English

 

الأربعاء. يوليو. 24, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

عودة الاغتراب

Image
مكتوب منذ وُلِدْتَ على موج البحر

بأنك للبحر مآلكْ

سيان تعيش على شطّ

أو في قوقعة بين شعاب القاع

فإنك هالكْ

كل قصورِك من رمل الشط تهاوت

عند هدير الموج الحالك

ما لكْ؟

لكأنك شِلْتَ اليم على كتفيك

هربت كل خيوط الغزل

وصِنارات الصيد حيالكْ

ما لكْ؟

إنك سوَّيْتَ البحر على قَدِّكَ

ثم طفقت تغير سَمْتَك

لكن

مكتوب منذ وُلِدْتَ على موج البحر

بأنك للبحر مآلكْ 

سيان تعيش على شطّ

أو في قوقعة بين شعاب القاع

سيان تعيش على قارعة

أو بين ضجيج الصمت الحالكْ

في الغربة كل الأشياء سواء


النقد والتعليق:

مدحت خليل العراقي: لا أظنك تسكن البحر، بل أحسبه يسكنك..

فيا ساكن البحر، أو يا من يسكنه البحر، أصغ إلى ملاحظاتي..

أولاً: الوزن العروضي:

قصيدتك تسير على بحر المتدارك، وتفعيلته (فَاعِلُنْ /5//5 ) ولا يدخلها غير زحاف وحيد هو حذف الثاني الساكن، فتصير (فَعِلُنْ ///5 )، ولكن هناك سبع تفعيلات جاءت على بحر المتقارب (فَعُوْلُنْ //5/5 )، وهي (التفعيلة 1 ، 2 / س2)، (التفعيلة 1 ، 2 / س5)، (التفعيلة 1 / س11)، (التفعيلة 1 ، 2 / س6)..

والقصيدة تستقيم على بحر الرجز (مستفعلن /5/5//5) وتستخدم كل زحافاته، ولكن يساورني شعور بإرادتك الكتابة على بحر المتدارك، وسقطت في الهنات التي أشرنا إليها..

ثانيًا: التجربة والأفكار:

لا أخفيك سرًّا، قصيدتك لها بريق خاص، يبدو فيها حس الشاعر المرهف، وهو ما يؤكد صدق التجربة، وجودة الفكرة..

ولقد أحسنت إذ أجملت الفكرة في كلمات يسيرات في السطر الأخير من القصيدة: "في الغربة كل الأشياء سواء"، وهي حكمة جاءت في موضعها، فقد كان شوقي -أمير الشعراء- يقول: "لا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت الشعر، ولا يزال الشعر عاطلاً حتى تسكنه الحكمة"..

والعلاقة بين الغربة والبحر علاقة وطيدة، فكلاهما موحش مخيف، وكلاهما يصعب استكناه سره ومكنون باطنه، وكلاهما يحمل الخير زمنًا، وقد يضمر الشر أحيانًا..

والفكرة الكلية للقصيدة واضحة، لكنك لم تأتِ بتفاصيل كثيرة تحمل أفكارًا جزئية تحفرها في ذهن المتلقي..

ثالثًا: الألفاظ والمعاني:

ونبدأ بالحديث عن التكرار في قصيدتك يا أحمد:

مجموع ألفاظ القصيدة (90 لفظة)، تكرر منها (46 لفظة) أي النصف تقريبًا، وهي:

الأسطر الأربعة الأولى كاملة، التي تكررت كما هي في الأسطر (16 - 19)، وهي 19 لفظة، ولفظة (الحالك): تكررت مرتين، وسؤال (ما لك؟!): تكرر مرتين، وجملة (سيان تعيش على..): تكررت ثلاث مرات..

- أما تكرار الأسطر الأربعة الأولى (حوالي 17% من القصيدة) فهذا غير مستحسن، خاصة إذا كانت القصيدة (22 سطرًا)، صحيح أنها تحمل الفكرة الأساسية للقصيدة، لكنك لو تمكنت من أدواتك أيها الشاعر لما أعيتك الأفكار ولا الألفاظ..

- تكرار كلمة "حالك"، التي وصفت بها الموج مرة، والصمت مرة أخرى، وقد كنت تستطيع التعبير بغيرها -خاصة وقد تخرجت في قسم اللغة العربية- وهي تتسق -إلى حد ما- مع الصمت، ولكنها ليست كذلك مع الموج..

-  سؤال (ما لك؟!)، سؤال لطيف، يستدعي عند المتلقي أمورًا كثيرة، لكنه هنا سؤال مصطنع، متكلف، مكره، لا يستطيع الاستقرار، ولو حذف من المكانين، لما شعرنا بأن شيئًا قد حدث؛ والسبب أنك لم توظفه جيدًا..

- جملة (سيّان تعيش على) التي تكررت ثلاث مرات (س3 ، 17 ، 20)، أراها مستقرة في الموضع الأول، لكنها في الموضعين الأخيرين تكررت مرتين خلال ثلاثة أسطر، وكان الأولى حذفها في الموضع الأخير، وإذا أردت أن تسوي بين عدة أمور فلم تعبر بـ (سيان) التي تعني التماثل والمساواة بين أمرين اثنين فقط..

إذن فنحن أمام أكثر من ستة أسطر مكررة لتكون (11 سطرًا)، فيبقى 11 سطرًا فقط، فهل هذا يرضيك يا شاعر؟!

ويبدو جليًّا، تأثّر الشاعر ببيئته (البحر الأحمر)، حيث ترددت ألفاظ: البحر (4 مرات) ، موج (3 مرات)، اليم، شط (3 مرات)، رمل الشط، قوقعة، شعاب القاع، صنارات الصيد، خيوط الغزل، هدير..

والأسطر التي لم يرد فيها ذكر البحر أو شيء من أدواته ثمانية أسطر -من بين 22 سطراً- هي: ( س5 ، 8 ، 12 ، 14 ، 15 ، 20 ، 21 ، 22) ..

ونود أن نؤكد -هنا- على أن كلمة "شلت" التي أوردتها في السطر التاسع فصيحة، وشال الشيء: أي رفعه..

رابعًا: الصور والتعبيرات الفنية:

أرى في قصيدتك خمس صور فنية هي:

( س1 / مكتوب على موج البحر ، س9 / شلت اليم ، س10 / هربت خيوط الغزل ، س13 / سويت البحر ، س21 / ضجيج الصمت الحالك).

أما الأولى: "مكتوب على موج البحر"، فمعلوم أنه لا قيمة للكتابة على الموج، فالمثل العربي يقول: ".. والعلم في الكبر كالنقش على الماء"، فما قيمة أن يكتب على الماء، وما كتب على موجة ستأتي أختها فتمحوه!!

والتأويل الآخر لهذا السطر (الأول) أنه ولد على الموج، أما الكتابة فيقصد بها هنا القدر، أي حكم عليه بكذا.. وهنا لا يوجد تصوير..

الصورة الثانية: "شلت اليم" صورة جيدة، وهي ترجمة شاعرنا (عاشق البحر) لوصف الناس المهموم بأنه يحمل الدنيا على كتفيه، فدنيا الشاعر هي البحر..

الصورة الثالثة: "هربت خيوط الغزل"، وهنا نقف ليتعلم الشباب أن الصورة تحيي الميت -بإذن الله-؛ فخيوط الغزل جماد لا يتحرك -فضلاً عن أن يهرب-، ولكن يستطيع الشاعر نفخ الروح فيه، وهنا يكمن سر الشعر الذي يرفعه التصوير، وتخفضه الخطابة والمباشرة..

الصورة الرابعة: "سويت البحر" صورة جيدة؛ فكأن البحر ثوب يُسَوَّى ويُقَدُّ على القَدّ..

والصور الأربعة -كما هو واضح- تتعلق بالبحر..

الصورة الخامسة: "ضجيج الصمت الحالك" فهل يمكن للصمت أن يضج ويصرخ؟ نعم، إذا طال واحلولك كما يقول الشاعر، فإنه يمل فيصرخ ويحدث ضجيجًا، وهذه في رأيي أجود صور القصيدة..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم