|
| مؤتمر العرب بين ثقافة التغيير وتغيير الثقافة |
كيف يمكن تجديد الثقافة العربية دون المساس بأصالتها وهويتها؟ وما هي العوامل التي أدت إلى حالة الجمود الفكري في العالم العربي؟ وكيف يمكن النهوض بالثقافة العربية لتمارس دورها الإبداعي ولتكون في خط المواجهة ضد الضغوطات الأجنبية الساعية لفرض مضامين للإصلاح تستهدف مقومات الأمة؟.. إنها أسئلة أساسية حاولت الندوة التي نظمتها منظمة "الإسيسكو" تحت عنوان: "ثقافة التغيير بين التأصيل والتجديد" والتي أدارها المدير العام للمنظمة د.عبد العزيز بن عثمان التويجري، وشارك فيها كل من المفكر المصري الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والدكتور سعيد بن سعيد العلوي عميد كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، والدكتور عباس الجراري مستشار الملك محمد السادس، والدكتور سعيد الحسن أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس.
وقد نظمت الندوة ضمن فعاليات المؤتمر الثالث لمؤسسة الفكر العربي الذي عقد بمراكش من 1 إلى 4 ديسمبر 2004 تحت شعار "العرب بين ثقافة التغيير وتغيير الثقافة" والذي شارك فيه العديد من الشخصيات السياسية والفكرية من داخل الوطن العربي وخارجه.
بين التجديد والأصالة
كان السؤال الجوهري الذي طرحه عميد كلية الآداب بالرباط الدكتور سعيد بن سعيد العلوي في مداخلته تحت عنوان ثقافة التغيير في الفكر العربي الإسلامي هو: هل يمكن تغيير المكونات الأساسية للثقافة العربية الإسلامية؟
لقد طرح هذا السؤال انطلاقا من اعتبار المتدخل بأن التغيير يعني "تغيير المكونات الأساسية للثقافة" ليؤكد بأنه يصعب تبني مفهوم التغيير في سياق الحديث عن الثقافة العربية الإسلامية التي لها ثوابت راسخة، وليقر بأن مفهوم التجديد هو الأقرب إلى التعبير عن روح الإسلام وروح الثقافة العربية الإسلامية؛ وذلك انطلاقا من الحديث الشريف الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها".
وبالرغم من كون مفهوم التجديد يجد أصوله في الثقافة الإسلامية فإن الدكتور ابن سعيد العلوي قد أكد أن الإشكالية الأساسية التي واجهت تطبيقه هي كيف يكون متوافقا مع الأصالة المرتبطة ارتباطا قويا بالهوية التي تميل إلى الانغلاق والحفاظ على الخصوصية، فكيف يمكن الحفاظ على الهوية والأصالة وفي نفس الوقت الانخراط في العالمية وتجديد الثقافة؟ يجيب الدكتور العلوي بأن هذا ممكن لكن على أساس الالتزام بالشروط التالية:
1- التسليم بوجوب التغيير وحتميته في سيرورة التحديث، أي الإيمان بأن التحديث ضرورة لا محيد عنها، وأن الفقهاء عبروا عنه بالعديد من المقولات، مثل قولهم: "تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور".
2- لا بد من التجديد الديني الحق على أساس الالتزام بشروط هذا التجديد ومن يقوم به ومن يحق له الحديث عنه.
3- شرط المصالحة مع الذات وذلك اعتبارا من أن الإسلام قد أصبح اليوم موضوع جدل كبير، وأن هناك خلطا كبيرا في المفاهيم بين الإسلام والمسلمين والإسلاميين، وأنه سواء كان هذا الخلط مقصودا أم غير مقصود فإنه يشكل جناية على الإسلام.
الضغط الأجنبي وتحدي الإصلاح
وشدد مستشار الملك محمد السادس الدكتور عباس الجراري على أهمية دور المثقفين في التغيير في العالم العربي والإسلامي، مؤكدا أنه لا بد من تجاوز الخلافات السياسية بين الفاعلين السياسيين وهيئات المجتمع المدني من جهة والأنظمة من جهة ثانية ودعا الجراري إلى "إسماع الصوت الثقافي العربي عبر العالم ليس فقط لإقناع الداخل، ولكن أيضا لإقناع الخارج بعدم جدوى فرض الإصلاح من الخارج وحتى لا تبقى الأنظمة وحدها في مواجهة الضغوط"، وقال الجراري: "لا بد أن يخرج المثقفون من موقع المتفرج إلى موقع الفعل والتأثير في المجتمع"، لكن هذا لن يتحقق -كما يقول الجراري- ما لم يتم استرجاع الثقة بين مكونات المجتمع وتجاوز الصراع بين القوى السياسية.
إن التغيير -حسب الجراري- قد يكون في الاتجاه السيئ مثلما قد يكون في الاتجاه الأحسن لذلك ففي الحالة الأولى يكون إفسادا، أما في الحالة الثانية فنكون بصدد الحديث عن الإصلاح أي مراجعة ما هو فاسد ورده إلى ما هو صالح. وهذا لا يتحقق إلا بتوفر الإرادة السياسية القابلة لإجراء هذا التغيير والمؤمنة بضرورة إشراك جميع الفئات فيه، وهنا يركز الدكتور الجراري بالأساس على دور المثقفين في إشاعة قيم العدل والمساواة والحق والحرية والانفتاح على العالم أما تنفيذ الإصلاح -يشدد الجراري- فيقوم به القائمون على الشأن العام من المسئولين الذين يعملون من خلال هياكل ومؤسسات حديثة تتجاوب مع الهيئات السياسية والمجتمع المدني.
لقد دعا مستشار الملك محمد السادس أيضا إلى ضرورة إعمال النقد الذاتي في العالم العربي "للوقوف على عوامل التخلف ومراجعة ما هو رائج بيننا من مواقف سياسية وآراء فكرية على ضوء التحولات الثقافية والفكرية"، كما أكد أن "صياغة ثقافة جديدة، وتجاوز التخلف يتطلب أدوات تمكننا من أن نعرف الغرب بعيدا عن المواقف الجاهزة تجاهه سواء تلك التي تجعلنا نرفضه بإطلاق أو نرتمي في أحضانه".
لا يمكن تصور أي إصلاح يتم إملاؤه من الخارج.. بهذا الموقف الواضح تحدث الدكتور عباس الجراري عن الضغوط الغربية التي تسعى لفرض نماذج للإصلاح في العام العربي: "إن الإصلاح -يقول الجراري- أمر استعجالي، ومطلب داخلي، أما الضغط الخارجي فهو يريد أن يفرض الإصلاح القائم على تعميق الفوارق الإثنية والدينية والعرقية والسياسية، وتقسيم الدول العربية والإسلامية".
وخلص عباس الجراري إلى أن الإصلاح الذي أصبح مطلبا للشعوب المتعطشة للحرية والنهضة لا بد أن ينطلق من المقومات الوطنية والدينية والروحية للأمة وإلا فإن مصيره سيكون هو الفشل. وأضاف قائلا: "من العار أن يسجل التاريخ أنه تم الانقياد للضغوط الخارجية على حساب الطموحات الشعبية".
خطورة الجمود الفكري
وحذر المفكر المصري محمد كمال أبو المجد من دعاة الجمود الفكري تحت ذريعة عدم السقوط في البدع، وأكد أن الحاجة باتت ماسة إلى إعادة النظر في العديد من القضايا ومن ذلك موقع العقل من النقل، وقال: "هذا الدين يخاطب العقل وإسقاط العقل ليس من الدين"، معللا ذلك بآيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى "أفلا يعقلون" و" أفلا يتذكرون" و"فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" واعتبر أبو المجد أن هذه الآية الأخيرة هي التي تضع إطار مبدأ الأمر بالمعروف النهي عن المنكر.
وبينما شدد الدكتور أبو المجد من جهة على أن المسلمين يرفضون التصورات التي تعرض عليهم من الخارج لا خوفا أو إفراطا في الحساسية ولكن لعلمهم بأن ما يعرض عليهم من الخارج لا يخدم سوى مصالح القوى الخارجية، أكد من جهة ثانية على أن "الإصلاح في المجال الثقافي والإسلامي يجب أن نقوم به نحن أنفسنا"، لكن هذا لن يتم ما لم يتجاوز المسلمون فكر الجمود، وما لم يعملوا على التعريف بالإسلام الحقيقي لا ما سماه بـ"الإسلام السماعي" الذي يقدم للمسلم أولويات غير حقيقية، ويجعله في حيرة وتيه دائمين.
أما عن دور السنة والفقه في عملية التجديد فقد أكد الدكتور كمال أبو المجد أنه لا بد من وقفة علمية للنظر في دور السنة والفقه انطلاقا من أن الغاية من التشريع هي تيسير حياة الناس والتيسير على العباد قائلا: "مع الأسف فإن المنتشر الآن هو فقه التعسير وبعض علماء هذا الزمان مسئولون عن إعراض الناس عن الشريعة بسبب دعوتهم للتعسير". وكما أن الدكتور أبو المجد قد وجه انتقاده للعلماء الجامدين الذين انشغلوا بالرواية عن الدراية فإنه انتقد أيضا من سماهم "المفسدين" الذين باتوا يدعون إلى إسقاط السنة وهي التي تشكل ثلاثة أرباع الدين.
وعلى المستوى السياسي انتقد أبو المجد الحكام الذين يعتقدون أن الشورى معلمة وغير ملزمة، ويظنون أن اجتهادهم يرقى فوق اجتهاد العلماء الثقات، مؤكدا أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على أساس المصلحة المرسلة؛ أي أن أي نظام يقوم على أساس مسئولية الرعاة والحكام والحرية والشورى وإقامة العدل فهو نظام إسلامي سواء جاء في شكل جمهوري أم ملكي أو غير ذلك.. يقول: "ليس هناك نظام إسلامي محدد في الإسلام، فأي نظام قام على هذه الأسس فهو نظام إسلامي، فالشورى ملزمة، والحاكم يجتهد كسائر المسلمين".
ودعا أبو المجد إلى النظر في هذه الأمور على تقوى من الله وعلى أساس أن للشريعة مقاصد وأن الدنيا هي دار العمل وليست للجمود قائلا: "الجامدون يدفعون الثقافة الإسلامية إلى الانتحار، ومن أراد أن ينتحر فلينتحر وحده، لكن لا يصطحب معه جموع المسلمين".
رهانات التجديد الثقافي العربي
وتحت عنوان "التغيير والتجديد وانعكاسات الأوضاع الدولية" جاءت مداخلة الدكتور سعيد الحسن مدير مركز خالد الحسن للدراسات والأبحاث بالرباط لتشير إلى أن الخطاب التجديدي العربي ما زال رهينا بالمؤثرات الدولية التي تجعل الوطن العربي وثقافته معتركا لصراع السياسات الدولية؛ وبالأخص سياسة الاستتباع الأمريكية، سواء عبر تحالفها الإستراتيجي مع الدولة العبرية ثم احتلالها للعراق، أم عبر حملتها الدعائية ضد الثقافة العربية تحت ذريعة اجتثاث بيئة الإرهاب الثقافية- وهي الحملة التي ارتكزت على مبادرة الشراكة الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الكبير.
وأكد سعيد الحسن أن التحديات التي تواجه الخطاب العربي تتمثل في مدى قدرة هذا الخطاب على مقاومة مطامع قوى الهيمنة الخارجية التي تستهدفه، وفي تسويغ هذه المقاومة أمام الرأي العام الدولي.. ومن هنا يدعو الحسن إلى أن ينطلق الخطاب التجديدي العربي من خصوصيته الإنسانية، ليس فقط لأنها خصوصية تُـميز الخطاب العربي منذ الرسالة المحمدية التي خاطبت عموم الناس؛ وهي خصوصية تكرس في الواقع الخطاب الفكري الذي نبع من المنطقة العربية وأعطى البشرية دياناتها السماوية جميعها. بل لأن الخصوصية الإنسانية المتأصلة في الخطاب العربي، هي خصوصية معنية الآن وأكثر من أي عهد مضى بأن تتوجه إلى عموم الإنسانية، لتستقي الإنسانية من مساندتها الفكرية والمعنوية -الشرعية الإنسانية- لتحررها، وللسمة التجديدية الإحيائية في خطابها.
وانتقد سعيد الحسن من يدعو إلى تحقيق الحرية دون تحقيق التحرر من التبعية، مؤكدا أن "التحرر هو شرط ممارسة الحرية، فالحرية لا يمارسها إلا الأحرار.. وهو ما لا يعني بطبيعة الحال تجاهل واقع الاستبداد القائم سياسيا وإعلاميا واقتصاديا على الصعيد العربي الداخلي، لكنه يعني أن مواجهة الاستبداد الداخلي هي بالأساس مواجهة لواقع الهيمنة والتبعية وقواها الخارجية ومرتكزاتها داخليا. فالحرية كغيرها من الغايات العربية الراهنة، لا تتحقق إلا بممارستها من باب التحرر من الهيمنة والتبعية وما يساندهما داخليا من استبداد". ومن هنا دعا الحسن إلى ربط أولوية التحرر بغيره من الغايات العربية في الحرية والعدالة والمنـعة.
|