|
| هل يرفع الإخوان السيفين من شعارهم؟ |
أطلق المفكر المصري الدكتور محمد سليم العوا - عبر حوار أجرته معه شبكة "إسلام أون لاين . نت" - دعوة لجماعة الإخوان المسلمين بالتوقف عن ممارسة العمل السياسي.
والدكتور العوا من الشخصيات الإسلامية العامة التي لا يملك المرء تجاهها سوى الاحترام والتبجيل، لمكانته الفكرية وصفاته الأخلاقية، وطرحه الهادئ المتزن، القائم على العمق والوعي والمنهجية والموضوعية.
لذلك لا يمكنني كقارئ للحوار المشار إليه اعتباره تأصيلا كاملا لفكرته أو دعوته للإخوان بترك العمل السياسي؛ لأن ما قدمه سعادته من رؤى في هذا الجانب لم يأتِ من خلال مقال رصين مستقل يعرض الفكرة ويفند أسبابها، ويطرح فوائدها المنتظرة، ونتائجها المتوقعة، ويؤكد حيثياتها، ولا من خلال بحث منهجي تفصيلي تأصيلي للمسألة الداعي إليها، فجاءت دعوته من خلال هذا الحوار تحمل نوعا من التناقض أو التداخل.
ومع ذلك لا نملك إلا أن نحترم هذه الدعوة ونقدرها تقديرا كاملا، مؤكدين على أن الدكتور العوا لو أراد أن يصيغ دعوته تلك في صورة نظرية دعوية، فإنه سيقدمها بشكل أكثر تكاملا ووضوحا واتساقا.
موقف وسط
كنت قد دعوت الإخوان المسلمين إلى فصل السياسي عن الدعوي، وذلك من خلال عدة مقالات ورسائل، نشر بعضها على "إسلام أون لاين"، وكنت في دعوتي المتكررة هذه لفصل السياسي عن الدعوي منطلقا من السطرين الأخيرين في حوار الدكتور العوا: "دعنا نجرب أن يخرج الصوت الإسلامي من قمقم العمل السياسي إلى فضاء العمل الثقافي والاجتماعي والتربوي، وسنرى ماذا ستكون النتيجة".
ولذلك أجد نفسي أقف موقفا وسطا بين ما دعا إليه الدكتور العوا من ترك العمل السياسي، وبين الانغماس الكلي في العمل السياسي باعتباره الطريق السليم للإصلاح من جهة ومن اعتباره - بما ينطوي عليه من تضحيات ومواجهات - محكا من محكات التربية، وهو الموقف الذي يتبناه الإخوان من خلال ممارساتهم، وهو ما بدا واضحا من رد الدكتور عصام العريان على كلام الدكتور العوا.
أعود إلى موقفي الوسط فأقول: إن دعوة الدكتور العوا إلى التوقف تماما عن العمل السياسي باعتبار أن المناخ السياسي لا يسمح بذلك، تترك فراغا سياسيا أكثر اتساعا، وفجوة بين ما يريده النظام وما يمارسه، وبين مصالح الشعب ورغباته.
إن الساحة السياسية المصرية تعاني في الأساس من الاستبداد والانفراد بالسلطة، بالإضافة إلى الفجوة الضخمة في موازين القوى السياسية بين النظام وبين معارضيه، فكيف إذا أخليت الساحة تماما لهذا الانفراد بالحكم؟.
إن اضطلاع قوة سياسية على خلفية إسلامية بالعمل السياسي أمر حتمي لا خلاف عليه، ولعلي أعتبر العمل السياسي في مواجهة النظم المنفردة بالحكم والسلطة في المنطقة هو نوع من أنواع الجهاد، أراه شخصيا أعلى مراتب الجهاد، لتضمنه كلمة حق في وجه سلطان جائر، أو مستبد، أو منفرد بالسلطة، دون رقابة حقيقية، أو تداول للسلطة، أو تفعيل لقوى الشعب ليكون مصدر السلطات كما أقره المنهج الإسلامي من خلال مبدأ الشورى.
كما أن الدكتور العوا يقوِّم التجربة السياسة الإسلامية من خلال النتائج، أو أداء برلمانيي الإخوان، فيقول: "أنا لست ضد البرلمان، لكني مع البرلمان المنتج؛ لكن إذا كان البرلمان وهو فرض كفاية سيعطلني عن فروض الأعيان فلا، تقديم فروض الأعيان أولى".
والحقيقة أن هذا الأداء يجب أن يتم تقويمه بصورة موضوعية بكل شفافية داخل الجماعة لحساب ميزان الأرباح والخسائر من خلال تلك المشاركات، واتخاذ الإجراء السياسي المناسب في المراحل القادمة، فربما امتنعت الجماعة عن خوض الانتخابات دون أن يعني ذلك تخليها عن طرحها السياسي، وإنما ممارسة العمل السياسي من خلال محاور أخرى، وليس معنى الفشل في وسيلة معينة أن يتم رفض العمل بكل وسائله.
إن المشهد السياسي المصري يحتاج حقيقة إلى عمل سياسي ومواجهة سياسية بشكل مكثف وقوي، أقوى بكثير مما يجري الآن، فالنظام نفسه ربما وجد نفسه في فراغ خطير في الفترة القادمة بسبب خلو منصب نائب رئيس الجمهورية.
إن مصلحة مصر تقتضي وجود قوة سياسية حقيقية في مواجهة الانفراد بالسلطة، ولدعم الاستقرار والأمن القومي في حالة حدوث أي فراغ محتمل، ومع ذلك فإنني أدعو إلى فصل الدعوي عن السياسي، من قبيل تفعيل كلا الاتجاهين معا، فالاعتماد على التخصص والتركيز والتنوع يضيف قوة حقيقية لكلا المجالين.
وأسوق في النقاط التالية مبررات الدعوة لفصل السياسي عن الدعوي:
تقوية العملين السياسي والدعوي
1- إعطاء القيادة السياسية للحركة الإسلامية الحرية المطلقة في اتخاذ القرارات القوية اللازمة لمتطلبات العمل التغييري السياسي، بعيدا عن الخوف على القواعد غير السياسية و"مصلحة الدعوة"، ففي أحيان كثيرة يتطلب الموقف السياسي مواجهات قوية في الشارع السياسي، ثم تأتي مواقف الجماعة باهتة أو ضعيفة، على خلفية تقديم مصلحة الدعوة، والحفاظ على القواعد.
والفصل بين السياسي والدعوي سيعمل على تقوية العمل السياسي، من حيث التركيز على الكفاءة النوعية، وقوة القرارات المتخذة، فالإصلاح السياسي يحتاج وقفة حقيقية أكثر قوة وصلابة، ومواجهة تتخطى حاجز توازنات المصلحة العامة للدعوة والقاعدة إلى مصلحة الوطن فقط.
وسيعمل الفصل أيضا على الحفاظ على العمل الدعوي وتنميته وتفعيله، ويفك الربط الذهني بين الداعية والسياسي.
وهذا الفصل وإن بدا للوهلة الأولى تقليصا لعدد المنتمين إلى التيار السياسي، إلا أنه يدعمه ويقويه من حيث الكفاءة والقدرة على العمل والتضحية والمواجهة، ونوعية اتخاذ القرارات السياسية ذاتها.
التخلص من عبء السرية
2- هدف تربوي في ممارسة العمل العلني، وحل إشكالية الإخوان بين السرية والعلنية التي تضطرهم إليها الدولة، وهذا لا يناسب كافة النفوس والطبائع البشرية، ويكون حملا فوق طاقة بعض الشباب.
ولا شك أن جماعة الإخوان تسعى للعمل العلني من خلال الإعلان عن قادتها، وممارسة كافة أشكال العمل العام، غير أن إصرار النظام على حظر أنشطة الجماعة والانتماء إليها، يفرض السرية على الاجتماعات التربوية والقاعدية للجماعة، وعدم اعتراف أفرادها لاسيما الشباب بالانتماء إلى الجماعة، وهذه الازدواجية تشكل عبئا تربويا على كاهل الشباب.
إن الرؤية المفترضة أو المقترحة في حالة فصل السياسي عن الدعوي، هي ممارسة العمل الدعوي بشكل علني من خلال مؤسسات مشهرة في وزارة الشئون الاجتماعية، وتحت إشراف المؤسسة الدعوية متمثلة في الأزهر، وممارسة العمل السياسي من خلال حزب سياسي معلن بالكامل، قياداته وقواعده.
وسواء الحال لو رأت الجماعة أن تعلن حزبا من اتجاه واحد يكتسب مشروعيته من الشعب، أو انتظار قرار لجنة شئون الأحزاب، أو حتى الاكتفاء بالعمل من خلال جماعة ضغط سياسية بالشكل الراهن، معتمدة على سياسة الأمر الواقع، فهذا راجع لرؤية الجماعة نفسها، المهم أنه في كل الحالات يجب فرض العلنية على عمل الجماعة، قواعد وقيادات ومناهج وسياسات، مما ينفي أية خلفية سرية أو حظر عن الجماعة، وهي الصورة التي يلعب عليها الإعلام المناهض لها.
لا للسلة الواحدة
3- يحقق الفصل بين السياسي والدعوي وضوح الرؤية للجميع، وحرية الاختيار بين العمل الإسلامي السياسي وهو حق مشروع وجهاد فاضل له تضحيات، وبين العمل الدعوي بلا نفس القدر من التضحيات والمعوقات، وفتح أبواب التنوع في العمل الدعوي الإصلاحي في كافة المجالات، وعدم وضع البيض كله في سلة واحدة.
لقد رأينا في الآونة الأخيرة ضرب قوى اقتصادية خاصة برجال أعمال الجماعة زعما بارتباطها بتنظيم الجماعة، وهو خلط متعمد في الأوراق، يساهم فيه بقدر أو بآخر هذا التشابك بين الأنشطة المختلفة في الجماعة.
شمولية المنهج لا الممارسة
4- أفرزت ما تعرف في الإعلام بظاهرة الدعاة الجدد، خطابا دعويا جديدا على المجتمع، تمكن من خلاله هؤلاء الدعاة الشباب من فتح آفاق دعوية أغلقت في وجه الدعاة السياسيين، من خلال التركيز على الأخلاق والقيم الإسلامية والحلول للمشكلات الاجتماعية الخانقة، واستهداف شرائح اجتماعية وثقافية جديدة، بدت مستعصية لفترات طويلة على الدعوة في خطابها التقليدي، مما يدفعني إلى المطالبة بتطبيق هذا النمط وتوسيعه لتعميق هذه النتائج.
إن هذا الخطاب الدعوي وصفه أنصار مشروع الإسلام السياسي بـ (إسلام خال من السياسة)، وهو ما يجب أن يكون نوعا من أنواع اختلاف التنوع لا التضاد، ودعمه في إطار أن شمولية المنهج ليست بالضرورة تفرض شمولية التطبيق أو الممارسة.
تخفيف الضغوط الأمنية
5- تخفيف الضغط الأمني على الإخوان، وهو ما رمى إليه الدكتور العوا في دعوته، مع التأكيد على أن هذه النتيجة لا يمكن توقعها بين يوم وليلة، بل هي ستحتاج سنوات طويلة من اقتناع النظام بأن ممارسة الدعوة للإصلاح الاجتماعي والأخلاقي لا تصب حتما لصالح حزب أو جماعة محددة.
وسيحتاج هذا لسنوات تقارب السنوات التي احتاجها النظام ليستوعب التحولات الجذرية في فكر وممارسة الجماعة الإسلامية على خلفية مراجعاتها الفكرية الفقهية الشهيرة، مع الإشارة إلى أن الخلاف مع النظام - كما يؤكد الإخوان دائما – هو خلاف على الحريات، والاستبداد، ونظام الحكم، وتداول السلطة، وليس خلافا عقائديا، والافتراض بأن فكرة التكفير العقائدي أو السياسي ليس لها وجود في الخلفية الفكرية للإخوان، وعلى هذا فإن النظام لا يواجه الإسلام نفسه، ولكنه يواجه المنافس السياسي القوي له على السلطة.
وضع دائم وليس تكتيكيا
وعلى عكس ما يطرحه البعض من طرح الفصل بين السياسي والدعوي كوضع مؤقت وتكتيكي لفترة معينة من الزمن، أرى أن هذا الفصل يجب أن يكون وضعا دائما وليس تكتيكيا؛ لأن الدولة لن تسمح بالتكتيكي المؤقت؛ لأنها تخاف من المستقبل، ونحن لا ندعو لهدنة مع النظام، ولكن لنوع من المشاركة الصحيحة سياسيا واجتماعيا، وغير ذلك.
فإن لم يستجب النظام بالسماح بالمشاركة في العملية السياسية، وتداول السلطة، والمشاركة في صناعة القرار، فإن الواجب على التيار السياسي العامل مدافعته، لا بغرض الإزاحة بقدر الحد من تلك الرؤية الأحادية المتحكمة في عقلية النظام الحاكم.
التخصص لا الإهمال
كما أنه ينبغي التأكيد على أن هذه الدعوة لا تعني بحال من الأحوال الدعوة إلى عدم اهتمام أفراد الشعب جميعا بالسياسة العامة، ولكنها تعني التخصص فقط، أما إبداء الرأي في القضايا السياسية واستمرار التثقيف السياسي، والتربية السياسية بغرض الوعي العام واليقظة لما يمكن أن ينتقص من حقوق الشعب فهو مكفول ومطلوب لكل الفصائل، الدعوية منها والسياسية.
وقد كان هذا واضحا حتى في الحوار المشار إليه آنفا للدكتور العوا ذاته، حين تحدث عن الغرض من عقد مؤتمر الشريعة والهوية والدستور قائلاً: "كان غرضنا من هذا المؤتمر أن نقول إن قضية الإسلام والهوية الإسلامية وتطبيق الشريعة ليست قضية جماعة الإخوان المسلمين، ولا قضية الجمعية الشرعية، ولا قضية حزب الدعوة في العراق أو في إيران، إنما هي قضية كل مسلم في كل بلد إسلامي، ونحن مسلمون لا ننتمي إلى حزب ولا إلى جماعة؛ ونطالب بأن تكون الهوية الإسلامية منعكسة في الوثائق السياسية المصرية، وأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وتستمر كذلك، ويزداد نطاق إعمالها في كل قوانيننا وفي كل تطبيقاتنا القضائية".
إن ما أنادي به هو فصل الدعوي عن السياسي بمعناه الحزبي التنظيمي المعارض للنظام بشكله الحالي، لكن على الدعاة المستقلين أن يجهروا برأيهم السياسي دائما، داعمين الإصلاح السياسي وقضايا الحريات، وحقوق الإنسان، وتفعيل مبدأ الشورى، وغيرها من القضايا الدعوية العامة المتماسة حتما مع القضايا السياسية.
إنني وإن كنت واحدا من الداعين إلى فصل السياسي عن الدعوي، واخترت الانحياز التام لصالح الدعوي والإصلاح الاجتماعي، إلا أن ذلك لا يمنعني من الكتابة أحيانا عن بعض الظواهر السياسية العامة، من الانتخابات والتعديلات الدستورية والتوريث وغيرها من القضايا السياسية المحلية والعالمية، لكنني أكتب فيها مستقلا بدافع من الوعي السياسي العام دون الانتماء لتنظيم سياسي معين، وهذا ما أعنيه تماما.
ربما كان ما نطلبه ونعول عليه من الإخوان المسلمين يشكل نوعا من التضحية، إلا أن جماعة الإخوان مطالبة بالتضحية من أجل الحفاظ على الوطن، هذا الوطن الذي يحتاج تفعيل السياسي بشكل أكثر قوة وتخصصا وتحديا ومدافعة لنظام أحادي.
شارك في ساحة الحوار حول الموضوع:
أيها الإخوان لا تتركوها .. فقط افصلوها (ساحة حوار).
كاتب مصري مقيم بالسعودية.
|