيبة المشاكل العويصة

أهرب من زمن

يبيعني المأساة

ويقطر الملح في عيني

وأصاب فيه بلوعة الحرمان

ويقظة الضمير

أهرب من زمن

أخشى فيه على أحلامي

أن تصاب بالتشنج

والصداع النصفي والزكام المزمن

أخشى فيه على أفكاري

أن تصاب بنزيف حاد

وبالشلل والتسمم

هل ممكن..؟

أن يشبه الواقع مقبرة مرعبة

مليئة بأشجار الصبار

وأعواد المشانق

وجماجم الأبرياء

هل ممكن..؟

أن تصبح اليقظة شوكة

مغروسة كالألم في أجسادنا

هل ممكن؟؟

ثـره


النقد والتعليق:

الشاعر والناقد مدحت خليل العراقي: يأتي عنوان القصيدة: "تقرير سري عن زمن مشبوه" كعنوان قصة، يبدو ذلك واضحًا من كلمة تقرير؛ فالتقرير نوع من أنواع السرد لأحداث معينة، أو عرض لقضية من القضايا، وهو أيضًا عنوان يثير الريبة في نفس المتلقي قبل أن يقرأ حرفاً في تلك القصيدة القصة، والمثير فيه كلمتا "سري" التي هي صفة التقرير، و"مشبوه" التي هي صفة الزمن؛ إذ توحيان

بتفرد القصيدة واختلافها، فهي تحمل أسراراً، والممنوع دائما مرغوب، تستشرف النفس دائما  سبر غوره واستكناه سره، والمشبوه أيضاً في جزء منه يحير الناس، ويريدون أن يحددوا ماهيته، ولن يستريحوا حتى يصلوا إلى هدفهم.. فالعنوان درامي، يحمل في طياته إيماءة إلى ما يود الشاعر قوله في قصيدته.. والسؤال: هل صدق العنوان فعبر عن القصيدة وعبرت عنه بالفعل؟ سنرى..

أولاً : الوزن العروضي:

القصيدة من بحر الرجز، ومع هذا لم تأت تفعيلة الرجز (مستفعلن /0/0//0) تامة غير ثماني مرات فقط خلال 55 سطراً (تفعيلة واحدة في كل سطر من الأسطر 1، 11، 19،33، 43، 48، 53، 54) ولأن تفعيلة الرجز تقبل عدة زحافات، كانت القصيدة أقرب للنثر منها للشعر الموزون، فالأسطر (25-46) يغلب عليها الطابع النثري السردي، وتخلو بالفعل من رشاقة الوزن وعذوبته المميزة للشعر.

ثانياً: التجربة والأفكار:

القصيدة أربعة مقاطع: المقطع الأول 10 أسطر (1 -10)، المقطع الثاني 8 أسطر (11- 18) المقطع الثالث 28 سطراً (19 - 46)، المقطع الرابع 9 أسطر (47 - 55).

والملاحظ أن المقطع الثالث يشذ عن المألوف؛ فالمقاطع الثلاثة الأخرى (8 - 10 أسطر) أما المقطع الثالث فالزيادة فيه -فقط- عن أي منها ما بين 18 إلى 20 سطرا، فانعدم التناسب الشكلي الذي يؤدي حتماً إلى خلل في عرض الفكرة، أو اضطراب شعوري لدى المتلقي.. يسيطر على الشاعر شعور دفين بالحزن والأسى والكآبة واليأس.. وبدا ذلك جليًّا في السطر (48): "أن يشبه الواقع مقبرة مرعبة".

ثالثاً: الألفاظ والمعاني:

تبدأ المقطوعات الثلاث الأولى بجملة "هذا أواننا"، وهي جملة توحي باستحسان الزمان والثناء عليه، وعكس ذلك أن يقول من لا يستريح لزمان معين "هذا ليس أواني"، وهذا ما يعبر عنه المتنبي بقوله:

أنا في أمة تداركها الله *** غريب كصالح في ثمود

وهذا ما تريد التعبير عنه، ولكنك أردت السير في الدرب الذي رسمته في عنوان قصيدتك "تقرير.. عن زمن" فلا بد أن تحدد الزمن الذي نكرته، فقلت: "هذا أواننا" بشكل تقريري؛ أي أن الشاعر يخبر المتلقي أنه من هذا الزمان الذي يعيشه -المتلقي- الآن، ثم يقص عليه ما يجري فيه.. وما أعجب له هنا، لماذا هو سري؟ لأنك تمس فيه جانباً سياسياً.. وقد تجلت مشاعر الحزن والأسى في معظم ألفاظ ومعاني القصيدة، مثل: (الشوك، الويلات، الهموم، تحزن، دمعات، شاحباً، الكئيب، الوفيات،المشاكل، المأساة، الملح، الحرمان، مقبرة، صابر، مشانق، جماجم، شوكة، ألم).. إضافة إلى: (التشنج، الصداع النصفي، الزكام، نزيف، شلل، تسمم، الألم).

ولاحظ معي فارقاً هاماً بين ما يسمى جمع القلة، وجمع الكثرة، فمثلاً: أن تقول "دمعات" وهذا جمع قلة وجمع الكثرة "دموع"، ومثل ذلك "أسياف" (جمع قلة) و"سيوف" (جمع كثرة)، وأعين وعيون..

هناك ألفاظ كثيرة جدًّا زائدة عن حاجة القصيدة:

مثال: جملة "هذا أواننا" التي تكررت ثلاث مرات، يمكن حذفها بكل ارتياح، خاصة أنك تقول بعدها مباشرة في س2، س20: "في زمن.." وهذا التنكير يحرك ذهن المتلقي ويزيد شغفه ونهمه، وهو أولى وأفضل من التعريف..

مثال آخر:

السطران 41، 42: تقول في الأول: "أخشى فيه على أحلامي"، ثم تقول في الثاني: "أن

تصاب بالتشنج" ولم يكن هناك داعٍ لكلمات "أن تصاب بـ.." فأنت تخشى التشنج.. ومثله تماماً السطران 44، 45..

مثال ثالث:

السطران 47، 48، يمكن حذف السطر الأول: "هل ممكن؟" وبداية السطر الثاني: "أن يشبه"، لتصير بداية المقطع: الواقع مقبرة مرعبة.. وكذا في الأسطر 52، 53، 55.. وقس على ذلك..

ملحوظة: ذكرني عملك بالكتابة الكابوسية ورائدها فرانز كافكا الذي كان مغرما بالكتابة الخانقة اليائسة في كتاباته اقرأ عنه:  كافكا صهيوني يلون العالم بالسواد

 رابعاً: الصور والتعبيرات الفنية:

المقطع الأخير في القصيدة يعد استثناء منها؛ إذ يحمل جمالاً تعبيرياً شائقاً، فهناك صورتان ممتدتان -وإن كان بوسع الشاعر أن يزيد ويجيد- الأولى: "الواقع مقبرة مرعبة، مليئة بأشجار الصبار، وأعواد المشانق، وجماجم الأبرياء"، ويعيبها سبقه لها بكلمة "يشبه" التي هي هنا كالأداة (الكاف أو كأن)، وهو ما قلل من روعة الصورة وبهائها..

والثانية: "اليقظة شوكة مغروسة كالألم في أجسادنا"، ولا أدري إن كان الشاعر قد قصد إلى استعمال كلمة "مغروسة" دون "مغروزة" أم جاءت عفو الخاطر.. فالغرس يكون للزرع؛ وبالتالي فهو ينمو ويكبر مع الوقت، والكلمة -هنا- جاءت في موقع رائع.. أما الغرز

فيكون للإبرة والرمح ونحوهما، ويعني التثبيت فقط..

وهناك صور أخرى، لكنها أقل نضجاً: السطر الثامن: "فتمشي وراءك جيوش من الهموم"

قلت في السطر السابع: "وتمشي وحيداً" فلِم تقول في الثامن "فتمشي وراءك.."؟! الأفضل أن تحذف "فتمشي" لتقول: "وراءك" مباشرة.. أو تأتي بكلمة تحمل المعنى المجمل -بدلاً من كلمتين- فتقول: "فتطاردك" مثلاً.. ولِم تقول: "جيوش من الهموم"؟! والأولى: "جيوش الهموم"، وأفضل أن تأتي بالكلمة مفردة مُثَقَّلَة "الهمّ"؛ فالثقل هنا يشعر المتلقي بلون من العناء، فيقرب إليه المعنى المراد من الكلمة.. وقس على ذلك..

وأرى أن تختصر القصيدة؛ بحذف السرد، وتكثيف الأفكار، وتعميق الصورة ومدها.. لأن ما سيبقى سيكون عملا مكتملا ورائعا بلا شك وننتظر المزيد.. فلا تحرمنا من التواصل معك أخي الكريم، وتابعنا بأخبارك.  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم