|
| الرئيس الباكستاني برويز مشرف |
في مواجهة أخطر تحدٍ يواجه حكمه الاستبدادي القائم منذ قرابة ثماني سنوات، من المحتمل أن يحاول الرئيس "بيرويز مشرف" الاحتفاظ بالسلطة رغم المعارضة المتنامية ضده. وتسود باكستان شائعات حول أنه سيعلن حالة الطوارئ، الأمر الذي سيعطل الحقوق الأساسية ويعني فعليًا تطبيق الأحكام العسكرية.
وبالنظر إلى المعارضة القوية المتزايدة في أعقاب قراره بفصل رئيس المحكمة العليا "إفتكار محمد تشودهري" في 9 مارس عام 2007، يبدو من المستحيل أن يتمكن الرئيس ومؤيدوه من العسكريين الإبقاء على الوضع الراهن.
وبإمكان أصدقاء باكستان الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، قلب الموازين من خلال البعث برسالة واضحة مفادها أن الحكم القائم على قوانين الطوارئ غير مقبول، وأن على باكستان العودة إلى الحكم الديمقراطي من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية بحلول نهاية العام الجاري.
ويتمثل أسوأ السيناريوهات القائمة في إعلان حكم يعتمد على قوانين الطوارئ واستخدام القوة لقمع المعارضة الهائل المتوقعة، ما يسفر عن حالة من الفوضى والعنف، تؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز دور الجماعات الإسلامية. وحال دعم واشنطن لتلك الخطوة، ستزداد مشاعر العداء تجاهها.
أما أفضل السيناريوهات القائمة، فهي انتقال البلاد للحكم الديمقراطي من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة تهمش الجماعات المتطرفة وتحد من التوترات المتنامية داخل المجتمع. وقد يحدث ذلك حال شعور المؤسسة العسكرية أن من مصلحتها الانسحاب من الحكم المباشر، مثلما سبق وأن فعلت في الماضي.
من ناحيتها، ينبغي على واشنطن قيادة المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي واليابان، في الحث على انتقال البلاد سلميا نحو الحكم الديمقراطي، وذلك من خلال:
- التحذير بقوة وعلانية ضد أي فرض لحكم الطوارئ أو أي إجراءات لكبت حريات التعبير وتكوين الاتحادات والتجمع والحركة التي يكفلها الدستور.
_ الضغط على الجنرال "مشرف" لتجنب أي تدخل سياسي من جانبه في القضية القائمة ضد رئيس القضاة الجاري النظر بشأنها من قبل المحكمة العليا.
- حث المؤسسة العسكرية على السماح للبلاد بالعودة إلى الديمقراطية من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة، علاوة على السماح بعودة الزعماء السياسيين المنفيين.
خيارات الرئيس مشرف
في عام 1999، أعلن "مشرف" حالة الطوارئ وحل البرلمان من خلال تنفيذه انقلاب عسكري. وبعد الترتيب لانتخابه رئيسا عبر استفتاء مزور في أبريل عام 2002، قام "مشرف" بالإشراف على انتخابات وطنية انطوت على انتهاكات بالغة في وقت سابق من العام ذاته. وجاء البرلمان الذي أفرزته هذه الانتخابات ليمنحه تصويتا بالثقة ويسمح له بالاحتفاظ بمنصبه كقائد للجيش. يذكر أن البرلمان ينهي دروته التي تستمر على امتداد خمسة أعوام في أكتوبر المقبل، كما تنتهي فترة رئاسة مشرف في الشهر ذاته.
وقد يلجأ مشرف إلى واحد من الخيارات الثلاثة التالية:
أولا: ربما يحاول الاحتفاظ بالسلطة المطلقة، وهو ما يبدو أنه يميل شخصيا نحوه، من خلال تزوير الانتخابات والتلاعب في الدستور. كخطوة أولى، سيحصل على فترة رئاسية أخرى لمدة خمس سنوات عبر المجالس الحالية المشوهة، مثل المجمع الانتخابي، بدلا من المجالس التي ستخلفها المقرر انتخابها هذا العام، حسبما تصر المعارضة.
ومع تمتعه بخمس سنوات أخرى في الرئاسة، سيصبح مشرف في موقف يمكنه من تزييف نتائج الانتخابات الوطنية وبعد تأكده من حصول حلفاءه السياسيين، الذين من المحتمل أن يتضمنوا "مجلس الأمل الإسلامي المتحد" من إقليمي بالوشستان والإقليم الحدودي الشمالي الغربي و"حركة قوامي المتحدة"، على أغلبية معقولة داخل البرلمان، ربما يسعى مشرف لتمرير تعديل دستوري آخر بهدف تمكينه من الاحتفاظ بمنصب قائد الجيش بعد ديسمبر عام 2007، وهو موعد انتهاء السلطات الخاصة التي منحها إياه البرلمان في انتهاك لروح دستور عام 1973، بحيث يتمكن من تقلد المنصبين معا.
ومن المؤكد أن أحزاب المعارضة والمجتمع المدني سيرفضون شرعية هذه الإجراءات. وقد هددت الأحزاب بالفعل بالطعن أمام المحكمة العليا في فكرة قيام البرلمان الحالي بانتخاب الرئيس القادم، وأيضا الطعن في احتفاظ مشرف بمنصبي الرئيس وقائد الجيش. حال حدوث ذلك، سيلجأ مشرف والمؤسسة العسكرية من جديد للتلاعب في النظام للحصول على النتائج المرجوة. أما المحصلة النهائية لذلك فستكون العنف وانعدام الاستقرار.
ثانيا: قد يختار مشرف أن يقوم بعمل اتفاق للتشارك في السلطة مع رئيس الوزراء السابقة "بناظير بوتو" رئيسة حزب الشعب الباكستاني، والذي من المحتمل أن يفوز بأغلبية بسيطة حال إجراء انتخابات برلمانية حرة ونزيهة.
وربما تصر "بوتو" على ضرورة تخلي "مشرف" عن منصب قائد الجيش والترشح في الانتخابات كمدني إذا ما رغب في الحصول على فترة رئاسية أخرى، وأن تشكل المجالس المنتخبة حديثا، وليس الحالية، المجمع الانتخابي. ونوهت "بوتو" أنه حال اتسام الانتخابات القادمة بالنزاهة والسماح لها بالعودة من المنفى والمشاركة، فإنها قد تحث الحزب على تأييد ترشح "مشرف" ثانية للرئاسة داخل البرلمان الجديد، أو على الأقل الامتناع عن التصويت بهذا الشأن، وهو موقف مثير للجدال، ذلك أن الكثير من الشخصيات القيادية المؤثرة داخل حزب الشعب الباكستاني الذين يعارضون أي اتفاق للتشارك في السلطة مع "مشرف" على أساس أن ارتباط الحزب به سيشوه صورة الحزب. وبالنظر إلى انعدام الثقة المتبادلة، يبدو من غير المحتمل أن يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أو تنفيذه.
ثالثا: يتنحى "مشرف" عن منصبه كقائد للجيش وستختار المؤسسة العسكرية دخول البلاد فترة انتقالية عبر انتخابات حرة ونزيهة كخطوة أولى ضرورية. حال قبول "مشرف" أو القياد العليا للمؤسسة العسكرية هذا الخيار، قد يستعيد الرئيس والمؤسسة العسكرية بعض من مصداقيتهما، الأمر الذي ربما ييسر على حزب الشعب الباكستاني والأحزاب المعتدلة الأخرى تأييد ترشح "مشرف" من جديد للرئاسة، رغم أن ذلك يبدو غير محتملا في الوقت الراهن بالنظر إلى حجم المعارضة الشعبية.
ومن الواضح أن ذلك الخيار هو الأفضل لأنه سيسهم في عودة البلاد بشكل منظم إلى الديمقراطية وتمكين القوى المعتدلة وتهميش الراديكاليين "الإسلاميين" وتحقيق استقرار بالنظام السياسي. لكن يبدو "مشرف" عاقدًا العزم على الدخول في مواجهة مع المعارضة السياسية التي تتضمن علاوة على الأحزاب السياسية المعتدلة، جميع قطاعات المجتمع المدني تقريبًا من محامين وجماعات حقوق الإنسان، والتي أضيفت لها وسائل الإعلام المستقلة المسموعة والمقروءة في أعقاب الإجراءات القمعية الأخيرة. ومع تنامي المعارضة الداخلية، أصبح النظام أكثر قمعًا في مواجهتها.
المسئولية الأمريكية
تدرك القيادة العسكرية الباكستانية حجم أهمية الدعم الأمريكي لـ"مشرف" على امتداد السنوات الماضية. وحال إصدار واشنطن الآن مؤشرات توحي بمعارضتها لفرض حكم الطوارئ لباكستان وأنها تتوقع عودة الديمقراطية إلى البلاد عام 2007، قد يبدي الحلفاء العسكريون لـ"مشرف" استعدادهم للضغط عليه كي يستقيل ويتم تعيين قائد جديد للقوات المسلحة. وربما تخلص القيادة العامة للمؤسسة العسكرية إلى أن دعم انتقال البلاد إلى الحكم الديمقراطي هو السبيل الأفضل لاستعادة شرعيتها والتمتع بموقع قوة يمكنها من التفاوض مع الفائزين في أعقاب إجراء انتخابات نزيهة، بهدف الاحتفاظ بالمميزات والاستقلالية التي تحظى بها.
أما أي مؤشر من قبل واشنطن على تقديمها دعم غير مشروط لـ"مشرف"، ستشجعه على فرض حالة طوارئ وإعادة البلاد للحكم العسكري المطلق. وحال حدوث ذلك، سينظر الباكستانيون إلى الولايات المتحدة باعتبارها عائقًا، وليس جهة دعم، للديمقراطية، وستخسر بذلك ما تبقى لها من مصداقية داخل باكستان. ومن المؤكد أن المقاومة الداخلية للحكم العسكري سوف تزداد، ما يجبر "مشرف" ورفاقه الجنرالات على اللجوء إلى القوة في كبت الانشقاق.
مخرج دستوري من الأزمة
باعتبارها أكثر العوامل الخارجية نفوذا، من الضروري أن تبعث واشنطن برسالة واضحة إلى "مشرف" مفادها أنها لن تقبل أي تحرك نحو إعاقة العملية الانتخابية. من جانبهم، شدد المتحدثون الرسميون الأمريكيون على ضرورة تسوية الأزمة الباكستانية بما يتوافق مع القانون الباكستاني. وتنبغي إعادة التأكيد على هذا التوجه وتشجيع "مشرف" على احترام الدستور من خلال السماح للمجالس الجديدة بعقد الانتخابات الرئاسية والتخلي عن منصب قائد القوات المسلحة.
ويجب أن تحظى المحكمة العليا بحق إصدار حكمها بشأن إجراء "مشرف" ضد رئيس القضاة، دونما تدخل من السلطة التنفيذية. ولا شك أن المحكمة في موقف يمكنها من الإسهام في تحقيق سيناريو التسوية. ومن المتوقع أن تتلقى المحكمة التماسات دستورية من جانب المجالس الحالية لترشيح "مشرف" لرئاسة البلاد مجددا وعزمه الاحتفاظ بمنصب الرئاسة وقيادة المؤسسة العسكرية. وربما يشكل الخوف من تعرض قائد الجيش للتوبيخ علانية من جانب السلطة القضائية دافعا للمؤسسة العسكرية كي تطلب من "مشرف" الاستقالة أو على الأقل الاكتفاء بفترة خدمته الحالية كقائد عسكري حتى نهاية العام الجاري.
بيد أن هذا الطريق نحو فترة انتقالية ديمقراطية دستورية سيكون مفتوحا فقط إذا تمكنت المحكمة العليا من التعامل مع القضايا التي تعرض عليها دون ضغط من السلطة التنفيذية، ولن يكون ذلك ممكنا حال فرض "مشرف" حالة الطوارئ على البلاد.
مجموعة الأزمات الدولية "إن إنترناشونال كرايسز جروب"، مؤسسة تقول عن نفسها أنها مستقلة غير ربحية وغير حكومية، يعمل بها 120 موظفا في 5 قارات، يعملون من خلال التحليل الميداني الموجه للمستويات القيادية لمنع وحل النزاعات المميتة. ويضم مجلس إدارة كرايسز جروب شخصيات بارزة في حقول السياسة والدبلوماسية والأعمال والإعلام، والذي يقدم المساعدة لجلب اهتمام صانعي القرار على امتداد العالم إلى تقارير المجموعة وتوصياتها.
*تقرير قامت بإعداده المجموعة الدولية لإدارة الأزمات، تحت عنوان: "باكستان: حكم بقوانين الطوارئ أم عودة إلى الديمقراطية؟"، 6 يونيو 2007.
|