English

 

السبت. نوفمبر. 4, 2000

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"الهوية".. البحث الدائم عن الخلاص!

السيد نجم

إن الوعي المُشِفّ بين طيات العمل الأدبي عمومًا، ليس إلا وعي الأديب ذاته، ولا يجب أن تكون مقولات الأديب فعلاً مقحمًا على خصوصية العمل الأدبي؛ لذلك يُعَدُّ أدب المقاومة هو شكل الحوار الإنساني المبدع المعبر عن الصراع بين الواقع والمثال أو العقلي والتنظيري المرجو.. بهدف إعلاء شأن الواقع عَلَّه يقترب من المثالي. وتُعَدُّ المقاومة رد الفعل في حالة توافر عنصر "الوعي" بالذات والآخر مع توافر عنصر الرغبة في التجاوز والإنجاز.

 وفى قضية "الهوية" يلزم الإشارة إلى مصطلحي "الانتماء" و"الالتزام" مع توجه سياسي واعٍ في إطار ثقافي عام يعي الحضارة الإنسانية وكينونة الذات وخصوصيتها، إلا أن السؤال عن الهوية يُعَبِّر ضمنًا عن الخوف من الغياب في مواجهة "الآخر" خصوصًا خلال فترات التحول في حياة الشعوب.. لكن السؤال نفسه يحمل قدرًا من الطموح والرغبة في التحقق.

أما عن مصطلحي "الانتماء" و"الالتزام"، فقد شاعا في القرن العشرين، حيث لعبت المذاهب الفكرية دورًا في توجيه الأدب، فشيوع الواقعية صاحب الدعوة إلى الانتماء (الذي هو الانتساب إلى الواقع لكونه جزءاً من الإنسانية) مع الدعوة بالالتزام بوجهة نظر أو موقف معين.

كما أنه في معجم "لاروس": الالتزام هو المشاركة في القضايا السياسية والاجتماعية، والملتزم هو الذي يتخذ موقفًا في النزاعات المختلفة معبرًا عن طبقة أو حزب أو نزعة.

وفي الفكر الوجودي للانتماء والالتزام أهمية خاصة، حتى جاء "جان بول سارتر" وقال:

"إن الإنسان مصدر الوجود، فهو الذي يعطى للأشياء معناها، ولا قيمة لأي شيء غير ذات الإنسان؛ لذلك يُعَدُّ حُرًّا.. عليه فالأديب ملتزم إذا ما اختار مهنة الكشف عن سر الإنسان والعمل على كشف ما يراه معيبًا، وهو بنفس الدرجة يُعَدُّ مسئولاً".

 لقد بدأ القرن العشرون والعالم العربي يبحث عن ذاته (هويته) في مواجهة الآخر المحتل.. والطريف أن ينتهي القرن ونحن في بداية قرن جديد.. وما زالت القضية (الهوية) محل سؤال، فإن كانت القضية في البداية تبحث عن الخلاص من المستعمر، فإنها الآن تبحث عن الخلاص الثقافي والفكري في ظل ثورتي الاتصال والمعلومات، وهو ما يطلق عليه بالغزو الثقافي والهيمنة الإعلامية، وقد أثارت المخاوف بالتالي: (التعرض لفقدان الهوية العربية والإسلامية حالة من الاغتراب قد تصيب الصغار والشباب، والتأثير على بعض الثوابت الثقافية بالمنطقة العربية.. وغيرها).

ربما تجدر الإشارة إلى بعض الملامح الفكرية في بدايات القرن العشرين، ولتكن تلك المناظرة الفكرية التي دارت بين الشيخ "محمد عبده" والكاتب "فرح أنطون"، حيث كان البحث عن الهوية متمثلاً في فكرة أصول الدولة المدنية.

فقد قال الشيخ بضرورة توافر النظر العقلي لتحصيل الإيمان، والبعد عن التكفير، والاعتبار لسنن الله في الخلق مع عدم إعطاء السلطة للشيوخ وإبقاء مدنيين عليها.

أما فرح أنطون فقال بأن غرض الحكومة المدنية حفظ الأمن بين الناس وحفظ الحرية ضمن دائرة الدستور، والمساواة بين الناس بقطع النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم، وأن للسلطة الدينية اختصاصاتها المحددة.. مع النظر إلى أن العقل البشرى مطبوع على الاختلاف والكون مطبوع على التنوع.

والآن جاء دور الرواية.. الطريف أن فن الرواية لم يكن بالفن الراسخ بعد خلال بدايات القرن العشرين، ويمكن التأكيد بثقة الآن أن هذا الفن ولد وترعرع ورسخ تحت إلحاح الحاجة إلى التعبير الإنساني عن تلك القضايا الفكرية التي راجت في ذلك الحين، وكانت هناك العديد من المحاولات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للتعرف على فن الرواية الذي بدأ بالترجمة ثم المحاكاة الكاملة وغيرها من المحاولات.

إلا أن الراصد لتلك الفترة وما كتب حقيقة في هذا الفن، لا يجد إلا قضية الهوية والبحث عن الذات هي الأصل وهي الدافع الحقيقي وراء روايات كتبت بالفعل (بغض النظر عن البعد التقني والفني الذي وصلت إليه الرواية فيما بعد).

فقد استخدمت الرواية كسلاح له دوره، وهو ما قام به "فرح أنطون" نفسه بعد كل المناظرات الشاقة التي مارسها أمام الشيخ "محمد عبده".. فنشر رواية "الدين والعلم والمال" عام 1903م، ثم رواية "أورشليم الجديدة" عام 1904م ولعلهما من أولى الروايات التي كتبت في  مجال المقاومة بإبراز أهمية الإصلاح والنقد الذاتي، والبحث في أثر الصراع بين ذوات "الأنا الجمعي" من الطوائف والفئات والطبقات داخل المجتمع الواحد، وبهدف البحث عن "الهوية".

* رواية "الدين والعلم والمال":

ارتكن الراوي على رموز محددة، حين وقف "حليم" على رأس ثلاث مدن "الدين" و "العلم" و "المال".. وقد غاب التسامح بينهم، فكان الصراع بينهم.

فشخصية "حليم" وهو شاعر فنان وكأن الفن في مقابل التعصب. أما صديقه "جميل" فله دوره المكمل.. وكلاهما يعبران أو يرمزان للحلم أو الصبر والجمال.. وكأنها القيم المطلوبة لتحقيق العدل.

أما شخصية "شيخ العلماء" وهو على رأس مدينة العلم.. فهو يرى بأهمية التسامح بين الناس مع نبذ التعصب. وتبرز الرواية أن العدو الحقيقي للعلم والدين معًا هو الأثرة والشراهة والرغبة في الانفكاك من كل قيد.

* رواية "أورشليم الجديدة":

تتبنى الرواية يوتوبيا "فرح أنطون" للفردوس الجديد على الأرض، فيقول على لسان أحد شخوصه: "إن إصلاح الأرض مسألة هامة، وإن أورشليم القديمة يجب أن تفسح مجالاً لأورشليم الجديدة".

لذلك يختم الرواية على لسان الراوي قائلاً: "ليس لنا الآن أمل (بعد الله) إلا فيك أيها العلم، ولا رجاء إلا في الطبيعة الإنسانية وهي الأقوى؛ لأنها الفاعل".

يقول د. جابر عصفور عن تلك الرواية: "إن أورشليم الجديدة هي الوطن العربي الذي لا بد أن تتآلف فيه الأديان والمعتقدات وتتجاوب على أساس من احترام حق الاختلاف، وأن

العدل هو الوجه الآخر للعلم".

سنكتفي الآن بهاتين الروايتين عَلَّهما عبرتا عن "الهوية" في مجال المقاومة والبحث عن الذات الجمعية.. والتراث الروائي مليء بأمثلة أخرى لها وقفات غيرها.

اقرأ في نفس الزاوية
الموسيقى شعر الوجدان!!

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم